تفسير ابن كثير
قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31)
يقول تعالى آمرًا عباده بطاعته والقيام بحقه والإحسان إلى خلقه بأن يقيموا الصلاة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وأن ينفقوا مما رزقهم الله بأداء الزكوات والنفقة على القرابات والإحسان إلى الأجانب، والمراد بإقامتها هو المحافظة على وقتها وحدودها وركوعها وخشوعها وسجودها، وأمر تعالى بالإنفاق مما رزق في السر، أي في الخفية، والعلانية وهي الجهر، وليبادروا إلى ذلك لخلاص أنفسهم {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ} وهو يوم القيامة {لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ} أي: ولا يقبل من أحد فدية بأن تباع نفسه، كما قال تعالى: {فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الحديد: 15]، وقوله: {وَلَا خِلَالٌ}.
قال ابن جرير: يقول: ليس هناك مخالة خليل، فيصفح عمن استوجب العقوبة عن العقاب لمخالته، بل هناك العدل والقسط، والخلال مصدر من قول القائل: خاللت فلانًا، فأنا أخالله مخالة وخلالًا، ومنه قول امرئ القيس:
هرفت الهوى عنهنَّ من خشية الردى ... ولست بمقلي الخلال ولا قالٍ ¬ديوان امرئ القيس ص 35.¥ ¬ذكره الطبري بلفظه مستشهدًا بقول امرئ القيس.¥
وقال قتادة: إن الله قد علم أن في الدنيا بيوعًا وخلالًا يتخالُّون بها في الدنيا، فينظر رجل من يخالل وعلامَ يصاحب؟ فإن كان لله فليداوم، وإن كان لغير الله فسيقطع عنه ¬أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد عن قتادة.¥.
قلت: والمراد من هذا أنه يخبر تعالى أنه لا ينفع أحدًا بيع ولا فدية، ولو افتدى بملء الأرض ذهبًا لو وجده، ولا تنفعه صداقة أحد ولا شفاعة أحد إذا لقي الله كافرًا، قال الله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123)} [البقرة] وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)} [البقرة].