تفسير ابن كثير
{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119)}.
قال ابن أبي حاتم ¬في "تفسيره" (1155، 1156) وسنده ضعيف وعبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله قال أبو حاتم، كما في "الجرح والتعديل" (2/ 2/ 282): "ليس بقوي" وذكره ابن حبان في "الثقات" (7/ 91) وقال: "يعتبر بحديثه من غير روايته عن أبيه". وقتادة لم يصرح بتحديث. والله أعلم.¥: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن (عبيد الله) ¬في (ع) و (ك) و (ن) و (ى): "عبد الله"!¥ الفزاري، عن شيبان النحوي، أخبرني قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ قال: "أنزلت على {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} قال: بشيرًا بالجنة، ونذيرًا من النار".
وقوله: {وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} قراءة (أكثرهم) ¬كذا في (ج) و (ل) و (ن)؛ وفي (ز) و (ض) و (ع) و (ك) و (ى): "بعضهم" وما أثبته هو الصواب. وقرأ نافع ويعقوب: "ولا تسأل".¥: ولا تسأل - بضم التاء على الخبر.
وفي قراءة أُبي بن كعب: "وما تُسأل". وفي قراءة ابن مسعود: "ولن تُسأل عن أصحاب الجحيم" ¬[وهي قراءة شاذة].¥؛ نقلها ابن جرير؛ أي: لا نسألك عن كفر من كفر بك؛ كقوله: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40)} [الرعد: 40]، وكقوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22)} [الغاشية]، وكقوله تعالى: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45)} [ق] وأشباه ذلك من الآيات.
وقرأ آخرون: "ولا تَسْأل عن أصحاب الجحيم" - بفتح التاء على النهي؛ أي: لا تسأل عن حالهم، كما قال عبد ¬في "تفسيره" (1/ 59) ومن طريقه ابن جرير في "تفسيره" (1876).
وتوبع الثوري. تابعه سفيان بن عيينة، فرواه عن موسى بن عبيدة بسنده سواء.
أخرجه ابن أبي حاتم (1158) قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، ثنا سفيان. وتابعه أيضًا وكيع بن الجراح عن موسى بن عبيدة بسنده سواء؛ أخرجه ابن جرير (1875) قال: حدثنا أبو كريب، قال:
حدثنا وكيع. وسنده ضعيف جدًّا. وموسى بن عبيدة ضعيف جدًّا، ثم هو مرسل.¥ الرزاق: أخبرنا الثوري، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي؛ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليت شعري ما فعل أبواي. ليت شعري ما فعل أبواي. ليت شعري ما فعل أبواي"؟ فنزلت: "ولا تسأل عن أصحاب الجحيم"؛ فما ذكرهما حتى توفاه الله - عز وجل -.
ورواه ابن جرير، عن أبي كُريب، عن وكيع، عن موسى بن عبيدة (به مثله) ¬من (ز) و (ض) و (ع) و (ى).¥ [وقد تكلموا ¬يعني أن النقاد تكلموا في موسى بن عبيدة.¥ فيه عن محمد بن كعب بمثله. وقد حكاه القرطبي ¬في "تفسيره" (2/ 92).¥، عن ابن عباس، ومحمد بن كعب؛ قال القرطبي ¬في "تفسيره" (2/ 92).¥: وهذا كما يقال: لا تسأل عن فلان؛ أي: قد بلغ فوق ما تحسب، وقد ذكرنا في "التذكرة" ¬(1/ 58، 59) وذكر حديثًا أخرجه ابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ" (656) من طريق أحمد بن يحيى الحضرمي، والمحب الطبري في "سيرته"، كما في "سبل الهدى والرشاد" (2/ 165) للصالحي، من طريق القاضي أبي بكر محمد بن عمر بن محمد بن الأخضر قالا: ثنا أبو غزية محمد بن يحيى الزهري، ثنا عبد الوهاب بن موسى الزهري، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نزل إلى الحجون كئيبًا حزينًا فأقام به ما شاء الله - عز وجل -، ثم رجع مسرورًا، فقلت: يا رسول الله نزلت إلى الحجون كئيبًا حزينًا، فأقمت به ما شاء الله، ثم رجعت مسرورًا! قال: "سألت ربي - عز وجل - فأحيا لي أمي، فآمنت بي ثم ردها".
وهذا حديث باطل. قال ابن كثير في "البداية والنهاية" (2/ 281): "حديث منكر جدًّا" وقال الذهبي في "الميزان" (2/ 684) في ترجمة "عبد الوهاب بن موسى": "لا يدري من ذا الحيوان الكذاب، فإن هذا الحديث، يعني حديث عائشة هذا، كذب مخالف لما صح أنه - عليه السلام - استأذن ربه في الاستغفار لها فلم يأذن له". انتهى.¥ أن الله أحيا له أبويه وأجبنا عن قوله] ¬ساقط من (ز) و (ض) و (ع)، وقد وردت هذه الفقرة في (ج) و (ل) قبل الفقرة السابقة بعد قوله: "نقلها ابن جرير"، وترتيبها مشوش.¥: [إن أبي وأباك في النار".
قلت: والحديث المروي في حياة أبويه - عليه السلام - ليس في شيء من الكتب الستة، ولا غيرها (من المعتمدة) ¬من (ج) و (ك) و (ل).¥، وإسناده ضعيف ¬بل ضعيف جدًّا، وقد حكم عليه ابن كثير فقال: "منكر جدًّا" كما مر قبل قليل.¥] ¬ساقط من (ز) و (ض) و (ع).¥.
[والله أعلم] ¬ساقط من (ز) و (ض) و (ع).¥.
ثم قال (ابن جرير) ¬من (ج) و (ع) و (ل) و (ن) و (ى).¥: وحدثني القاسم ¬هو في "تفسير ابن جرير" (1877) وسنده ضعيف لإعضاله أو إرساله.¥، أخبرنا الحسين، حدثني حجاج، عن ابن جريح، أخبرني داود بن أبي عاصم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذات يوم: "أين أبواي؟ " فنزلت: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119)}.
وهذا مرسل كالذي قبله.
وقد رد ابن جرير ¬في "تفسيره" (2/ 560).¥ هذا القول المروي عن محمد بن كعب (القرظي) ¬من (ج) و (ل).¥ وغيره في ذلك، لاستحالة الشك من الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أمر أبويه؛ واختار القراءة الأولى ¬وهي قراءة العامة من القراءة {تُسْأَلُ} بضم التاء واللام.¥؛ وهذا الذي سلكه ها هنا فيه ¬نظر في هذا النظر الشيخ محمود شاكر - رحمه الله - في تعليقه على "تفسير الطبري" (2/ 561) وقال:
"ينسى ابن كثير غفر الله له، ما أعاد الطبري وأبدًا من ذكر سياق الآيات المتتابعة، والسياق كما قال هو في ذكر اليهود والنصارى وقصصهم، وتشابه قلوبهم في الكفر بالله، وقلة معرفتهم بعظمة ربهم، وجرأتهم على رسل الله وأنبيائه، وكل ذلك موجب عذاب الجحيم، فما الذي أدخل كفار العرب في هذا السياق؟ نعم إنهم يدخلون في معنى أنهم من أصحاب الجحيم، كما يدخل فيه كل مشرك من العرب وغيرهم. وقد بينا أن هذه الآيات السالفة والتي تليها، دالة أوضح الدلالة على أن قصتها كلها في اليهود والنصارى، ولا شأن لمشركي العرب بها. وإن دخل هؤلاء المشركون في معنى أنهم من أصحاب الجحيم، وإذن فسياق الآيات يوجب أن تكون في اليهود والنصارى، فتخصيص شطر من آية بأنه نزل في أمر بعض مشركي الجاهلية. تحكم بلا خبر ولا بينة".¥ نظر، لاحتمال أن هذا كان [في حال استغفاره لأبويه] ¬ساقط من (ج) و (ل).¥ قبل أن يعلم أمرهما؛ فلما علم ذلك تبرأ منهما، وأخبر عنهما أنهما من أهل النار، كما ثبت هذا في "الصحيح" ¬يشير إلى ما أخرجه البخاري (3/ 222؛ و 7/ 193؛ و 8/ 341، 506؛ و 11/ 566)؛ ومسلم (24/ 39، 40) وغيرهما من طرق عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه المسيب بن حزن.¥، ولهذا أشباه كثيرة ونظائر، ولا يلزم ما (ذكره) ¬في (ز) و (ض) و (ن): "ذكر".¥ ابن جرير. والله أعلم.
وقال الإمام أحمد ¬في "مسنده" (2/ 174)؛ وأخرجه البخاري في "البيوع" (4/ 342، 343).¥: أخبرنا موسى بن داود، حدثنا فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار؛ قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التوراة: فقال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وحرزًا للأميين، وأنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لا فظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع (السيئة بالسيئة)، ولكن يعفو ويغفر، (ولن يقبضه حتى يقيم به) الملة العوجاء؛ بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا.
انفرد بإخراجه البخاري؛ فرواه في "البيوع" عن محمد بن سنان، عن فليح، به. وقال: تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال. وقال سعيد، عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن سلام. ورواه في "التفسير" ¬في "تفسير سورة الفتح" (8/ 585).¥ عن عبد الله، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، به. فذكر نحوه؛ فعبد الله هذا هو ابن صالح، كما صرح به في "كتاب الأدب" ¬وسبق المصنف إلى ذلك الترجيح شيخه: أبو الحجاج المزي في "تحفة الأشراف" (6/ 364) فتعقبه الحافظ ابن حجر في "النكت الظراف" (6/ 363، 364) قال: "وأما قول المزي: إن البخاري أخرجه في "الأدب المفرد" عن عبد الله بن صالح، فقد تلقفه عنه الذهبي وجزم بأنه المراد في "الصحيح". قلت: وهو محتمل لكن مع ذلك لا يحسن الجزم به لما وقع من رواية أبي ذر، بل نقلها أولى أن يعتمد، فلا مانع أن يكون للبخاري شيخان كل منهما يسمى: عبد الله،. انتهى وسبق المزي إلى هذا الترجيح أبو علي الجياني.
أودعه في "صحيحه". والله أعلم.¥
وزعم أبو مسعود الدمشقي ¬ووافقه على ذلك البيهقي في "الدلائل" (1/ 375) فأخرج الحديث من طريق عبد الله بن رجاء ثنا عبد العزيز. ثم قال: "رواه البخاري في "الصحيح" عن عبد الله غير منسوب عن عبد العزيز بن أبي سلمة. قيل: هو ابن رجاء، وقيل: هو ابن صالح، والأشبه أن يكون ابن رجاء. والله أعلم". انتهى وكأن البدر العيني يذهب إلى ذلك فقال في "عمدة القارى" (11/ 243، 244): "وقال أبو مسعود الدمشقي: هو عبد الله بن محمد بن رجاء. وقال الجياني: هو عبد الله بن صالح كاتب الليث، والحاكم قطع على أن البخاري لم يخرج في "صحيحه" عن عبد الله بن صالح كاتب الليث". انتهى.¥ أنه عبد الله بن رجاء.
وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من "البقرة"، عن أحمد بن الحسن بن أيوب، عن محمد بن أحمد بن البراء، عن المعافى بن سليمان، عن فليح، به.
وزاد ¬هذا التخريج من المصنف - رحمه الله - يوهم أن هذه الزيادة لم تقع إلا عند ابن مردويه من رواية المعافى بن سليمان عن فليح، وليس كذلك بل ذكرها من خرجوا الحديث ممن ذكرناهم وفيهم الإمام أحمد الذي ذكر المصنف روايته، ولكن البخاري لم يخرجها.¥ قال عطاء: ثم لقيت كعب الأحبار، فسألته فما اختلفا في حرف إلا أن كعبًا قال بلغته: أعينًا عمومي، وآذانًا صمومي، وقلوبًا غلوفًا.