تفسير هذه الآية

السورة 18 : الآية 24

السورة 18 : الآية 24

إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰٓ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَدًا

تفسير ابن كثير

هذا إرشاد من الله تعالى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الأدب فيما إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل أن يرد ذلك إلى مشيئة الله - عز وجل -، علّام الغيوب الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، كما ثبت في الصحيحين، عن أبي هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "قال سليمان بن داود - عليهما السلام -: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة - وفي رواية: تسعين امرأة، وفي رواية: مائة امرأة - تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقيل له - وفي رواية قال له الملك: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فطاف بهم فلم يلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - والذي نفسي بيده، لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان دركًا لحاجته" وفي رواية: "ولقاتلوا في سبيل الله فرسانًا أجمعين" ¬أخرج الروايتين البخاري (الصحيح، النكاح، باب قول الرجل لأطوفن الليلة على نسائي ح 5242) وكتاب كفارات الأيمان، باب الاستثناء في الأيمان (ح 6720).¥ وقد تقدم في أول السورة ذكر سبب نزول هذه الآية في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن قصة أصحاب الكهف غدًا أجيبكم" فتأخر الوحي خمسة عشر يومًا، وقد ذكرناه بطوله في أول السورة ¬تقدم في الآية رقم (5) وتبين أنه ضعيف السند.¥، فأغنى عن إعادته.

وقوله: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} قيل: معناه: إذا نسيت الاستثناء، فاستثن عند ذكرك له، قاله أبو العالية والحسن البصري ¬قول أبي العالية أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري والبيهقي (الأسماء والصفات 366) بسند منقطع من طريق معتمر بن سليمان عن أبيه بلاغًا عن الحسن.¥.

وقال هشيم عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس في الرجل يحلف قال: له أن يستثني ولو إلى سنة وكان يقول: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} ذلك، قيل للأعمش: سمعته عن مجاهد؟ فقال: حدثني به ليث بن أبي سُليم تُرى ذهب كسائي هذا ¬أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وأخرجه الحاكم من طريق الأعمش به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 4/ 303) وقول الأعمش: تُرى ذهب كسائي هذا! ورد معناه في حاشية تفسير الطبري المحقق: يريد أنه لم ينقصه شيء بإسقاط ليث بن أبي سليم من الإسناد.¥! ورواه الطبراني من حديث أبي معاوية، عن الأعمش به ¬المعجم الكبير (11/ 68 ح 11069).¥.

ومعنى قول ابن عباس أنه يستثني ولو بعد سنة؛ أي: إذا نسي أن يقول في حلفه أو في كلامه إن شاء الله وذكر ولو بعد سنة، فالسنة له أن يقول ذلك، ليكون آتيًا بسنة الاستثناء حتى ولو كان بعد الحنث، قاله ابن جرير - رحمه الله - ¬ذكره الطبري بنحوه ولكن فيه: "ولو بعد عشر سنين" بدل سنة.¥، ونصّ على ذلك لا أن يكون رافعًا لحنث اليمين ومسقطًا للكفارة، وهذا الذي قاله ابن جرير - رحمه الله - هو الصحيح، وهو الأليق بحمل كلام ابن عباس عليه، والله أعلم.

وقال عكرمة: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} أي إذا غضبت ¬أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف 8/ 288)، والطبري بسند جيد من طريق ثابت بن جابان عن عكرمة.¥. وهذا تفسير باللازم.

وقد قال الطبراني: حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، حدثنا سعيد بن سليمان، عن عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} أن تقول: إن شاء الله ¬أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير 12/ 179 ح 12817) وسنده حسن.¥.

وقال الطبراني: حدثنا محمد بن الحارث [الجُبيلي] ¬كذا في المعجم الكبير 12/ 179 (ح 12817) وفي الأصل: "الجيلي" وفي (ح) و (حم): الحبلي.¥، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، عن عبد العزيز بن حصين، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس [في قوله: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} أن تقول: إن شاء الله ¬أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الأوسط 7/ 68 ح 6872)، قال الهيثمي: وفيه عبد العزيز بن حصين وهو ضعيف (مجمع الزوائد 7/ 56)، وقد تابعه سفيان بن حسين في الرواية السابقة فيكون سنده حسنًا لغيره.¥. وروى الطبراني أيضًا عن ابن عباس ¬زيادة من (ح) و (حم).¥] في قوله: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} الاستثناء فاستثن إذا ذكرت، وقال: هي خاصة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس لأحد منا أن يستثني إلا في صلة من يمينه، ثم قال: انفرد به الوليد عن عبد العزيز بن الحصين ¬في سنده عبد العزيز بن الحصين وهو ضعيف كما تقدم في الرواية السابقة ولم يتابع فسنده ضعيف.¥، ويحتمل في الآية وجه آخر وهو أن يكون الله تعالى قد أرشد من نسي الشيء في كلامه إلى ذكر الله تعالى؛ لأن النسيان منشؤه الشيطان، كما قال فتى موسى: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} [الكهف: 63] وذكر الله تعالى يطرد الشيطان فإذا ذهب الشيطان ذهب النسيان، فذكر الله تعالى سبب للذكر، ولهذا قال: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}.

وقوله: {وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا} أي: إذا سئلت عن شيء لا تعلمه، فاسأل الله تعالى فيه، وتوجه إليه في أن يوفقك للصواب والرشد في ذلك، وقيل في تفسيره غير ذلك، والله أعلم.

تفاسير بلغات أخرى · 6