تفسير ابن كثير
{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146)}.
يخبر تعالى أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما يعرف أحدهم ولده، والعرب كانت تضرب المثل في صحة الشيء بهذا، كما جاء في الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل معه صغير: "ابنك هذا؟ " قال: نعم يا رسول الله أشهد به. قال: "أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه" ¬أي لا يطالب الأب بجناية ابنه، ولا يطالب الابن بجناية أبيه (انظر: النهاية 1/ 309). وأخرجه الإمام أحمد من حديث أبي رمثة في المسند (11/ 676 ح 7106) وصححه محققوه، وأخرجه أبو داود، السنن، الديات، باب لا يؤخذ أحد بجريرة أخيه أو أبيه (ح 4495)، وصححه الألباني في صحيح (السنن ح 3773).¥.
[قال القرطبي: ويُروى ¬في تفسير القرطبي: "رُوي" (الجامع 2/ 163)؛ أي بصيغة التمريض.¥ عن عمر أنه قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمدًا كما تعرف ولدك؟ قال: نعم وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته فعرفته، وإني لا أدري ما كان من أمه. قلت: وقد يكون المراد {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} من بين أبناء الناس. لا يشك أحد ولا يمتري في معرفة ابنه إذا رآه من بين أبناء الناس كلهم] ¬ما بين معقوفين زيادة من (عش) و (ح).¥، ثم أخبر تعالى أنهم مع هذا التحقق والإيقان العلمي {لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ} أي: ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.