تفسير ابن كثير
{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)}.
اشتملت هذه الآية على جمل عظيمة وقواعد عميمة، وعقيدة مستقيمة، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبيد بن هشام الحلبي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عامر بن شفي، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن أبي ذر: أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما الإيمان؟ فتلا عليه: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ ... } إلى آخر الآية، قال: ثم سأله أيضًا، فتلاها عليه، ثم سأله فقال: "إذا عملت حسنة أحبها قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك" ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره وسنده ضعيف بسبب الانقطاع المذكور أعلاه.
وأخرجه الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي فقال: كيف وهو منقطع؟ (المستدرك 2/ 272).¥.
وهذا منقطع، فإن مجاهدًا لم يدرك أبا ذرٍّ، فإنه مات قديمًا.
وقال المسعودي: حدثنا القاسم بن عبد الرحمن قال: جاء رجل إلى أبي ذرٍّ، فقال: ما الإيمان؟ فقرأ عليه هذه الآية: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ} حتى فرغ منها، فقال الرجل: ليس عن البر سألتك، فقال أبو ذرّ: جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله عما سألتني فقرأ عليه هذه الآية فأبى أن يرضى، كما أبيت أن ترضى، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأشار بيده -: "المؤمن إذا عمل حسنة سرّته ورجا ثوابها، وإذا عمل سيئة أحزنته وخاف عقابها" ورواه ابن مردويه، وهذا أيضًا منقطع ¬أخرجه المروزي من طريق المسعودي به (تعظيم قدر الصلاة ح 408)، والقاسم بن عبد الرحمن هو المسعودي لم يدرك أبا ذرّ، (انظر: التقريب ص 450).¥، والله أعلم.
وأما الكلام على تفسير هذه الآية، فإن الله تعالى لما أمر المؤمنين أولًا بالتوجه إلى بيت المقدس ثم حولهم إلى الكعبة، شقّ ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين، فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك وهو: أن المراد إنما هو طاعة الله عز وجل، وامتثال أوامره، والتوجه حيثما وجّه واتباع ما شرع، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس في لزوم التوجه إلى جهة من المشرق أو المغرب برّ ولا طاعة إن لم يكن عن أمر الله وشرعه، ولهذا قال: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} الآية، كما قال في الأضاحي والهدايا: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج: 37].
وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا، فهذا حين تحول من مكة إلى المدينة، ونزلت الفرائض والحدود، فأمر الله بالفرائض والعمل بها ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند مسلسل بالضعفاء عنه ويشهد له الآثار التالية.¥.
وروي عن الضحاك ومقاتل نحو ذلك ¬قول الضحاك ومقاتل هو ابن حيان ذكرهما ابن أبي حاتم وقول الضحاك، أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.¥.
وقال أبو العالية: كانت اليهود تقبل قبل المغرب، وكانت النصارى تقبل قبل المشرق، فقال الله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} يقول: هذا كلام الإيمان [وحقيقة] ¬في الأصل: "وحقيقته" والتصويب من (ح) ورواية ابن أبي حاتم فقد أخرجه بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية.¥ العمل.
وروي عن الحسن والربيع بن أنس مثله ¬وهو رواية الربيع عن أبي العالية كما تقدم.¥.
وقال مجاهد: ولكن البر ما ثبت في القلوب من طاعة الله عز وجل ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.¥.
وقال الضحاك: ولكن البر والتقوى أن تؤدوا الفرائض على وجوهها ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق رجل مبهم عن الضحاك وسنده ضعيف ويشهد له ما تقدم.¥.
وقال الثوري: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} الآية، قال: هذه أنواع البر كلّها ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي عمر العدني عنه.¥.
وصدق رحمه الله، فإن من اتصف بهذه الآية، فقد دخل في عرى الإسلام كلها، وأخذ بمجامع الخير كله، وهو الإيمان بالله وأنه لا إله إلا هو، وصدق بوجود الملائكة الذين هم سفرة بين الله ورسله.
{وَالْكِتَابِ} وهو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء، حتى ختمت بأشرفها وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب الذي انتهى إليه كل خير، واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة ونسخ به كل ما سواه من الكتب قبله، وآمن بأنبياء الله كلهم من أولهم إلى خاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
وقوله: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} أي: أخرجه وهو محب له راغب فيه، نصَّ على ذلك ابن مسعود وسعيد بن جبير وغيرهما من السلف والخلف، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر" ¬صحيح البخاري، الزكاة، باب فضل صدقة الشحيح (ح 1419)، وصحيح مسلم، الزكاة، (31 ح 1032).¥.
وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث شعبة والثوري عن منصور، عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} أن تعطيه وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش وتخشى الفقر" ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ¬المستدرك 2/ 272.¥.
(قلت): وقد رواه وكيع عن الأعمش، وسفيان عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود موقوفًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم عن عمرو بن عبد الله الأودي والأحمسي، عن وكيع به.¥، وهو أصح، والله أعلم.
وقال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9)} [الإنسان].
[وقال تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]] ¬ما بين معقوفين زيادة من (ح) و (عف) و (حم).¥، وقوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] نمط آخر أرفع من هذا، وهو أنهم آثروا بما هم مضطرون إليه وهؤلاء أعطوا وأطعموا ما هم محبون له.
وقوله: {ذَوِي الْقُرْبَى} وهم قرابات الرجل وهم أولى من أعطي من الصدقة كما ثبت في الحديث: "الصدقة على المساكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة، فهم أولى الناس بك وببرك وإعطائك" ¬أخرجه الترمذي من حديث سلمان بن عامر وحسن، والسنن، الزكاة (ح 658)، وابن حبان في الإحسان 8/ 132، (ح 3344)، وابن خزيمة في صحيحه 3/ 278 (ح 2067)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 1/ 407)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.¥، وقد أمر الله تعالى بالإحسان إليهم في غير موضع من كتابه العزيز.
{وَالْيَتَامَى} هم الذين لا كاسب لهم، وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار دون البلوغ والقدرة على التكسب.
وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن جويبر، عن الضحاك عن [النزال] ¬في الأصل: "المنهال" والتصويب من (ح) و (حم) و (عف).¥ بن سبرة، عن علي، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يُتم بعد حلم" ¬سنده ضعيف بسبب جويبر، أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن بن أبي الربيع، عن عبد الرزاق به، وأخرجه أبو داود من طريق آخر (السنن، الوصايا، باب ما جاء متى ينقطع اليتم 3/ 115 ح 2873)، وصححه الألباني بالشواهد والمتابعات في صحيح الجامع الصغير 6/ 613، وإرواء الغليل 5/ 79 - 83.¥.
{وَالْمَسَاكِينَ} وهم الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم، فيعطون ما تسد به حاجتهم وخلتهم.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "ليس المسكين [بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين] ¬ما بين معقوفين سقط واستدرك من نسخة (ح) و (حم) و (عف) ورواية الصحيحين.¥ الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه" ¬أخرجه البخاري، الصحيح، الزكاة، باب قوله تعالى: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273] (ح 1476)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب المسكين الذي لا يجد غنى (ح 1039).¥.
{وَابْنَ السَّبِيلِ} وهو المسافر المجتاز الذي قد فرغت نفقته فيعطَى ما يوصله إلى بلده، وكذا الذي يريد سفرًا في طاعة فيعطى ما يكفيه في ذهابه وإيابه، ويدخل في ذلك الضيف، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: ابن السبيل هو الضيف الذي ينزل بالمسلمين ¬أخرجه ابن أبي حاتم وسنده ثابت.¥، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو جعفر الباقر والحسن وقتادة والضحاك والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان ¬ذكرهم جميعهم ابن أبي حاتم.¥.
{وَالسَّائِلِينَ} وهم الذين يتعرضون للطلب فيعطون من الزكوات والصدقات، كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وعبد الرحمن قالا: حدثنا سفيان عن مصعب بن محمد، عن يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة بنت الحسين ¬في الأصل: "حسين".¥، عن أبيها - قال عبد الرحمن: حسين بن علي - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "للسائل حق وإن جاء على فرس" ¬أخرجه أحمد عن وكيع وعبد الرحمن به، (المسند ح 8172)، وصححه محققه أحمد شاكر، وقال العراقي: إسناد جيد (انظر: القول المسدد ص 65).¥ رواه أبو داود ¬السنن، الزكاة، باب حق السائل (ح 1665).¥.
{وَفِي الرِّقَابِ} وهم المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدونه في كتابتهم، وسيأتي الكلام على كثير من هذه الأصناف في آية الصدقات من براءة - إن شاء الله تعالى.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا شريك، عن أبي حمزة، عن الشعبي، حدثتني فاطمة بنت قيس، أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أفي المال حق سوى الزكاة؟ قالت: فتلا عليّ: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وفي إسناده أبو حمزة وهو ميمون الأعور: ضعيف (التقريب ص 556).¥، ورواه ابن مردويه من حديث آدم بن أبي إياس ويحيى بن عبد الحميد كلاهما عن شريك، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "في المال حق سوى الزكاة" ثم قرأ: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} - إلى قوله: - {وَفِي الرِّقَابِ} [وأخرجه ابن ماجه ¬السنن، الزكاة، باب ما أدى زكاته فليس بكنز (ح 1789).¥ والترمذي ¬السنن، الزكاة، باب ما جاء أن في المال حقًّا سوى الزكاة (ح 659).¥، وضعف أبا حمزة ميمونًا الأعور، قال: وقد رواه بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي] ¬ما بين معقوفين زيادة من (ح) و (حم).¥، وقوله: {وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} أي: وأتمّ أفعال الصلاة في أوقاتها بركوعها وسجودها وطمأنينتها وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي.
وقوله: {وَآتَى الزَّكَاةَ} ¬في الأصل: "وآتى المال الزكاة".¥ يحتمل أن يكون المراد به: زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق الدنيئة ¬كذا في الأصل و (حم) وفي نسخة (ح): "الذميمة" وكلاهما صحيح.¥ الرذيلة كقوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)} [الشمس]، وقول موسى لفرعون: {فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19)} [النازعات]، وقوله تعالى: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت].
ويحتمل أن يكون المراد زكاة المال ¬كذا في الأصل و (عف) و (حم)، وفي نسخة (ح): "الملك".¥، كما قاله سعيد بن جبير ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه.¥ ومقاتل بن حيان ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره.¥، ويكون المذكور من إعطاء هذه الجهات والأصناف المذكورين، إنما هو التطوع والبر والصلة، ولهذا تقدم في الحديث عن فاطمة بنت قيس: إن في المال حقًّا سوى الزكاة، والله أعلم.
وقوله: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا}، كقوله: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20)} [الرعد]، وعكس هذه الصفة النفاق كما صح في الحديث: "آية المنافق [ثلاث] ¬لفظ ثلاث سقط من الأصل.¥: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان" ¬متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه، الإيمان، باب علامة المنافق (ح 33)، وأخرجه مسلم في صحيحه، الإيمان (ح 107).¥. وفي الحديث الآخر: "وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" ¬أخرجه مسلم في الصحيح، الإيمان (ح 106).¥.
وقوله: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ} أي: في حال الفقر وهو البأساء، وفي حال المرض والأسقام: وهو الضراء.
{وَحِينَ الْبَأْسِ} أي: في حال القتال والتقاء الأعداء، قاله ابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومرة الهمداني ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وأبو مالك والضحاك ¬ذكرهم جميعًا ابن أبي حاتم وقول ابن مسعود، أخرجه بسند حسن.¥ وغيرهم، وإنما نصب {وَالصَّابِرِينَ} [البقرة: 153] على المدح والحث على الصبر في هذه الأحوال لشدته وصعوبته، والله أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان.
وقوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا} أي: هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الأوصاف ¬كذا في الأصل: وفي نسخة (ح) و (عف) بلفظ: "الصفات".¥ هم الذين صدقوا في إيمانهم، لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} لأنهم اتقوا المحارم وفعلوا الطاعات.