تفسير ابن كثير
{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6)}.
أخبر تعالى أنه متكفل بأرزاق المخلوقات من سائر دواب الأرض صغيرها وكبيرها بحريها وبريها، وأنه يعلم مستقرها ومستودعها، أي: يعلم أين منتهى سيرها في الأرض؟ وأين تأوي إليه من وكرِها؟ وهو: مستودعها. وقال علي بن أبي طلحة وغيره، عن ابن عباس: {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا} أي: حيث تأوي {وَمُسْتَوْدَعَهَا} حيث تموت ¬أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.¥. وعن مجاهد: {مُسْتَقَرَّهَا} في الرحم {وَمُسْتَوْدَعَهَا} في الصلب كالتي في الأنعام ¬أي في سورة الأنعام آية 98 قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ. . .} [الأنعام: 98] وهذا الأثر أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.¥، وكذا روي عن ابن عباس والضحاك ¬قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف لم يصرح باسم شيخ الطبري.¥ وجماعة. وذكر ابن أبي حاتم أقوال المفسرين ههنا ¬أخرجه ابن أبي حاتم عمن تقدم ذكرهم وعن ابن مسعود وقيس بن أبي حازم وأبي عبد الرحمن السلمي، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وقتادة والسدي وعطاء الخراساني بنحو ما تقدم وبحذف السند. ومعظم هذه الآثار أخرجها عبد الرزاق والطبري في تفسيريهما مسندة وبعضها أخرجها الطبراني في المعجم الكبير (9017)، والحاكم في المستدرك 2/ 341.¥ كما ذكره عند تلك الآية، فالله أعلم. وأن جميع ذلك مكتوب في كتاب عند الله مبين عن جميع ذلك كما قال تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)} [الأنعام] وقال تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)} [الأنعام].