تفسير ابن كثير
قال الإمام أحمد: حدثنا يعلى ووكيع قالا: حدثنا عمر بن ذرّ، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لجبرائيل: "ما يمنعك أن تزورنا أكثر ما تزورنا؟ " قال: فنزلت {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ. . .} إلى آخر الآية ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 1/ 231)، وسنده صحيح.¥.
انفرد بإخراجه البخاري فرواه عند تفسير هذه الآية عن أبي نعيم، عن عمر بن ذرّ، به ¬صحيح البخاري، التفسير، باب {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} [مريم: 64] (ح 4731).¥. ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث عمر بن ذرّ به وعندهما زيادة في آخر الحديث: فكان ذلك الجواب لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ¬أخرجه الطبري من طريق وكيع عن عمر بن ذر، وسنده صحيح، والزيادة صحيحة.¥.
وقال العوفي، عن ابن عباس: احتبس جبرائيل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك وحزن فأتاه جبريل وقال: يا محمد {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} الآية ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بسابقه.¥.
وقال مجاهد: لبث جبرائيل عن محمد - صلى الله عليه وسلم - اثنتي عشرة ليلة، ويقولون: أقل، فلما جاءه قال: "يا جبرائيل لقد لبثت عليَّ حتى ظنَّ المشركون كلَّ ظن" فنزلت {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} الآية. قال: وهذه الآية كالتي في الضحى ¬أي: قوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3)} [الضحى].¥ ¬أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، لكنه مرسل ويتقوى برواية الصحيح السابقة.¥، وكذلك قال الضحاك بن مزاحم وقتادة والسدي وغير واحد: إنها نزلت في احتباس جبرائيل ¬قول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وهذان المرسلان يقوى أحدهما الآخر ويتقويان بالحديث الصحيح المتقدم.¥. وقال الحكم بن أبان عن عكرمة قال: أبطأ جبرائيل النزول على النبي - صلى الله عليه وسلم -: أربعين يومًا، ثم نزل، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما نزلت حتى اشتقت إليك" فقال له جبريل: بل أنا كنت إليك أشوق ولكني مأمور، فأوحى الله إلى جبرائيل أن قل له: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} الآية ¬وسنده مرسل، والحكم بن أبان: صدوق له أوهام، كما في التقريب.¥، ورواه ابن أبي حاتم - رحمه الله -، وهو غريب.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مجاهد قال: أبطأت الرسل على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم أتاه جبريل فقال له: "ما حبسك يا جبريل؟ " فقال له جبريل: وكيف نأتيكم وأنتم لا تقصّون أظفاركم، ولا تنقّون براجمكم، ولا تأخذون شواربكم، ولا تستاكون. ثم قرأ: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ. . .} إلى آخر الآية ¬رجاله ثقات لكنه مرسل، ويتقوى بما سبق.¥.
وقد قال الطبراني: حدثنا أبو عامر النحوي، حدثنا محمد بن إبراهيم الصوري، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا إسماعيل بن عياش، أخبرني ثعلبة بن مسلم، عن أَبي كعب مولى ابن عباس، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن جبرائيل أبطأ عليه فذكر له ذلك، فقال: وكيف وأنتم لا تستنون ¬أي: لا تستعملون السواك.¥، ولا تقلمون أظفاركم، ولا تقصّون شواربكم، ولا تنقّون رواجبكم ¬الرواجب: ما بين عقد الأصابع من داخل.¥ ¬أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير 11/ 431، 432 ح 12224)، وسنده ضعيف لجهالة ثعلبة.¥؟ وهكذا رواه الإمام أحمد، عن أبي اليمان، عن إسماعيل بن عياش، عن ابن عباس بنحوه ¬أخرجه الإمام أحمد عن أبي اليمان به، وضعف سنده محققوه، كما في رواية الطبراني (المسند 4/ 68 ح 2181).¥.
وقال الإمام أحمد: حدثنا سيار، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا المغيرة بن حبيب، عن مالك بن دينار، حدثني شيخ من أهل المدينة، عن أم سلمة قالت: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أصلحي لنا المجلس فإنه ينزل ملك إلى الأرض لم ينزل إليها قط" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 6/ 296) وسنده ضعيف لإبهام اسم الراوي عن أم سلمة - رضي الله عنها -.¥.
وقوله: {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا} قيل: المراد {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} أمر الدنيا، {وَمَا خَلْفَنَا} أمر الآخرة، {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} ما بين النفختين، هذا قول أبي العالية وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة في رواية عنهما، والسدي والربيع بن أنس ¬قول أبي العالية أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه، وقول الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، أحدهما تقدم في رواية أبي العالية، وقول عكرمة وسعيد بن جبير أخرجهما ابن أبي حاتم كما عزاه إليه السيوطي في الدر المنثور.¥.
وقيل: {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} ما يستقبل من أمر الآخرة {وَمَا خَلْفَنَا} أي: ما مضى من الدنيا {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} أي: ما بين الدنيا والآخرة، ويروى نحوه عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة وابن جريج والثوري، ¬قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه ويتقوى بالآثار التالية: إذ أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.¥، واختاره ابن جرير أيضًا، والله أعلم.
وقوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} قال مجاهد: معناه ما نسيك ربك ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد، وابن جريج لم يسمع من مجاهد.¥، وقد تقدم عنه أن هذه الآية كقوله: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3)} [الضحى].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يزيد بن محمد بن عبد الصمد الدمشقي، حدثنا محمد بن عثمان يعني: أبا الجماهر، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا عاصم بن رجاء بن حيوة، عن أبيه، عن أبي الدرداء يرفعه قال: "ما أحلَّ الله في كتابه فهو حلال، وما حرمه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا" ثم تلا هذه الآية {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} ¬سنده حسن وأخرجه الحاكم من طريق عاصم به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 2/ 375)، ونسبه الهيثمي إلى البزار والطبراني وحسّن سنده (مجمع الزوائد 1/ 176).¥.