تفسير ابن كثير
{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)}.
يقول تعالى إخبارًا عن تمام دعوة إبراهيم لأهل الحرم - أن يبعث الله فيهم رسولًا منهم؛ أي: من ذرية إبراهيم. وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر الله السابق في تعيين محمد - (صلوات الله وسلامه عليه) ¬في (ل): " - صلى الله عليه وسلم - ".¥ - رسولًا في الأميين إليهم، إلى سائر الأعجمين، من الإنس والجن، كما قال الإمام أحمد ¬في "المسند" (4/ 127) ومن طريقه ابنه عبد الله في "السنة" (865)؛ وأبو نعيم في "الدلائل" (9). وتقدم تخريجه تحت الآية (126).¥: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، عن سعيد بن سويد الكلبي، عن عبد الأعلى بن هلال السلمي، عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات (النبيين) ¬في (ك): "المؤمنين"!!¥ يرين".
(وكذا) ¬كذا في (ج) و (ض) و (ك) و (ل) و (ى)؛ وفي (ز) و (ن): "وكذلك".¥ رواه ابن وهب، والليث، وكاتبه عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، وتابعه أبو بكر بن أبي مريم، عن سعيد بن سويد، به.
وقال الإمام أحمد ¬في "المسند" (5/ 262) وتقدم تخريجه عند الآية (126).¥ أيضًا: حدثنا أبو النضر، حدثنا الفرج، حدثنا لقمان بن عامر: سمعت أبا أمامة قال: قلت: يا رسول الله، ما كان أول بدء أمرك؟ قال: "دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى بي، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام".
والمراد أن أول من نوه بذكره وشهره في الناس، (إبراهيم) ¬في (ل): "إبراهيم الخليل".¥ عَلَيْهِ السَّلام. ولم يزل ذكره في الناس مذكورًا مشهورًا سائرًا حتى أفصح باسمه خاتم أنبياء بني إسرائيل نسبًا، وهو عيسى ابن مريم عَلَيْهِ السَّلام حيث قام في بني إسرائيل خطيبًا، وقال: {إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ [مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ] ¬من (ن) و (ى).¥ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6] ولهذا قال في هذا الحديث: "دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ابن مريم".
وقوله: "ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام" قيل: كان منامًا رأته حين حملت به، وقصته على قومها فشاع فيهم واشتهر بينهم، وكان ذلك توطئةً. وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه وثبوته ببلاد الشام، ولهذا تكون الشام في آخر الزمان معقلًا للإسلام وأهله، وبها ينزل عيسى ابن مريم ¬يشير إلى حديث النواس بن سمعان - رضي الله عنه - وهو حديث طويل فيه خبر الدجال. أخرجه مسلم (2137/ 111).¥ إذا نزل بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها. ولهذا جاء في "الصحيحين" ¬أخرجه البخاري (6/ 632؛ و 13/ 442).¥: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك". وفي "صحيح البخاري": "وهم بالشام".
قال أبو جعفر الرازي ¬أخرجه ابن أبي حاتم (1265) قال: حدثنا عصام بن رواد العسقلاني، ثنا آدم، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية. وسنده حسن؛ وأخرجه ابن جرير (2076) بسند ضعيف عن الربيع بن أنس.¥، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} يعني: أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -. فقيل له: قد استجيبت لك، وهو كائن في آخر الزمان. وكذا قال السدي ¬أخرجه ابن جرير (2074) وسنده حسن.¥ وقتادة ¬أخرجه ابن جرير (2075) وسنده صحيح.¥.
وقوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ} يعني: القرآن: {وَالْحِكْمَةَ} يعني: السنة، قاله الحسن ¬أخرجه ابن أبي حاتم (1272) وفي إسناده أبو بكر الهذلي وهو ضعيف جدًّا.¥، وقتادة ¬أخرجه ابن جرير (2078) وسنده صحيح.¥، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك وغيرهم. وقيل ¬أخرجه ابن جرير (2080) قال: حدثني يونس بن عبد الأعلى، نا ابن وهب قال: قلت لمالك: ما الحكمة؟ قال: المعرفة بالدين، والفقه في الدين، والاتباع له. [وسنده صحيح].¥: الفهم في الدين. ولا منافاة.
{وَيُزَكِّيهِمْ} قال علي بن أبي طلحة ¬أخرجه ابن جرير (2081) قال: حدثني المثنى بن إبراهيم؛ وابن أبي حاتم (1275) قال: حدثنا أبي قالا: ثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة. [وسنده ثابت].¥، عن ابن عباس: يعني: طاعة الله، والإخلاص.
وقال محمد بن إسحاق ¬أخرجه ابن أبي حاتم (1271) ولا بأس بسنده.¥ {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} قال: يعلمهم الخير فيفعلوه. والشر فيتقوه، ويخبرهم برضاه عنهم إذا أطاعوه (وليستكثروا) ¬في (ز) و (ض): "استكثروا".¥ من طاعته، (ويجتنبوا) ¬في (ز) و (ض): "تجنبوا".¥ ما سخط من معصيته.
وقوله: {أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} أي: العزيز الذي لا يعجزه شيء، وهو قادر على كل شيء، الحكيم في أفعاله وأقواله، فيضع الأشياء في محالها؛ لعلمه وحكمته وعدله.