تفسير هذه الآية

السورة 2 : الآية 126

السورة 2 : الآية 126

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

تفسير ابن كثير

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)}.

وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}.

قال الإمام أبو جعفر بن جرير ¬في "تفسيره" (2029)؛ وأخرجه مسلم (1362/ 458).¥: حَدَّثَنَا ابن بشار قال: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن مهدي، حَدَّثَنَا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن إبراهيم حرم بيت الله وأمنه، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، فلا يصاد صيدها ولا يقطع عضاهها".

وهكذا رواه النسائي، عن محمد بن بشار، عن بندار، به.

وأخرجه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، كلاهما عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان الثوري.

وقال ابن جرير ¬في "تفسيره" (2030).

وأخرجه ابن عدي في "الكامل" (1/ 365) قال: حَدَّثَنَا ابن ذريح، هو محمد بن صالح، ثنا مسروق بن المرزبان، ثنا ابن أبي زائدة، ثنا أشعث بن سوار بسنده سواء. قال ابن عدي: "وهذا الحديث يرويه ابن أبي الزناد، عن الأشعث". وهذا الحديث أورده ابن عدي فيما استنكر على أشعث بن سوار.¥ - أيضًا -: حَدَّثَنَا أبو كريب وأبو السائب قالا: حَدَّثَنَا ابن إدريس. وحدثنا أبو كريب، حَدَّثَنَا عبد الرحيم الرازي، قالا جميعًا: سمعنا أشعث، عن نافع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن إبراهيم كان عبد الله وخليله، وإني عبد الله ورسوله. وإن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، عضاهها وصيدها، لا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يقطع منها شجرة إلا لعلف بعير".

وهذا الطريق غريبة، ليست في شيء من الكتب الستة، وأصل الحديث في "صحيح مسلم" ¬رقم (1373/ 473).¥ من وجه آخر، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر، جاؤوا به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا أخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا. اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك. وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة، ومثله معه". ثم يدعو أصغر وليد له، فيعطيه ذلك الثمر. وفي لفظ ¬أخرجه مسلم (1373/ 474).¥: "بركة مع بركة". ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان. لفظ مسلم.

ثم قال ابن جرير ¬في "تفسيره" (2031)؛ وأخرجه مسلم (1361/ 456).¥: حَدَّثَنَا أبو كريب، حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها".

انفرد بإخراجه مسلم، فرواه عن قتيبة، عن بكر بن مضر، به. ولفظه كلفظه سواء. وفي "الصحيحين" ¬أخرجه البخاري (9/ 553، 554؛ و 11/ 173)؛ ومسلم (1365/ 462).¥ عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي طلحة: "التمس لي غلامًا من غلمانكم يخدمني". فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه، فكنت أخدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلما نزل. وقال في الحديث: ثم أقبل حتَّى إذا بدا له أُحد قال: "هذا جبل يحبنا ونحبه". فلما أشرف على المدينة قال: "اللهم إني أحرم ما بين جبليها، مثلما حرم به إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم [في مدهم وصاعهم". وفي لفظ ¬أخرجه البخاري في "كفارات الإيمان" (11/ 597) قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن يوسف؛ ومسلم في "كتاب الحج" (465/ 1368) قال: حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد كلاهما عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس.¥ لهما: "اللهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم] ¬ساقط من (ج).¥ في صاعهم، وبارك لهم في مُدهم". زاد البخاري ¬أخرجه البخاري في "كتاب البيوع" (4/ 347)؛ وفي "كتاب الاعتصام" (13/ 304).¥: يعني: أهل المدينة.

"ولهما" ¬يعني: للشيخين. وأخرجه البخاري في "فضائل المدينة" (4/ 97 - فتح).¥ أيضًا عن أنس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " (اللهم) ¬من (ن) و (ى) وهو ثابت عند الشيخين، وسقط من بقية النسخ.¥ اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة".

وعن عبد الله بن زيد بن عاصم ¬أخرجه البخاري (4/ 346).¥ له، عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -: "إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، (وحرمت) ¬كذا في سائر "الأصول"؛ وفي "البخاري"؛ وفي (ل): "وإني حرمت".¥ المدينة كما حرم إبراهيم مكة، (ودعوت) ¬في (ل): "وإني دعوت".¥ لها في (مدها وصاعها) ¬في (ل): "صاعها ومدها".¥

(ومثل) ¬أشار ناسخ (ج) إلى أنه وقع في نسخة: "مثلى" وقد تقدم البحث فيه.¥ ما دعا إبراهيم لمكة".

رواه البخاري وهذا لفظه، ومسلم ولفظه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت لها في صاعها ومدها (بمثليْ) ¬وقع في "الأصول": "بمثل" والصواب ما أثبته، وإلا لماذا سجل ابن كثير لفظ مسلم وهو مثل لفظ البخاري؛ ما أعاد لفظ مسلم إلا ليبين التفاوت بينهما في هذا الحرف. والله أعلم.¥ ما دعا إبراهيم لأهل مكة".

وعن أبي سعيد ¬أخرجه مسلم في "كتاب الحج" (1374/ 475).¥ - رضي الله عنه -، عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حرامًا، وإني حرمت المدينة حرامًا ما بين (مأزميها) ¬في (ض): "لازمها"!! والمأزم: كل طريق ضيق بين جبلين.¥، (أن لا يهراق) ¬كذا في (ج) و (ل) و (ن) و (ى) وهو الموافق لما في "صحيح مسلم"، ووقع في (ز) و (ض) و (ك): "لا يهراق".¥ فيها دم ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف. اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في صاعنا، اللهم بارك لنا في مدنا، اللهم اجعل مع البركة بركتين" الحديث رواه مسلم.

والأحاديث في تحريم المدينة كثيرة، وإنما أوردنا منها ما هو متَعَلِّقٌ. بتحريم إبراهيم - عَلَيْهِ السَّلَام -، لمكة، لما في ذلك في مطابقة الآية الكريمة.

[وتمسك بها من ذهب إلى (أن) ¬ساقط من (ج).¥ تحريم مكة إنما كان على لسان إبراهيم الخليل، وقيل: إنها محرمة منذ خلقت مع الأرض وهذا أظهر وأقوى] ¬ساقط من (ز) و (ض) و (ى).¥.

وقد وردت أحاديث أخر تدل على أن الله تعالى حرم مكة قبل خلق السموات والأرض، كما جاء في "الصحيحين" ¬أخرجه البخاري (3/ 449؛ و 6/ 283).

وأخرجه البخاري (6/ 3، 37)؛ وأبو داود (2480)؛ والترمذي (1590)؛ وأحمد (2353)؛ وابن الجارود في "المنتقى" (509)؛ وعبد الرزاق (9713)؛ والبيهقى (9/ 16) من طرق عن منصور. بهذا الإسناد مطولًا ومختصرًا.¥، عن عبد الله بن عباس، - رضي الله عنهما -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعةً من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها". فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر فإنه لقيْنهم ولبيوتهم. فقال: "إلا الإذخر" وهذا لفظ مسلم.

"ولهما" ¬أخرجه البخاري (1/ 205؛ و 12/ 205)؛ ومسلم (1355/ 447).¥ عن أبي هريرة نحو من ذلك.

ثم قال البخاري ¬في "كتاب الجنائز" (3/ 213).¥ بعد ذلك: (وقال) ¬في (ز) و (ض): "قال".¥ أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة: سمعت النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -، مثله.

وهذا الذي علقه البخاري ¬وصله البخاري في "التاريخ الكبير" (1/ 1/ 451، 452) قال: قال لي عبيد بن يعيش، حَدَّثَنَا يونس بن بكير، أخبرنا محمد بن إسحاق قال: حدثني أبان بن صالح بسنده سواء؛ وأخرجه الطحاوي في "المشكل" (3143) قال: حَدَّثَنَا محمد بن علي بن داود، ثنا عبيد بن يعيش بهذا الإسناد؛ وأخرجه ابن ماجة (3109) قال: حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا يونس بن بكير بسنده سواء. وإسناده حسن.¥ رواه الإمام أبو عبد الله بن ماجة، عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم بن يناق، عن صفية بنت شيبة، قالت: سمعت النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يخطب عام الفتح، فقال: "يا أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة، لا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها، ولا يأخذ لقطتها إلا منشد". فقال العباس: إلا الإذخر؛ فإنه للبيوت والقبور. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إلا الإذخر".

وعن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد - وهو يبعث البعوث إلى مكة -: ائذن لي - أيها الأمير - أن أحدثك قولًا قام به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به، إنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يضعد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم. وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب". فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيًا، ولا فارًا بدم، ولا فارًا بخربة.

رواه البخاري ¬أخرجه البخاري في "جزاء الصيد" (4/ 41 - صحيحه)؛ ومسلم (1354/ 446).¥ ومسلم، وهذا لفظه.

فإذا علم هذا فلا منافاة بين هذه الأحاديث الدالة على أن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، وبين الأحاديث الدالة على أن إبراهيم - عَلَيْهِ السَّلَام -، حرمها؛ لأن إبراهيم بلَّغ عن الله حكمه فيها وتحريمه إياها، وأنها لم تزل بلدًا حرامًا عند الله قبل بناء إبراهيم - عَلَيْهِ السَّلَام -، لها، كما أنه قد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكتوبًا عند الله خاتم النبيين، وإن آدم لمنجَدلٌ في طينته ¬لا يثبت الحديث بهذا اللفظ.

[وله شاهد]. أخرجه ابن أبي عاصم في [الآحاد والمثانى] (2918)؛ وفي "السنة" (411) قال: حَدَّثَنَا هدبة. قال الحافظ في "الإصابة" (6/ 240): "إسناده صحيح" وكذلك قال شيخنا الألباني في "ظلال الجنة".¥، ومع هذا قال إبراهيم - عَلَيْهِ السَّلَام -: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} [البقرة: 129] الآية. وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقدره. ولهذا جاء في الحديث ¬وهو حديث حسن.¥ أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن بدء أمرك. فقال: "دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ابن مريم، ورأت أمي (كأنه) ¬في (ل): "كأنها".¥ خرج منها نور أضاءت له قصور الشام".

أي: أخبرنا عن بدء ظهور أمرك. كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله.

وأما مسألة تفضيل مكة على المدينة، كما هو قول الجمهور، أو المدينة على مكة، كما هو مذهب مالك وأتباعه، فتذكر في موضع آخر بأدلتها، إن شاء الله، وبه الثقة.

وقوله تعالى إخبارًا عن الخليل أنه قال: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} أي: من الخوف، لا يرعب أهله، وقد فعل الله ذلك شرعًا وقدرًا؛ (كقوله تعالى) ¬كذا في (ج) و (ز) و (ض) و (ن) و (ى)؛ وفي (ل): "كما قال الله تعالى"؛ وفي (ك): "لقوله تعالى".¥: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] (وقوله) ¬من (ن) و (ى).¥ {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67] إلى غير ذلك من الآيات. وقد تقدمت الأحاديث في تحريم القتال فيها. وفي "صحيح مسلم" ¬في "كتاب الحج" (1356/ 449).¥، عن جابر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح". وقال في هذه السورة: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} أي: اجعل هذه البقعة بلدًا آمنًا، وناسب هذا؛ لأنَّهُ قبل بناء الكعبة. وقال تعالى في سورة إبراهيم: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} [البقرة: 126] وناسب هذا هناك لأنَّهُ - واللّه أعلم - كأن وقع دعاء (مرةً ثانية) بعد بناء البيت واستقرار أهله به، وبعد مولد إسحاق الذي هو أصغر سنًا من إسماعيل بثلاث عشرة سنة؛ ولهذا قال في آخر الدعاء: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39)} [إبراهيم: 39].

وقوله تعالى: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}.

قال أبو جعفر الرازي ¬أخرجه ابن جرير (2033)؛ وابن أبي حاتم (1233) وسنده حسن.¥، عن الرب بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب: {قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} قال: هو قول الله تعالى. وهذا قول مجاهد ¬أخرجه ابن أبي حاتم (1235) من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح قال: سمعت عكرمة فذكر مثله. قال ابن أبي نجيح: سمعت هذا من عكرمة ثم عرضته على مجاهد فلم ينكره. [وسنده صحيح].¥ وعكرمة وهو الذي صوبه ابن جرير، رحمه الله تعالى: قال: وقرأ آخرون: {قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} فجعلوا ذلك من تمام دعاء إبراهيم، كما رواه أبو جعفر ¬أخرجه ابن جرير (2035)؛ وابن أبي حاتم (1234). [وسنده جيد].¥، عن الربيع، عن أبي العالية قال: كان ابن عباس يقول: ذلك قول إبراهيم، يسأل ربه أن من كفر فأمتعه قليلًا.

وقال ابن أبي جعفر ¬أخرجه ابن جرير (2035) قال: حَدَّثَنَا المثنى، ثنا إسحاق، ثنا ابن أبي جعفر فذكره. وسنده ضعيف لجهالة شيخ ابن جرير، ولضعف ليث بن أبي سليم. ولكن أخرجه ابن أبي حاتم (1236) من طريق ابن أبي زائدة أنا إسرائيل عن خصيف عن سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد فذكره، وهذا سند صالح يعتبر به وخصيف بن عبد الرحمن مختلف فيه.¥، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: {وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا} يقول: ومن كفر فارزقه أيضًا {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}.

وقال محمد بن إسحاق ¬أخرجه ابن جرير (2034) قال: حَدَّثَنَا ابن حميد، ثنا سلمة، قال ابن إسحاق فذكره. وسنده ضعيف جدًّا

لوهاء ابن حميد. وسلمة بن الفضل لين الحفظ.¥: لما عزل إبراهيم - عَلَيْهِ السَّلَام -، الدعوة عمن أبى الله أن يجعل له الولاية - انقطاعًا إلى الله ومحبته، وفراقًا لمن خالف أمره، وإن كانوا من ذريته، حين عرف أنه كائن منهم أنه ظالم ألا يناله عهده، بخبر الله له بذلك - قال الله: ومن كفر فإني أرزق البر والفاجر وأمتعه قليلًا.

وقال حاتم بن إسماعيل ¬أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (1228) قال: حَدَّثَنَا أبي، ثنا هشام بن عمار، ثنا حاتم بن إسماعيل به.

وهشام بن عمار في حفظه مقال. وقد تابعه إبراهيم بن موسى الرازي، ثنا حاتم بن إسماعيل. أخرجه ابن أبي حاتم (1226) قال: حَدَّثَنَا أبي، ثنا إبراهيم. وإبراهيم هذا هو الملقب بـ "الصغير" وهو ثقة؛ وأخرجه الطبراني في "الكبير" (ج 12/ رقم 12402) من طريق سعيد بن عمرو الأشعثي ثنا حاتم بن إسماعيل به وهذا إسناد جيد، لولا ما نقله العلائي في "جامع التحصيل" (550) عن الإمام أحمد أنه قال: "عمار بن معاوية الدهني لم يسمع من سعيد بن جبير شيئًا".¥، عن حميد الخراط، عن عمار الدهني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} قال ابن عَبَّاس: كان إبراهيم يحجرها على المؤمنين دون الناس، فأنزل الله ومن كفر أيضًا أرزقهم كما أرزق المؤمنين أأخلق خلقًا لا أرزقهم؟! أمتعهم قليلًا، ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير. ثم قرأ ابن عباس: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20)} [الإسراء]. رواه ابن مردويه. وروى عن عكرمة ومجاهد نحو ذلك أيضًا. وهذا كقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)} [يونس] وقوله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (23) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24)} [لقمان] وقوله: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35)} [الزخرف].

وقوله: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} أي: ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا وبسطنا عليه من ظلها إلى عذاب النار وبئس المصير. ومعناه: أن الله تعالى ينظرهم ويمهلهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كقوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48)} [الحج: 48] وفي "الصحيحين" ¬مر تخريجه تحت الآية (116).¥: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله؛ إنهم يجعلون له ولدًا، وهو يرزقهم ويعافيهم"، وفي "الصحيح" ¬وهو في "الصحيحين"؛ أخرجه البخاري في "كتاب التفسير" (8/ 354)، ومسلم (2583/ 61).¥ (أيضًا) ¬ساقط من (ك).¥: "إن الله (ليملي) ¬في (ج) و (ل): "يملى".¥ للظالم حتَّى إذا أخذه لم يفلته". ثم قرأ قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102)} [هود: 102].

[وقرأ بعضهم "قال: ومن كفر فأمتعه قليلًا، ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير"] ¬ساقط من (ز) و (ض) و (ى). واستدركته من (ج) و (ك) و (ل) و (ن).¥

[جعله من تمام دعاء إبراهيم، وهي قراءة شاذة، مخالفة للقراء السبعة، وتركيب السياق يأبى (معناها) ¬ساقط من (ل)؛ وفي (ك): "معناه".¥، واللّه أعلم، فإن الضمير في {قَالَ} راجع إلى الله تعالى في قراءة الجمهور، والسياق يقتضيه، وعلى هذه القراءة الشاذة، يكون الضمير عائدًا على إبراهيم، وهو خلاف نظم الكلام، والله سبحانه هو العلام] ¬ساقط من (ز) و (ض) و (ى). واستدركته من (ج) و (ك) و (ل) و (ن).¥.

تفاسير بلغات أخرى · 6