تفسير ابن كثير
{إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)}.
قوله: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} أي: ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونِحلهم ومذاهبهم وآرائهم. وقال عكرمة: مختلفين في الهدى ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه حفص بن عمر العدني.¥. وقال الحسن البصري: مختلفين في الرزق يسخر ¬في الأصل بدون نقط وبدون حرف السين، والمثبت من (حم) و (مح) وتفسير الطبري.¥ بعضهم بعضًا ¬أخرجه الطبري بسند حسن من طريق معتمر، وهو ابن سليمان، عن أبيه عن الحسن.¥. والمشهور الصحيح الأول. وقوله: {إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} أي: إلا المرحومين من أتباع الرسل الذين تمسكوا بما أمروا به من الدين، أخبرتهم به رسل الله إليهم، ولم يزل ذلك دأبهم حتى كان النبي الأُمي وخاتم الرسل والأنبياء، فاتبعوه وصدقوه ووازروه ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة لأنهم الفرقة الناجية، كما جاء في الحديث المروي في المسانيد والسنن من طرق يشد بعضها بعضًا: "إن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى افترقت على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة"، قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي". رواه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة ¬تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة يونس آية 93.¥. وقال عطاء: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} يعني: اليهود والنصارى والمجوس {إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} يعني الحنيفية ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق طلحة بن عمرو عن عطاء الخراساني، وطلحة متروك كما في التقريب.¥. وقال قتادة: أهل رحمة الله أهل الجماعة وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.¥. وقوله: {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} قال الحسن البصري في رواية عنه: وللاختلاف خلقهم ¬أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن عمرو بن عبيد عن الحسن، وأخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند حسن من طريق مبارك عن الحسن.¥. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: خلقهم فريقين، كقوله: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ثابت من طريق علي به.¥ [هود: 105]. وقيل: للرحمة خلقهم ¬أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.¥. قال ابن وهب: أخبرني مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن طاوس: أن رجلين اختصما إليه فأكثرا، فقال طاوس: اختلفتما وأكثرتما. فقال أحد الرجلين: لذلك خلقنا. فقال طاوس: كذبت. فقال: أليس الله يقول: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}. قال: لم يخلقهم ليختلفوا ولكن خلقهم للجماعة ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب به، وسنده حسن.¥ والرحمة. كما قال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: للرحمة خلقهم ولم يخلقهم للعذاب ¬أخرجه الطبري من طريق حفص بن عمر العدني عن الحكم به، وسنده ضعيف لضعف حفص.¥، وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة ¬قول مجاهد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضًا، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند فيه رجل مبهم، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.¥، ويرجع معنى هذا القول إلى قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} [الذاريات]. وقيل: بل المراد وللرحمة والاختلاف خلقهم، كما قال الحسن البصري في رواية عنه في قوله: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} قال: الناس مختلفون على أديان شتى {إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} فمن رحم ربك غير مختلف فقيل له: لذلك خلقهم؟ قال: خلق هؤلاء لجنته وخلق هؤلاء لناره وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه ¬أخرجه الطبري بسند حسن من طريق منصور عبد الرحمن عن الحسن مقطعًا.¥. وكذا قال عطاء بن أبي رباح والأعمش ¬قول عطاء بن أبي رباح أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق طلحة بن عمرو عنه، وطلحة متروك كما في التقريب، وقول الأعمش أخرجه الطبري من طريق سفيان عنه.¥. وقال ابن وهب: سألت مالكًا عن قوله تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} قال: فريق في الجنة وفريق في السعير ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أشهب عن مالك.¥. وقد اختار هذا القول ابن جرير وأبو عبيدة والفراء. وعن مالك فيما روينا عنه من التفسير {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} قال: للرحمة، وقال قوم: للاختلاف ¬تقدم تخريج هذين القولين عن بعض التابعين في الروايات السابقة.¥. وقوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} يخبر تعالى أنه قد سبق في قضائه وقدره لعلمه التام وحكمته النافذة أن ممن خلقه من يستحق الجنة ومنهم من يستحق النار، وأنه لا بدّ أن يملأ جهنم من هذين الثَّقلين الجن والإنس، وله الحجة البالغة والحكمة التامة. وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اختصمت الجنة والنار، فقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم ¬جمع ساقط وهو نازل المكانة الذي لا يؤبه به.¥؟ وقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين. فقال الله - عز وجل - للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنار: أنت عذابي أنتقم بك ممن أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما الجنة فلا يزال فيها فضل حتى ينشئ الله لها خلقًا يسكن فضل الجنة وأما النار فلا تزال تقول: هل من مزيد، حتى يضع عليها رب العزة قدمه فتقول: قط قط وعزتك" ¬صحيح البخاري، التفسير، باب {وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} [ق: 30] (ح 4849)، وصحيح مسلم، صفة الجنة، باب "النار يدخلها الجبارون. . ." (ح 2846).¥.