تفسير هذه الآية

السورة 11 : الآية 71

السورة 11 : الآية 71

وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ

تفسير ابن كثير

{وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71)}.

يقول تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا} وهم الملائكة إبراهيم بالبشرى، قيل: تبشره بإسحاق، وقيل: بهلاك قوم لوط، ويشهد للأول قوله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74)} [هود]. {قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ} أي: عليكم قال علماء البيان: هذا أحسن مما حيَّوه به، لأن الرفع يدل على الثبوت والدوام. {فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} أي: ذهب سريعًا فأتاهم بالضيافة، وهو عجل فتى البقر، حنيذ: مشوي على الرضف وهي: الحجارة المحماة. هذا معنى ما روي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي وقتادة وغير واحد ¬قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: "نضيج"، وأخرجه الطبري بهذا اللفظ بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: "المشوي النضيج"، وكذا أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.¥، كما قال في الآية الأخرى: {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27)} [الذاريات]. وقد تضمنت هذه الآية آداب الصيافة من وجوه كثيرة وقوله: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ} تنكرهم {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} وذلك أن الملائكة لا همة لهم إلى الطعام ولا يشتهونه ولا يأكلونه، فلهذا رأى حالهم معرضين عما جاءهم به فارغين عنه بالكلية، فعند ذلك نكرهم {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً}. قال السدي: لما بعث الله الملائكة لقوم لوط أقبلت تمشي في صور رجال شُبَّان حتى نزلوا على إبراهيم فتضيفوه، فلما رآهم أجلهم {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26)} [الذاريات] فذبحه ثم شواه في الرضف وأتاهم به فقعد معهم وقامت (سارة) تخدمهم، فذلك حين يقول: (وامرأته قائمة وهو جالس) ¬هذه قراءة شاذة تفسيرية.¥ في قراءة ابن مسعود فقربه إليهم قال: ألا تأكلون؟ قالوا: يا إبراهيم إنا لا نأكل طعامًا إلا بثمن، قال: فإن لهذا ثمنًا، قالوا: وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره، فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال: حق لهذا أن يتخذه ربه خليلًا {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ} يقول: فلما رآهم لا يأكلون فزع منهم وأوجس منهم خيفة، فلما نظرت (سارة) أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم ضحكت وقالت: عجبًا لأضيافنا هؤلاء نخدمهم بأنفسنا كرامة لهم وهم لا يأكلون طعامنا ¬أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وروايته عن ابن مسعود منقطعة لأن السدي لم يلق ابن مسعود - رضي الله عنه -، والرواية من الإسرائيليات، والسدي معروف برواية الإسرائيليات.¥! وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا نصر بن علي، حدثنا نوح بن قيس، عن عثمان بن محصن في ضيف إبراهيم قال: كانوا أربعة: جبريل وميكائيل وإسرافيل [ورفائيل] ¬كذا في (مح) و (حم) وفي الأصل: "وروايل".¥. قال نوح بن قيس: فزعم [عون بن أبي شداد] ¬كذا في تفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصول: "نوح بن أبي شداد" وقد ترجم ابن أبي حاتم لعون بن أبي شداد (الجرح والتعديل 3/ 385).¥ أنهم لما دخلوا على إبراهيم فقرَّب إليهم العجل مسحه جبريل بجناحه فقام، يدرج حتى لحق بأُمه وأُم العجل في الدار ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه مع الخلاف السابق، وسنده حسن إلى عون.¥. وقوله تعالى إخبارًا عن الملائكة: {قَالُوا لَا تَخَفْ} أي: قالوا: لا تخف منا إنا ملائكة أرسلنا إلى قوم لوط لنهلكهم، فضحكت سارة استبشارًا بهلاكهم لكثرة فسادهم وغلظ كفرهم، فلهذا جوزيت بالبشارة بالولد بعد الإياس. وقال قتادة: ضحكت وعجبت أن قومًا يأتيهم العذاب وهم في غفلة ¬أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بنحوه.¥. وقوله: {وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} قال العوفي عن ابن عباس: فضحكت، أي: حاضت ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده، وعبد الصمد ضعيف (لسان الميزان 4/ 21).¥. وقول محمد بن قيس: إنها إنما ضحكت من أنها ظنت أنهم يريدون أن يعملوا كما يعمل قوم لوط ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي معشر، وهو نجيح السندي عن محمد بن قيس. وقد ضعف الرواية الحافظ ابن كثير.¥. وقول الكلبي: إنها إنما ضحكت لما رأت من الروع بإبراهيم ¬أخرجه الطبري بسند صحيح عن الكلبي، وقد ضعف متنه الحافظ ابن كثير.¥، ضعيفان جدًا، وإن كان ابن جرير قد رواهما بسنده إليهما فلا يلتفت إلى ذلك، والله أعلم. وقال وهب بن منبه: إنما ضحكت لما بشرت بإسحاق ¬أخرجه الطبري من طريق عبد الصمد عن وهب، وردّه الحافظ ابن كثير.¥. وهذا مخالف لهذا السياق فإن البشارة صريحة مرتبة على ضحكها {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} أي: بولد لها يكون له ولد وعقب ونسل، فإن يعقوب ولد إسحاق، كما قال في آية البقرة: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)} [البقرة]. ومن ههنا استدل من استدل بهذه الآية على أن الذبيح إنما هو إسماعيل، وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق لأنه وقعت البشارة به وأنه سيولد له يعقوب فكيف يؤمر إبراهيم بذبحه وهو طفل صغير؟ ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده ووعد الله حق لا خلف فيه، فيمتنع أن يؤمر بذبح هذا والحالة هذه، فتعين أن يكون إسماعيل وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه وأبينه، ولله الحمد.

تفاسير بلغات أخرى · 6