تفسير هذه الآية

السورة 10 : الآية 26

السورة 10 : الآية 26

لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ

تفسير ابن كثير

{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26)}.

يخبر تعالى أن لمن أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح الحسنى في الدار الآخرة كقوله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60)} [الرحمن]. وقوله: {وَزِيَادَةٌ} هي تضعيف ثواب الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وزيادة على ذلك أيضًا، ويشمل ما يعطيهم الله في الجنان من القصور والحور والرضا عنهم، وما أخفاه لهم من قرة أعين، وأفضل من ذلك وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم فإنه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه لا يستحقونها بعملهم بل بفضله ورحمته.

وقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم عن أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الرحمن بن سابط ومجاهد وعكرمة وعامر بن سعد وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق ¬ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وأخرج عبد الرزاق والطبري بعض أقوالهم بأسانيد ثابتة وضعيفة، فقول أبي بكر الصديق أخرجه الطبري وهناد (الزهد 1/ 131 ح 170)، وابن خزيمة (التوحيد ص 120)، والدارقطني (الرؤية ح 193)، كلهم من طريق عامر بن سعد عن أبي بكر، وسنده ضعيف للانقطاع لأن عامر بن سعد لم يسمع من أبي بكر (تهذيب الكمال 14/ 23، وتهذيب التهذيب 5/ 57)، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: هذا حديث ليس له أصل، منكر (الجرح 6/ 137)، وقول حذيفة أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف 13/ 381)، والآجري (الشريعة ح 591)، كلهم بسند حسن من طريق أبي إسحاق السبيعي عن مسلم بن نذير عنه. وهذا القول له شاهد صحيح مرفوع كما يليه.¥ وغيرهم من السلف والخلف.

وقد وردت فيه أحاديث كثيرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عفان، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلا هذه الآية: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} وقال: "إذا دخل أهلُ الجنة الجنةَ وأهلُ النار النار نادى منادٍ: يا أهلَ الجنة إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا؟ ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه ولا أقرّ لأعينهم" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 4/ 333) وسنده صحيح.¥. وهكذا رواه مسلم وجماعة من الأئمة من حديث حماد بن سلمة به ¬صحيح مسلم، الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين الآخرة ربهم سبحانه (ح 181).¥.

وقال ابن جرير: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني شبيب، عن أبان، عن أبي تميمة الهجيمي أنه سمع أبا موسى الأشعري يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله يبعث يوم القيامة مناديًا ينادي: يا أهل الجنة -بصوت يسمع أولهم وآخرهم- إن الله وعدكم الحسنى وزيادة فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن -عَزَّ وجَلَّ-" ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورواه من طريقين آخرين. وضعفه مع الطريقين الأستاذ محمود شاكر. ويشهد له ما سبق في الصحيح.¥. ورواه أيضًا ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر الهُذلي، عن أبي تميمة الهجيمي به ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي بكر الهذلي به، وأبو بكر هذا متروك وسنده ضعيف.¥.

وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا ابن حميد، حدثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج، عن عطاء، عن كعب بن عجرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} قال: "النظر إلى وجه الرحمن -عَزَّ وجَلَّ-" ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وضعفه محمود شاكر لضعف إبراهيم بن المختار، ويشهد له ما سبق في صحيح مسلم.¥. وقال أيضًا: حدثنا ابن عبد الرحيم، حدثنا عمرو بن أبي سلمة: سمعت زهيرًا عمن سمع أبا العالية، حدثنا أُبي بن كعب أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قول الله -عَزَّ وجَلَّ-: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} قال: "الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله -عَزَّ وجَلَّ-" ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن أبي العالية، ويشهد له ما سبق في صحيح مسلم.¥. ورواه ابن أبي حاتم أيضًا من حديث زهير به ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق زهير به، وسنده ضعيف كسابقه.¥.

وقوله تعالى: {وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ} أي: قتام ¬أي: غبار.¥ وسواد في عرصات المحشر كما يعتري وجوه الكفرة الفجرة من القترة والغبرة {وَلَا ذِلَّةٌ} أي: هوان وصغار، أي لا يحصل لهم إهانة في الباطن ولا في الظاهر بل هم كما قال تعالى في حقهم: {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11)} [الإنسان] أي: نضرة في وجوههم وسرورًا في قلوبهم، جعلنا الله منهم بفضله ورحمته آمين.

تفاسير بلغات أخرى · 6