تفسير هذه الآية

السورة 18 : الآية 46

السورة 18 : الآية 46

ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا

تفسير ابن كثير

وقوله: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} كقوله: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)} [آل عمران]، وقال تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15)} [التغابن] أي: الإقبال عليه والتفرغ لعبادته خير لكم من اشتغالكم بهم، والجمع لهم، والشفقة المفرطة عليهم، ولهذا قال: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}.

وقال ابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف: الباقيات الصالحات الصلوات الخمس ¬قول ابن عباس أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبد الله بن مسلم بن هرمز عنه، وعبد الله بن مسلم بن هرمز ضعيف كما في التقريب.¥.

وقال عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير، عن ابن عباس: الباقيات الصالحات سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ¬أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الملك العرزمي عن عطاء به، وأخرجه من طريق عبد الله بن مسلم بن هرمز عن سعيد بن جبير به، وقد توبع عبد الله بن مسلم بواسطة عبد الملك العرزمي.¥، وهكذا سئل أمير المؤمنين عثمان بن عفان عن الباقيات الصالحات ما هي؟ فقال: هي لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، رواه الإمام أحمد، حدثنا أبو عبد الرحمن المقري، حدثنا حيوة، حدثنا أبو عقيل أنه سمع الحارث مولى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - يقول: جلس عثمان يومًا وجلسنا معه، فجاءه المؤذن، فدعا بماء في إناء أظنه سيكون فيه مد، فتوضأ ثم قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ وضوئي هذا، ثم قال: "من توضأ وضوئي هذا، ثم قام فصلى صلاة الظهر غفر له ما كان بينها وبين الصبح. ثم صلى العصر غفر له ما بينها وبين الظهر، ثم صلى المغرب غفر له ما بينها وبين العصر، ثم صلى العشاء غفر له ما بينها وبين المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته، ثم إن قام فتوضأ وصلى صلاة الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهي الحسنات يذهبن السيئات" قالوا: هذه الحسنات، فما الباقيات الصالحات يا عثمان؟ قال: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ¬تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة هود آية 114.¥. تفرد به.

وروى مالك عن عمارة بن عبد الله بن صياد، عن سعيد بن المسيب قال: الباقيات الصالحات: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله ¬أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، القرآن، باب ما جاء في ذكر الله تبارك وتعالى 1/ 210 ح 23) وسنده صحيح.¥.

وقال محمد بن عجلان، عن عمارة قال: سألني سعيد بن المسيب عن الباقيات الصالحات، فقلت: الصلاة والصيام، فقال: لم تصب، فقلت: الزكاة والحج، فقال: لم تصب، ولكنهنَّ الكلمات الخمس: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله ¬أخرجه الطبري من طريق ابن عجلان به، ويشهد له سابقه.¥.

وقال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن نافع بن سرجس أنه أخبره أنه سأل ابن عمر عن الباقيات الصالحات. قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، [وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

قال ابن جريج: وقال عطاء بن أبي رباح مثل ذلك ¬أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به وسنده جيد.¥.

وقال مجاهد: الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر] ¬ما بين معقوفين سقط واستدرك من نسخة (ح) و (حم).¥ ¬أخرجه الثوري عن منصور، وهو ابن المعتمر، عن مجاهد، وسنده صحيح.¥.

وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الحسن وقتادة في قوله: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، هن الباقيات الصالحات ¬أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده صحيح.¥.

قال ابن جرير: وجدت في كتابي عن الحسن بن الصباح البزار، عن أبي نصر التمار، عن عبد العزيز بن مسلم، عن محمد بن عجلان سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هن الباقيات الصالحات" ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الطبراني من طريق داود بن بلال عن عبد العزيز بن مسلم به (المعجم الصغير 1/ 145) قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير داود بن بلال وهو ثقة (مجمع الزوائد 10/ 92)، وأخرجه الحاكم من طريق عبد العزيز بن مسلم به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 1/ 541)، وقال المنذري: إسناده جيد قوي (الترغيب والترهيب 2/ 432) ويشهد له ما تقدم.¥.

قال: وحدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرنا عمرو بن الحارث أن دراجًا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "استكثروا من الباقيات الصالحات" قيل: وما هن يا رسول الله قال: "الملة" قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: "التكبير، والتهليل، والتسبيح، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله" ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم ويشهد له ما سبق.¥. وهكذا رواه أحمد من حديث دراج به ¬المسند 3/ 75 وسنده كسابقه ويتقوى بالشواهد المتقدمة.¥.

قال ابن وهب: أخبرني أبو صخر أن عبد الله بن عبد الرحمن مولى سالم بن عبد الله حدثه قال: أرسلني سالم إلى محمد بن كعب القرظي في حاجة، فقال: قل له القني عند زاوية القبر، فإن لي إليك حاجة، قال: فالتقيا فسلم أحدهما على الآخر، ثم قال سالم: ما تعد الباقيات الصالحات؟ فقال: لا إله إلا الله والله أكبر، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقال له سالم: متى جعلت فيها لا حول ولا قوة إلا بالله؟ قال: ما زلت أجعلها، قال: فراجعه مرتين أو ثلاثًا فلم ينزع، قال: فأثبت؟ قال سالم: أجل فأثبت، فإن أبا أيوب الأنصاري حدثني أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: "عرج بي إلى السماء فأريت إبراهيم - عليه السلام -، فقال: يا جبريل من هذا الذي معك؟ فقال: محمد، فرحب بي وسهل، ثم قال: مُر أُمتك فلتكثر من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة، فقلت: وما غراس الجنة فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله" ¬أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن وهب به، وأخرجه الإمام أحمد من طريق حيوة عن أبي صخر به مختصرًا، وضعف سنده محققوه لجهالة حال عبد الله بن عبد الرحمن (المسند 38/ 533 ح 23552)، وأخرجه ابن حبان من طريق أبي صخر مختصرًا (الإحسان 3/ 103 ح 821) وقال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح غير عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وهو ثقة، لم يتكلم فيه أحد، ووثقه ابن حبان (مجمع الزوائد 10/ 100) وتوثيق ابن حبان في هذا المقام لا يكفي، وحسنه المنذري (الترغيب 2/ 445).¥.

وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن يزيد عن العوام، حدثني رجل من الأنصار من آل النعمان بن بشير، عن النعمان بن بشير قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن في المسجد بعد صلاة العشاء، فرفع بصره إلى السماء ثم خفض حتى ظننا أنه قد حدث في السماء شيء، ثم قال: "أما إنه سيكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون، فمن صدقهم بكذبهم ومالأهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يمالئهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه. ألا وإن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هن الباقيات الصالحات" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 4/ 267، 268)، وفي سنده إبهام شيخ العوام، ويشهد لآخره الروايات السابقة.¥.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبان، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد، عن أبي سلام، عن مولى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "بخٍ بخٍ ¬بخ بخ: يقال عند المدح والرضا بالشيء، ويكرر للمبالغة.¥ لخمس ما أثقلهنَّ في الميزان: لا إله إلا الله والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، والولد الصالح يتوفى فيحتسبه والده - قال -: بخٍ بخٍ لخمس من لقي الله مستيقنًا بهن دخل الجنة: يؤمن بالله واليوم الآخر، وبالجنة والنار، وبالبعث بعد الموت، وبالحساب" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وقال محققوه: حديث صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح، والمولى الذي لم يسمَّ هو أبو سلمى راعي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (المسند 24/ 430 ح 15662)، وهذا التصحيح بالشواهد والمتابعات.¥.

وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية، قال: كان شداد بن أوس - رضي الله عنه - في سفر، فنزل منزلًا فقال لغلامه: ائتنا بالشفرة نعبث بها، فأنكرت عليه، فقال: ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخطمها وأزمها غير كلمتي هذه، فلا تحفظوها علي واحفظوا ما أقول لكم: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا أنتم هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك شكر نعمتك وأسألك حسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا، وأسألك لسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب". ثم رواه أيضًا النسائي من وجه آخر عن شداد بنحوه ¬تقدم تخريجه وبيان غريبه في تفسير سورة التوبة آية 35.¥.

وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن ناجية، حدثنا محمد بن سعد العوفي، حدثني أبي، حدثنا عمي الحسين، عن يونس بن نفيع الجدلي، عن سعد بن جنادة - رضي الله عنه - قال: كنت في أول من أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهل الطائف، فخرجت من أهلي من السراة غدوة، فأتيت منى عند العصر، فتصاعدت في الجبل: ثم هبطت فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأسلمت وعلمني {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و {إِذَا زُلْزِلَتِ} وعلمني هؤلاء الكلمات: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وقال: "هن الباقيات الصالحات" ¬أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير 6/ 51 ح 5483)، قال الهيثمي: وفيه الحسين بن الحسن العوفي وهو ضعيف. (مجمع الزوائد 7/ 169)، والروايات السابقة تشهد لآخره.¥.

وبهذا الإسناد: "من قام من الليل فتوضأ ومضمض فاه، ثم قال: سبحان الله مائة مرة، والحمد لله مائة مرة، والله أكبر مائة مرة، ولا إله إلا الله مائة مرة، غفرت ذنوبه إلا الدماء فإنها لا تبطل" ¬أخرجه الطبراني (المعجم 6/ 52 ح 5484) وسنده كسابقه.¥.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} قال: هي ذكر الله قول: لا إله إلا الله، والله أكبر وسبحان الله، والحمد لله، وتبارك الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله، وصلى الله على رسول الله، والصيام، والصلاة، والحج، والصدقة، والعتق، والجهاد، والصلة، وجميع أعمال الحسنات وهن الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلها في الجنة ما دامت السماوات والأرض ¬أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.¥.

وقال العوفي، عن ابن عباس: هُنَّ الكلام الطيب ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.¥.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي الأعمال الصالحة كلها ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.¥، واختاره ابن جرير - رحمه الله - ¬اختاره مستدلًا برواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس - رضي الله عنهما -.¥.

تفاسير بلغات أخرى · 6