تفسير هذه الآية

السورة 11 : الآية 107

السورة 11 : الآية 107

خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ

تفسير ابن كثير

{خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107)}.

يقول تعالى: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} قال ابن عباس: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس، والضحاك لم يلق ابن عباس، ويشهد له ما رواه الطبري بسند جيد عن أبي العالية بلفظه.¥. أي تنفسهم زفير وأخذهم النفس شهيق، لما هم فيه من العذاب، عياذًا بالله من ذلك. {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ}. قال الإمام أبو جعفر بن جرير: من عادة العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدًا قالت: هذا دائم دوام السماوات والأرض، وكذلك يقولون: هو باقٍ ما اختلف الليل والنهار، "وما سمر أبناء سَمير" ¬هذا مثل من أمثال العرب المشهورة، ومعناه: هم الناس يسحرون طوال الليل (ينظر: المستقصى في أمثال العرب 2/ 249).¥، "وما لألأت العُفرُ بأذنابها" ¬هذا أيضًا مثل من الأمثال المشهورة، ومعناه: استمرار تحريك الظباء أذنابها (ينظر: مجمع الأمثال للميداني 3/ 174).¥ يعنون بذلك كلمة "أبدًا" فخاطبهم جلَّ ثناؤه بما يتعارفونه بينهم فقال: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} ¬ذكره الطبري بلفظه وزيادة: والمعنى في ذلك: خالدين فيها أبدًا.¥. (قلت): ويحتمل أن المراد بما دامت السماوات والأرض الجنس، لأنه لا بدّ في عالم الآخرة من سماوات وأرض كما قال تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} [إبراهيم: 48] ولهذا قال الحسن البصري في قوله: {مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} قال: يقول: سماء غير هذه السماء، وأرض غير هذه فما دامت تلك السماء وتلك الأرض ¬أخرجه ابن أبي حاتم معلقًا عن مبارك بن فضالة عن الحسن.¥. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قوله: {مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} قال: لكل جنة سماء وأرض ¬أخرجه ابن أبي حاتم معلقًا عن سفيان بن حسين به.¥. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما دامت الأرضُ أرضًا والسماءُ سماءً ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.¥. وقوله: {إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} كقوله تعالى: {النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: 128]. وقد اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء على أقوال كثيرة حكاها الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتابه زاد المسير ¬زاد المسير 4/ 160.¥، وغيره من علماء التفسير، ونقل كثيرًا منها الإمام أبو جعفر بن جرير - رحمه الله - في كتابه واختار هو ما نقله عن خالد بن معدان والضحاك وقتادة وابن سنان ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق معاوية بن صالح، عن عامر بن جشيب عن خالد بن معدان، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول أبي سنان أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي، ضعيف، ويشهد له ما سبق.¥. ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن أيضًا: أن الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين من الملائكة والنبيين والمؤمنين، حتى يشفعون في أصحاب الكبائر ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين فتخرج من النار من لم يعمل خيرًا قط، وقال يومًا من الدهر: لا إله إلا الله كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمضمون ذلك من حديث أنس ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه رجال مسكوت عنهم، ويشهد لهما ما تقدم في روايات الطبري.¥، وجابر ¬أخرجه البخاري في صحيحه، التفسير، باب قول الله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31] (ح 4476).¥، وأبي سعيد ¬تقدم قبل صفحتين وهو في الصحيحين.¥، وأبي هريرة ¬أخرجه مسلم في صحيحه، الفضائل، باب تفضيل نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - (ح 2278).¥، وغيرهم من الصحابة ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها ولا محيد له عنها، وهذا الذي عليه كثير من العلماء قديمًا وحديثًا في تفسير هذه الآية الكريمة. وقد روي في تفسيرها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وجابر وأبي سعيد من الصحابة، وعن أبي مجلز والشعبي وغيرهما من التابعين، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الأئمة في أقوال غريبة وورد حديث غريب في معجم الطبراني الكبير عن أبي أُمامة صدي بن عجلان الباهلي ¬المعجم الكبير (ح 7969)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (ح 606).¥، ولكن سنده ضعيف، والله أعلم. وقال قتادة: الله أعلم بثنياه ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة، ومعناه: الله أعلم بمن يستثنى من العذاب المخلد.¥. وقال السدي: هي منسوخة بقوله: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [النساء: 57] ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.¥.

تفاسير بلغات أخرى · 6