تفسير ابن كثير
{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)}.
يقول تعالى منبهًا على شرف إبراهيم خليله، عليه (الصلاة و) ¬من (ل).¥ السلام، وأن الله تعالى جعله إمامًا للناس يقتدى به في التوحيد، (حين) ¬كذا في (ج) و (ك) و (ل) و (ن) و (ى). ووقع في (ز) و (ض): "حتَّى".¥ قام بما كلفه الله تعالى به من الأوامر والنواهي؛ ولهذا قال: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} أي: (واذكر) ¬في (*): "فاذكر"؛ وفي (ل): "اذكر".¥ - يا محمد - لهؤلاء المشركين وأهل الكتابين الذين ينتحلون ملة إبراهيم وليسوا عليها، وإنما الذي هو عليها مستقيم فأنت (والذين) ¬في (ل): "والذي".¥ معك من المؤمنين، اذكر لهؤلاء ابتلاء الله إبراهيم؛ أي: (اختباره) ¬في (*): "إخباره".¥ له بما كلفه به من الأوامر والنواهي {فَأَتَمَّهُنَّ} أي: (قام) ¬في (ل): "أقام".¥ بهن كلهن، كما قال تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37)} [النجم: 37] أي: وفَّى جميع ما شرع له، فعمل به صلوات الله (وسلامه) ¬من (ل).¥ عليه، وقال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123)} [النحل] وقال تعالى: ({قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161)} [الأنعام] وقال تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)} [آل عمران].
وقوله تعالى: {بِكَلِمَاتٍ} أي: بشرائع وأوامر ونواهي، فإن الكلمات تطلق؛ ويراد بها الكلمات القدرية؛ كقوله تعالى عن مريم - عَلَيْها السَّلَام -: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم: 12] وتطلق ويراد بها الشرعية؛ كقوله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} [الأنعام: 115] أي: كلماته الشرعية. وهي إما خبر صدق، وإما طلب عدل إن كان أمرًا أو نهيًا، ومن ذلك هذ الآية الكريمة: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} أي: قام بهن. قال: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} أي: جزاءً على ما فعل، كما قام بالأوامر وترك الزواجر، جعله الله للناس قدوة وإمامًا يقتدى به، ويحتذى حذوه.
وقد اختلف (العلماء) ¬من (ك).¥ في (تفسير) ¬في (ن) و (ى): "تعيين".¥ الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم الخليل - عَلَيْهِ السَّلَام -.
فروي عن ابن عباس في ذلك روايات:
فقال عبد الرزاق ¬أخرجه ابن جرير (1926) قال: حَدَّثَنَا الحسن بن يحيى؛ وابن أبي حاتم (1176) قال حَدَّثَنَا الحسن بن أبي الربيع قالا: ثنا عبد الرزاق بسنده سواء. وسنده ضعيف لانقطاعه بين قتادة، وابن عباس وقد صرّح
الحاكم بأن قتادة لم يسمع من صحابي غير أنس؛ وأخرجه ابن جرير (1924) من طريق عمر بن نبهان وهو ضعيف جدًّا، وأيضا (1925) من طريق سعيد بن أبي عروبة كلاهما عن قتادة، عن ابن عباس.¥، عن معمر، عن قتادة، قال ابن عَبَّاس: ابتلاه الله بالمناسك. وكذا رواه ¬أخرجه ابن أبي حاتم (1177) معلقًا ووصله ابن جرير (1928) من طريق أبي أحمد الزبيري و (1929) من طريق الحماني قالا: ثنا شريك النخعي، عن أبي إسحاق عن التميمي، عن ابن عباس فذكره وسنده ضعيف. وشريك النخعي سيئ الحفظ وسمع من أبي إسحاق بآخرة، والتميمي هو أربدة ولم يرو عنه إلا أبو إسحاق، وقد صرّح ابن البرقي بجهالته، وذكره أبو العرب القيرواني في جملة الضعفاء، بينما وثقه العجلي وابن حبان، وقد ذكر المزي في "تهذيب الكمال" (2/ 311) راويًا آخر عن أربدة غير أبي إسحاق وهو المنهال بن عمرو ولكن السند إليه لا يثبت. والله أعلم.¥ أبو إسحاق السبيعي، عن (التميمي) ¬في هامش (ج): "اسمه: أربدة".¥، عن ابن عباس.
وقال عبد الرزاق ¬في "تفسيره" (1/ 57)، ومن طريقه ابن جرير في "التفسير" (1910)؛ وفي "التاريخ" (1/ 144)؛ وابن أبي حاتم - في "تفسيره" (1172)؛ والحاكم (2/ 266) وعنه البيهقي (1/ 149) قال: أخبرنا معمر بسنده سواء.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين" ووافقه الذهبي وهو كما قالا. وقال الحافظ في "الفتح" (10/ 337): "سنده صحيح عن طاوس". اهـ.¥ - أيضًا -: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} قال: ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد؛ في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن المسيب، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، وأبي صالح، وأبي الجلد، نحو ذلك.
قلت: وقريب من هذا ما ثبت في "صحيح مسلم" ¬أخرجه مسلم (261/ 56).¥، عن عائشة - رضي الله عنها -، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء". (قال مصعب) ¬ساقط من (ز).¥: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.
قال وكيع: انتقاص الماء؛ يعني: الاستنجاء.
وفي "الصحيحين" ¬أخرجه البخاري في "صحيحه" (10/ 349؛ و 11/ 88)، ومسلم (3/ 146 نووي).¥، عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط". ولفظه لمسلم.
وقال ابن أبي حاتم ¬في "تفسيره" (1175).
وأخرجه ابن جرير (1914) قال: حدثني المثنى، قال: حَدَّثَنَا إسحاق، قال: حَدَّثَنَا محمد بن حرب، حَدَّثَنَا ابن لهيعة بسنده سواء. وهذا سند جيد. وعبد الله بن وهب من قدماء أصحاب ابن لهيعة. وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر - رَحِمَهُ الله - في تخريجه "تفسير الطبري" (3/ 10).¥: (أخبرنا) ¬في (ز) و (ض): "أنبأنا".¥ يونس بن عبد الأعلى، قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني
ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، عن (حنش) ¬في (ل): "خيش"! وفى (ك): "حسين"!¥ بن عبد الله الصنعاني، عن ابن عباس: أنه كان يقول في هذه الآية: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} قال: عشر، ست في الإنسان، وأربع في المشاعر. فأما التي في الإنسان: حلق العانة، ونتف الإبط، والختان. وكان ابن هبيرة يقول: هؤلاء الثلاثة واحدة. وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والسواك، وغسل يوم الجمعة. والأربعة التي في المشاعر: الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة.
وقال داود بن أبي هند ¬أخرجه ابن أبي حاتم (1173) من طريق محمد بن حرب، ثنا الزبيدي، عن عدي، عن داود بن أبي هند بهذا الإسناد سواء. والزبيدي هو سعيد بن عبد الجبار الزبيدي كما نص عليه أبو حاتم الرازي، كما في ترجمة "عدي بن عبد الرحمن" من "الجرح والتعديل" (3/ 2/ 3)؛ والزبيدي هذا منكر الحديث، ضعفه أبو حاتم، وقال ابن عدي: "عامة حديثه مما لا يتابع عليه". وكان جرير بن عبد الحميد يكذبه. وقال النسائي: "ليس بشيء".
وعدي بن عبد الرحمن لم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحًا ولا تعديلًا وذكره ابن حبان في "الثقات" (7/ 292) وقال: "روى الزبيدي عنه عن داود بن أبي هند نسخة مستقيمة".¥: عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: ما ابتلي بهذا الدين أحد فقام به كله إلا إبراهيم، قال الله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} قلت له: وما الكلمات التي ابتلى الله إبراهيم بهن فأتمهن؛ قال: الإسلام ثلاثون سهمًا، منها عشر آيات في براءة: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ ... } إلى آخر الآية [التوبة: 112] وعشر آيات في أول سورة {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1] و {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} [المعارج: 1] وعشر آيات في الأحزاب: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ... } الآية [35] إلى آخر (الآية) ¬في (ج) و (ل): "آية".¥، فأتمهن كلهن، فكتبت له براءة. قال الله: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37)} [النجم: 37].
هكذا رواه الحاكم، وأبو جعفر بن جرير، وأبو محمد بن أبي حاتم، بأسانيدهم إلى داود بن أبي هند، به. وهذا لفظ ابن أبي حاتم.
وقال محمد بن إسحاق ¬أخرجه ابن أبي حاتم (1174) من طريق سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق. [وسنده حسن].¥، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: الكلمات التي ابتلى الله بهن إبراهيم فأتمهن، فراق قومه - في الله - حين أُمر بمفارقتهم. ومحاجته (نمروذ) ¬في (ل): "بنمروذ".¥ - في الله - حين وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلافه. وصبره على قذفه إياه في النار ليحرقوه - في الله - على هول ذلك من أمرهم. والهجرة بعد ذلك من وطنه وبلاده - في الله - حين أمره بالخروج عنهم، وما أمره به من الضيافة والصبر عليها (وماله)، وما ابتلي به من ذبح ابنه حين أمره بذبحه، [فلما مضى على ذلك من الله كله وأخلصه للبلاء] ¬في (ل): "فلما مضى على ذلك من البلاء كله وأخلصه للّه".¥، قال الله له: {أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة: 131] على ما كان من خلاف الناس وفراقهم.
وقال ابن أبي حاتم ¬في "تفسيره" (1178) وسنده صحيح.
وأخرجه ابن جرير (1933)؛ وابن عساكر (6/ 193) من طريق المحاملي قالا: ثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا ابن علية بهذا الإسناد وأبو رجاء هذا، اسمه: محمد بن سيف الأزدي الحداني البصري وثقه ابن معين، والنسائي وابن سعد وابن حبان. وقال أبو حاتم: "صالح الحديث".¥: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا إسماعيل بن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن - يعني: البصري -: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ (فَأَتَمَّهُنَّ) ¬من (ك).¥} قال: ابتلاه بالكوكب فرضي عنه، وابتلاه بالقمر فرضي عنه، وابتلاه بالشمس فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة فرضي عنه، وابتلاه بالختان فرضي عنه، وابتلاه بابنه فرضي عنه.
وقال ابن جرير ¬في "تفسيره" (1934) وسنده صحيح.¥: حَدَّثَنَا بشر بن معاذ، حَدَّثَنَا يزيد بن زريع، حَدَّثَنَا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول: إي والله، ابتلاه بأمر فصبر عليه: ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر، فأحسن في ذلك، وعرف أن (ربه) ¬في (ل): "الله ربه".¥ دائم لا يزول، فوجه وجهه للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما كان من المشركين. ثم ابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده وقومه حتَّى لحق بالشام مهاجرًا إلى الله، ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة فصبر على ذلك. وابتلاه الله بذبح (ابنه) ¬في (ج): "ولده" وصححها في الحاشية كما في باقي "الأصول".¥ والختان فصبر على ذلك.
وقال عبد الرزاق ¬في "تفسيره" (1/ 57) ومن طريقه ابن جرير (1935)؛ وابن عساكر (6/ 193). وضعفه ظاهر.¥: أخبرنا معمر، عمن سمع الحسن يقول في قوله: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ¬من (ل).¥} قال: ابتلاه الله بذبح ولده، وبالنار، (والكوكب) ¬في (ز): "والكواكب".¥، والشمس والقمر.
وقال أبو جعفر بن جرير ¬في "تفسير" (1936)؛ وأخرجه ابن عساكر (6/ 193) من طريق أحمد بن الفضل الصائغ ثنا آدم بن أبي إياس، نا أبو هلال الراسبي. وسنده صالح. وأبو هلال هو الراسبي محمد بن سليم وثقه أبو داود ومشاه أحمد وقال ابن معين: ليس به بأس ولينه أبو زرعة والنسائي وضعفه غيرهما.¥: حَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا سلم بن قتيبة، حَدَّثَنَا أبو هلال، عن الحسن {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} قال: ابتلاه بالكوكب، وبالشمس، والقمر، فوجده صابرًا.
وقال العوفي في "تفسيره" ¬ومن طريقه ابن جرير (1923) وسنده ضعيف.¥، عن ابن عباس: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} فمنهن: (قال) ¬من (ج) و (ل).¥ {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} [البقرة: 127] ومنهن: الآيات في شأن المنسك والمقام الذي جعل لإبراهيم، والرزق الذي رزق ساكنو البيت، ومحمد بعث في دينهما.
وقال ابن أبي حاتم ¬في "تفسيره" (1179).
وهو في "تفسير مجاهد" (ص 213) من طريق آدم بن أبي إياس قال: نا ورقاء بسنده سواء. وسنده صحيح.¥: حَدَّثَنَا الحسن بن محمد بن الصباح، حَدَّثَنَا شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} قال الله لإبراهيم: إني مبتليك بأمر فما هو؟ قال: تجعلني للناس إمامًا. قال: نعم. قال: ومن ذريتي؟ {قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} قال: تجعل البيت مثابةً للناس؟ قال: نعم. قال: وأمنًا. قال: نعم. قال: وتجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمةً مسلمةً لك؟ قال: نعم. قال: وترزق أهله من الثمرات من آمن منهم باللّه؟ قال: نعم.
قال ابن أبي نجيح: سمعته عن عكرمة، فعرضته على مجاهد، فلم ينكره.
وهكذا رواه ابن جرير ¬أخرجه ابن جرير (1917) من طريق عيسى بن ميمون الحرشي و (1918، 1919) من طريق شبل بن عباد المكي [وسنده صحيح] و (1920) من طريق ابن جريج. كلهم عن مجاهد بن جبر بسنده سواء.¥ من غير وجه، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
وقال سفيان الثوري ¬أخرجه ابن جرير (1921) قال: حَدَّثَنَا سفيان بن وكيع، وابن أبي شيبة في "المصنف" (11/ 521) قالا: حَدَّثَنَا وكيع بن الجراح، عن سفيان الثوري بهذا الإسناد. وسنده صحيح.¥، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} قال: ابتلى بالآيات التي بعدها: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}.
وقال أبو جعفر الرازي ¬أخرجه ابن جرير (1922) قال: حدثت عن عمار، ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه فذكره وضعفه ظاهر. [ولكن معناه صحيح، ويشهد له سابقه].¥، عن الربيع بن أنس: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ (فَأَتَمَّهُنَّ) ¬من (ك).¥} قال: الكلمات: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} وقوله: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} [البقرة: 125] وقوله: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} وقوله: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} الآية، وقوله: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} الآية، قال: فذلك كله من الكلمات التي ابتُلي بهن إبراهيم.
وقال السدي ¬أخرجه ابن جرير (1937). [وسنده حسن].¥: الكلمات التي ابتُلي بهن إبراهيم ربه: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} [البقرة: 127، 128] {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ) ¬في (ك).¥} [البقرة: 129].
[وقال القرطبي ¬في "تفسيره" (2/ 98).¥: وفي "الموطأ" ¬في "كتاب صفة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -" (2/ 922/ 4) ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخه" (6/ 199)؛ وأخرجه ابن أبي شيبة (11/ 522) قال: حَدَّثَنَا ابن نمير وابن عساكر (6/ 199) من طريق جعفر بن عون كلاهما، عن يحيى بن سعيد به.
وأخرجه ابن عساكر (6/ 200) من طريق عكرمة بن إبراهيم عن يحيى بن سعيد وسنده صحيح عن سعيد بن المسيب.¥ وغيره، عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إبراهيم عَلَيْهِ السَّلَام، أول من اختتن وأول من ضاف الضيف، وأول من استحد، وأول من قلم أظفاره، وأول من قص الشارب، وأول من شاب فلما رأى الشيب، قال: ما هذا؟ قال: وقار، قال: يا رب، زدني وقارًا] ¬ساقط من (ز) و (ض) و (ى).¥.
[وذكر ابن أبي شيبة ¬في "المصنف" (11/ 523)؛ والبزار (634) قال: حَدَّثَنَا إبراهيم بن يوسف الكوفي قالا: حَدَّثَنَا عيسى بن يونس، عن ربيعة بن عثمان التيمي، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه فذكره. وسنده حسن. وربيعة بن عثمان وثقه ابن معين وابن سعد وابن حبان. وقال النسائي: "ليس به بأس" ولينه أبو زرعة وقال أبو حاتم: "منكر الحديث، يكتب حديثه". وقال الهيثمي في "المجمع" (2/ 181): "منقطع الإسناد".¥، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، قال: أول من خطب على المنابر إبراهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قال غيره: وأول من ثرد الثريد، وأول من ضرب بالسيف، وأول من استاك، وأول من استنجى بالماء، وأول من لبس السراويل.
وروى معاذ بن جبل ¬هذا حديث منكر باطل.
أخرجه الطبراني في "الكبير" (ج 20/ رقم 354) قال: حَدَّثَنَا علي بن عبد العزيز. وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (2/ 175) من طريق إسماعيل بن عبد الله قالا: ثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني، ثنا عقبة بن خالد، عن موسى بن محمد بن إبراهيم، ثنا أبي، عن السلولي، عن معاذ بن جبل مرفوعًا.
وتابعه عبد الله بن سعيد الكندي، ثنا عقبة بن خالد بهذا الإسناد؛ أخرجه البزار في "مسنده" (633) عن الكندي وقال: "لا نعلمه عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - إلا بهذا الإسناد"؛ وأخرجه ابن عساكر في "تاريخه" (6/ 226) من طريق آخر عن عبد الله بن سعيد الكندي به.
(*) قلت: وسنده ضعيف جدًّا، وموسى بن محمد بن إبراهيم وهاه أبو زرعة الرازي جدًّا، وتركه الدارقطني. وقال ابن معين في رواية: "ليس بشيء" وقال النسائي وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو أحمد الحاكم: "منكر الحديث" زاد أبو حاتم: "ضعيف الحديث وأحاديث عقبة بن خالد التي رواها عنه من جناية موسى، ليس لعقبة فيها جرم".
وضعفه أحمد وابن سعد وغيرهما.¥ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن أتخذ المنبر فقد اتخذه أبي إبراهيم، وإن اتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم"] ¬ساقط من (ز) و (ض) و (ى).¥.
[قلت: هذا حديث لا يثبت. واللّه أعلم.
ثم شرع القرطبي يتكلم على ما يتعلق بهذه الأشياء من الأحكام الشرعية] ¬ساقط من (ز) و (ض) و (ى).¥.
قال أبو جعفر بن جرير ¬في "تفسيره" (3/ 15) واختصره المصنف.¥ ما حاصله: أنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ما ذكر، وجائز أن يكون بعض ذلك، ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه المراد على التعيين إلا بحديث أو إجماع. قال: ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له.
قال: غير أنه قد روي عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - في نظير معنى ذلك خبران، أحدهما ¬أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (1938) و (27/ 73)؛ وفي "التاريخ" (1/ 286) قال: حَدَّثَنَا أبو كريب؛ وأخرجه الطبراني في "الكبير" (ج 20/ رقم 428) من طريق محمد بن أبي السري؛ وابن عدي في "الكامل" (3/ 1011) من طريق زهير بن عباد وابن عساكر (6/ 212، 213) من طريق محمد بن يوسف قالوا: ثنا رشدين بن سعد بهذا الإسناد سواء. ورشدين بن سعد ضعيف جدًّا.¥: ما حَدَّثَنَا به أبو كريب، حَدَّثَنَا رشدين بن سعد، حدثني زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه قال: كان النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى؛ لأنَّهُ كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17)} [الروم] حتَّى يختم الآية".
قال: والآخر منهما ¬أخرجه ابن جرير (1939) و (27/ 43)؛ وفي "التاريخ" (1/ 286)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره"، كما في (ابن كثير) (7/ 439، 440)، من طريق حماد بن سلمة؛ وابن عساكر في "تاريخه" (6/ 213، 214) من طريق يزيد بن هارون ومكي بن إبراهيم كلهم عن جعفر بن الزبير بسنده سواء. وسنده ساقط وجعفر بن الزبير تالف.
قال أبو حاتم: "روى جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة نسخة موضوعة أكثر من مِائَة حديث".¥: حَدَّثَنَا به أبو كريب، أخبرنا الحسن (ابن) ¬في (ز): "عن" وهو خطأ.¥ عطية، أخبرنا إسرائيل، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أُمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37)} [النجم: 37]: أتدرون ما وفَّى؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "وفَّى عمل يومه، أربع ركعات في النهار".
ورواه آدم في "تفسيره"، عن حماد بن سلمة. وعبد بن حميد، عن يونس بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن جعفر بن الزبير، به.
ثم شرع ابن جرير يضعِّف هذين الحديثين، وهو كما قال؛ فإنه لا تجوز روايتهما إلا ببيان ضعفهما، وضعفهما من وجوه عديدة، فإن كلًا من السندين مشتمل على غير واحد من الضعفاء، مع ما في متن الحديث مما يدلُّ على ضعفه (والله أعلم) ¬ساقط من (ز) و (ض).¥.
ثم قال ابن جرير ¬في "تفسيره" (3/ 17).¥: ولو قال قائل: إن الذي قاله مجاهد وأبو صالح والربيع بن أنس أولى بالصواب من القول الذي قاله غيرهم كان مذهبًا، فإن قوله: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} وقوله: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} [البقرة: 125] وسائر الآيات التي هي نظير ذلك؛ كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلى بهن إبراهيم.
قلت: والذي قاله أولًا من أن الكلمات تشمل جميع ما ذكر، أقوى من هذا الذي جوزه من قول مجاهد ومن قال مثله؛ لأن السياق يعطى غير ما قالوه، والله أعلم.
وقوله: {قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} لما جعل الله إبراهيم إمامًا، سأل الله أن تكون الأئمة من بعده من ذريته، فأُجيب إلى ذلك، وأخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون، وأنه لا ينالهم عهد الله، (فلا) ¬كذا في (خ) و (ض) و (ى). ووقع في (ز) و (ك) و (ل) و (ن): "ولا".¥ يكونون أئمةً فلا يقتدى بهم: والدليل على أنه أجيب إلى طلبته (قول الله) ¬في (ل) و (ن): "قوله".¥ تعالى في سورة العنكبوت: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [العنكبوت: 27] فكل نبي أرسله الله، وكل كتاب أنزله الله بعد إبراهيم، ففي ذريته صلوات الله وسلامه عليه (وعليهم أجمعين) ¬من (ل).¥.
وأما قوله تعالى: {قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} فقد اختلفوا في ذلك.
فقال خصيف ¬أخرجه ابن جرير (1951) قال: مشرف بن أبان الحطاب، ثنا وكيع، عن سفيان الثوري عن خصيف، عن مجاهد. وهذا سند صحيح لو كان شيخ ابن جرير ثقة، فإن الخطيب ترجمه في "تاريخه" (13/ 224) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.¥، عن مجاهد في قوله: {قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} قال: إنه سيكون في ذريته ظالمون.
وقال ابن أبي نجيح ¬أخرجه ابن جرير (1952) وسعيد بن منصور في "تفسيره" (213) من طريق مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن أبي نجيح به؛ أخرجه ابن جرير (1946، 1947) ورواه ابن جريج عن مجاهد؛ أخرجه ابن جرير (1953) وسنده ضعيف.¥، عن مجاهد: {قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} قال: لا يكون لي إمام (ظالم) ¬في (ج): "ظلم يقتدى به" ثم شطب ابن المحب قوله: "يقتدى به".¥. وفي رواية: لا أجعل إمامًا ظالمًا يقتدى به.
وقال سفيان ¬أخرجه ابن جرير (1949) قال: حَدَّثَنَا ابن بشار، ثنا أبو عاصم، ثنا سفيان الثوري عن منصور، عن مجاهد. وتابعه أبو أحمد الزبيري، ثنا سفيان الثوري به أخرجه ابن جرير (1950) قال: حَدَّثَنَا أحمد بن إسحاق الأهوازي، ثنا أبو أحمد الزبيري وسنده صحيح.¥، (عن) ¬في (ك): ابن" وهو خطأ.¥ منصور، عن مجاهد في قوله تعالى: {قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} قال: لا يكون إمام ظالم يقتدى به.
وقال ابن أبي حاتم ¬في "تفسيره" (1188) وشريك النخعي سيئ الحفظ، لكن تابعه الثوري كما مر آنفًا.¥: حدثني أبي، حَدَّثَنَا مالك بن إسماعيل، حَدَّثَنَا شريك، عن منصور، عن مجاهد في قوله تعالى: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} قال: أما من كان منهم صالحًا فسأجعله إمامًا يقتدى به. وأما من كان ظالمًا فلا ولا نعمة عين.
وقال سعيد بن جبير ¬أخرجه ابن أبي حاتم (1193) من طريق يحيى بن عبد الله بن بكير حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير. [وسنده حسن].¥: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} المراد به المشرك، لا يكون إمام ظالم. يقول: لا يكون إمام مشرك.
وقال ابن جريج ¬أخرجه ابن جرير (1953). [وأخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن جريج به].¥، عن عطاءً، قال: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} فأبى أن يجعل من ذريته إمامًا ظالمًا. قلت لعطاء: ما عهده؟ قال: أمره.
وقال ابن أبي حاتم ¬في "تفسيره" (1185) وعمرو بن ثور لم أجد له ترجمة. وسماك بن حرب تغير.¥: أخبرنا عمرو بن ثور (القيساري) ¬في (ك): "النيسابوري"!¥ فيما كتب إلي، حَدَّثَنَا الفريابي، حَدَّثَنَا إسرائيل، حَدَّثَنَا سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال الله لإبراهيم: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} فأبى أن يفعل، ثم قال: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}.
وقال محمد بن إسحاق ¬أخرجه ابن أبي حاتم (1184) من طريق سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق به. [وسنده حسن].¥، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس:
{قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} يخبره أنه كائن في ذريته ظالم لا ينال عهده - ولا ينبغي (له) ¬ساقط من (ز) و (ن).¥ أن يوليه شيئًا من أمره وإن كان من ذرية خليله - ومحسن ستنفذ فيه دعوته، وتبلغ له فيه ما أراد من مسألته.
وقال العوفي ¬أخرجه ابن جرير (1954) وسنده ضعيف.¥، عن ابن عباس: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} قال: يعني لا عهد لظالم عليك في ظلمه، أن تطيعه فيه.
وقال ابن جرير: (حَدَّثَنَا المثنى) ¬ساقط من كل "الأصول" واستدركته من "تفسير الطبري" (1955) وهو المثنى بن إبراهيم ولم أجد له ترجمة وقد نبهت على ذلك أكثر من مرة فيما تقدم.
ومسلم الأعور هو: ابن كيسان. وهو ضعيف. [وأخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عنترة عن ابن عباس بلفظ: ليس لظالم عليك عهد].¥، حَدَّثَنَا إسحاق، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن عبد الله، عن إسرائيل، عن مسلم الأعور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} قال: ليس للظالمين عهد، وإن عاهدته؛ (فانقضه) ¬كذا في سائر "الأصول"؛ وفي "الطبري". ووقع في (ز) و (ض): "فأنتقضه".¥.
وروي عن مجاهد، وعطاء، ومقاتل بن حيان، نحو ذلك ¬[ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند].¥.
وقال الثوري ¬أخرجه ابن جرير (1956) من طريق حجاج بن محمد؛ وابن أبي حاتم (1195) من طريق إسحاق بن يوسف الأزرق كلاهما عن سفيان الثوري بسنده سواء. وسنده جيد.¥، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، قال: ليس لظالم عهد.
وقال عبد الرزاق ¬أخرجه ابن جرير (1958) قال: حَدَّثَنَا الحسن بن يحيى؛ وابن أبي حاتم (1196) قال: حَدَّثَنَا الحسن بن أبي الربيع قالا: أخبرنا عبد الرزاق بسنده سواء. [وسنده صحيح].¥: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} قال: لا ينال (عهد الله) ¬في (ج): "عهد الله ظالم" وضرب ابن المحب على قوله: "ظالم".¥ في الآخرة الظالمين، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فأمن به، وأكل وعاش.
وكذا قال إبراهيم النخعي ¬أخرجه ابن جرير (1959) وفي إسناده المثنى بن إبراهيم [ويتقوى بما سبق].¥، وعطاء، والحسن، وعكرمة.
وقال الربيع بن أنس ¬أخرجه ابن جرير (1960) بسند ضعيف.¥: عهد الله الذي عهد إلى عباده: دينه، يقول: لا ينال دينه الظالمين، ألا ترى أنه قال: {وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113)} [الصافات: 113] يقول: ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق.
وكذا روي عن أبي العالية ¬أخرجه ابن أبي حاتم (1189) وسنده حسن.¥، وعطاء، ومقاتل بن حيان.
وقال جويبر ¬أخرجه ابن أبي حاتم (1192) من طريق مروان بن معاوية الفزاري؛ وابن جرير (1961) من طريق يزيد بن زريع كلاهما عن جويبر بن سعيد الأزدي، عن الضحاك. وسنده ضعيف جدًّا، وجويبر متروك.¥، عن الضحاك: لا ينال طاعتي عدو لي يعصيني، ولا أنحلها إلا وليًا لي يطيعني.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه ¬كذا رواه الدامغاني بهذا السياق [بذكر الآية]. وهو منكر.¥: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن محمد بن حامد، حَدَّثَنَا أحمد بن (عبد الله) ¬في (ج): "عيينة".¥ بن [سعيد (الأسدي) ¬ساقط من (ن).¥، حَدَّثَنَا (سليم) ¬في (ل): "الأزدي".¥ بن] ¬في (ك): "سليمان".¥ سعيد الدامغاني، حَدَّثَنَا وكيع، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} قال: "لا طاعة إلا في المعروف".
وقال السدي ¬أخرجه ابن جرير (1945) قال: حدثني موسى؛ وابن أبي حاتم (1191) قال: حَدَّثَنَا أبو زرعة قالا: ثنا عمرو بن حماد، ثنا أسباط، عن السدي. [وسنده حسن].¥: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} يقول: عهدي: نبوتي.
فهذه أقوال مفسري السلف في هذه الآية على ما نقله ابن جرير، وابن أبي حاتم، رحمهما الله تعالى. واختار ابن جرير أن هذه الآية - وإن كانت ظاهرةً في الخبر - أنه لا ينال عهد الله بالإمامة ظالمًا. ففيها إعلام من الله لإبراهيم الخليل عَلَيْهِ السَّلَامُ أنه سيوجد من ذريتك من هو ظالم لنفسه، كما تقدم عن مجاهد وغيره، واللّه أعلم.
[قال (ابن خويز منداد) ¬في (ل): "جويبر مندان"!¥ المالكي: الظالم لا يصلح أن يكون خليفةً، ولا حاكمًا، ولا مفتيًا، ولا إمام صلاة، ولا شاهدًا، ولا راويًا] ¬من (ج) و (ك) و (ل).¥.