تفسير ابن كثير
{أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108)}.
نهى الله (تبارك) ¬من (ي).¥ وتعالى (المؤمنين) ¬من (ن).¥ في هذه الآية الكريمة عن كثرة سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الأشياء قبل كونها؛ كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} [المائدة: 101]، أي: وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تبين لكم؛ ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه فلعله أن يحرم من أجل تلك المسألة؛ ولهذا جاء في "الصحيح" ¬أخرجه البخاري (13/ 264)، ومسلم (2358/ 132 - 133).¥: " (إن) ¬من (ن).¥ أعظم المسلمين (في المسلمين) ¬من (ج) و (ع).¥ جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم (من أجل) ¬في (ج): "لأجل".¥ مسألته". ولهذا جاء في الصحيحين "إن أعظم المسلمين حِرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسالته".
ولما سئل ¬هذا جزء من حديث يرويه الزهري: (صحيح البخاري 9/ 446).¥ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يجد مع امرأته رجلًا فإن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك؛ فكرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسائل وعابها، ثم أنزل الله حكم الملاعنة.
ولهذا ثبت في "الصحيحين" ¬أخرجه البخاري (3/ 341؛ و 5/ 68؛ و 10/ 405)؛ ومسلم (3/ 1314).¥ من حديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ينهى عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال.
وفي "صحيح مسلم" ¬بل هو في "صحيح البخاري" (13/ 251) من طريق الأعرج، عن أبي هريرة دون سبب الورود وقد أخرجه مسلم (1337/ 131).¥: "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه". وهذا إنما قاله بعد ما أخبرهم أن الله كتب عليهم الحج؛ فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثًا. ثم قال - عليه السلام -: "لا، ولو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم"؛ ثم قال: "ذروني ما تركتكم ... " الحديث.
(ولهذا) ¬كذا في (ن). وفي باقي "الأصول": "وهكذا".¥ قال أنس بن مالك ¬أخرجه البخاري (1/ 149) معلقًا، ووصله مسلم (12/ 10، 11).¥ (- رضي الله عنه -) ¬من (ع).¥: نهينا أن نسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتي الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع.
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في "مسنده" ¬يعني: في "المسند الكبير" ولم أجده في "المطبوع". وسنده جيد.¥: أخبرنا أبو كريب، أخبرنا إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب؛ قال: إن كان ليأتي علي السنة أريد أن أسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الشيء فأتهيب منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب.
وقال البزار ¬أخرجه الدارمي (1/ 48) قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، وهو أبو بكر، والطبراني في "الكبير" (ج 11/ رقم 12288)؛ والوزير ابن الجراح في "الثاني من الأمالي" (119 - بتحقيقي) من طريق أبي جعفر أحمد بن بديل؛ وأبو يعلى في "مسنده"، كما في "إتحاف الخيرة" (ق 60/ 2) للبوصيري، قال: حدثنا زهير بن حرب. وابن بطة في "الإبانة" (1/ 398) من طريق علي بن حرب قالوا: ثنا ابن فضيل بسنده سواء. وتابع جرير بن عبد الحميد، عن عطاء بن السائب بسنده سواء.
ذكره ابن عبد البر في "جامع العلم" (2/ 173) وهذا سند ضعيف ومحمد بن فضيل وجرير سمعا من
عطاء بن السائب بعد الاختلاط. والحديث عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (1/ 586) لابن المنذر.¥: حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (- رضي الله عنهما -) ¬من (ل).¥ قال: ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ ما سألوه إلا عن ثنتي عشرة مسألة كلها في القرآن. {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [البقرة: 219] و {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} [البقره:217]، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى} [البقرة:220] يعني: هذا وأشباهه.
وقوله تعالى: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} أي: بل تريدون. أو هي على بابها في الاستفهام؛ وهو إنكاري، وهو يعم المؤمنين والكافرين؛ فإنه - عليه السلام - رسول الله إلى الجميع؛ كما قال تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} [النساء: 153].
قال محمد بن إسحاق ¬أخرجه ابن جرير (1777)؛ وابن أبي حاتم (1081) من طريق سلمة بن الفضل، زاد ابن جرير: ويونس بن بكير، قالا: ثنا ابن إسحاق بسنده سواء. [وسنده حسن].¥: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد، عن ابن عباس؛ قال: قال رافع بن حريملة ووهب بن زيد: يا محمد، ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه. وفجر لنا أنهارًا نتبعك ونصدقك. فأنزل الله من قولهم {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108)}.
وقال أبو جعفر الرازي ¬أخرجه ابن جرير (1783)؛ وابن أبي حاتم (1083) من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه بهذا الإسناد. وهذا سند ضعيف لإرساله.¥، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية - في قوله تعالى: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} قال: قال رجل: يا رسول الله، لو كانت كفاراتنا ككفارات بني إسرائيل؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: اللهم لا نبغيها - ثلاثًا - ما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل؛ كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبةً على بابه وكفارتها؛ فإن كفر كانت له خزيًا في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزيًا في الآخرة، فما أعطاكم اللّه خير مما أعطى بني إسرائيل. قال: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110)} [النساء].
وقال ¬هذا استشهاد من أبي العالية، ولكن الحديث صحيح.
أخرجه مسلم (233/ 14).¥: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن".
وقال ¬أخرجه البخاري في "كتاب الرقاق" (11/ 323)؛ وأخرجه مسلم (131/ 208).¥: "من همَّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت سيئة واحدة، ومن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة، وإن عملها كتبت له عشر أمثالها، ولا يهلك على الله إلا هالك"؛ فأنزل الله: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ}.
وقال مجاهد ¬أخرجه ابن جرير (1780) من طريق عيسى؛ وابن أبي حاتم (1082) من طريق ورقاء كلاهما عن ابن نجيح، عن مجاهد فذكره وهذا سند ضعيف لإرساله فمجاهد لم يدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخرجه ابن جرير
(1781) من طريق ابن جريج، عن مجاهد مثله. وقد قدمنا غير مرة أن ابن جريج لم يسمع من مجاهد إلا حرفًا. [ويتقوى بالمراسيل التالية].¥: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} أن يريهم الله جهرةً.
قال: سألت قريش محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل لهم "الصفا" ذهبًا، قال: "نعم وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل"؛ فأبوا ورجعوا.
وعن السدي ¬أخرجه ابن جرير (1779) قال: حدثنا موسى بن هارون؛ وابن أبي حاتم (1084) قال: حدثنا أبو زرعة قالا: ثنا عمرو بن حماد بن طلحة، عن السدي فذكر الآية ثم قال: فسألت العرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأتيهم بالله فيروه جهرة. [وسنده حسن لكنه مرسل ويتقوى بسابقه ولاحقه].¥ وقتادة ¬أخرجه ابن جرير (1778) من طريق يزيد بن زريع ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة مثل قول السدي. وأشار إليه ابن أبي حاتم (1/ 330) [وسنده حسن لكنه مرسل ويتقوى بما سبق].¥ نحو هذا. والله أعلم.
والمراد أن الله ذم من سأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن شيء على وجه التعنت، والاقتراح، كما سألت بنو إسرائيل موسى - عليه السلام - تعنتًا وتكذيبًا وعنادًا.
قال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ} أي: ومن (يشتر) ¬في (ج) و (ك) و (ل) و (ن) و (ي): "يشتري".¥ الكفر بالإيمان {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} أي: فقد خرج عن الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال.
وهكذا حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء واتباعهم والانقياد لهم إلى مخالفتهم وتكذيبهم والاقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها على وجه التعنت والكفر؛ كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29)} [إبراهيم].
وقال أبو العالية ¬أخرجه ابن جرير (1784)؛ وابن أبي حاتم (1085) من طريق عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه عن أبي العالية؛ وأخرجه ابن جرير (1785) من طريق حجاج عن ابن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية. [وسنده جيد].¥: يتبدل الشدة بالرخاء.