تفسير هذه الآية

السورة 2 : الآية 187

السورة 2 : الآية 187

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَٱلْـَٔـٰنَ بَـٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُوا۟ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا۟ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَـٰجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

تفسير ابن كثير

{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)}. هذه رخصة من الله تعالى للمسلمين، ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو ينام قبل ذلك، فمتى نام أو صلى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة، فوجدوا من ذلك مشقة كبيرة، والرفث هنا هو: الجماع، قاله ابن عباس ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.¥ وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وطاوس وسالم بن عبد الله وعمرو بن دينار والحسن وقتادة والزهري والضحاك وإبراهيم النخعي والسدي وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان ¬ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بدون سند، وأقوال مجاهد وسالم والسدي أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة.¥. وقوله: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} قال ابن عباس ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق طاوس عن ابن عباس.¥ ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان: يعني هنّ سكن لكم وأنتم سكن لهن ¬ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بدون سند، وأقوال مجاهد وقتادة والسدي أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة.¥. وقال الربيع بن أنس: هنّ لحاف لكم وأنتم لحاف لهنَّ ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع.¥. وحاصله: أن الرجل والمرأة كل منهما يخالط الآخر ويماسه ويضاجعه، فناسب أن يرخص لهم في المجامعة في ليل رمضان لئلا يشق ذلك عليهم ويحرجوا. قال الشاعر ¬الشاعر هو: نابغة بن جعدة، صرح بذلك الطبري (التفسير 3/ 490).¥: إذا ما الضجيع ثنى جيدها ... تداعت فكانت عليه لباسا ¬ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن ص 67، وابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن ص 107.¥ وكان السبب في نزول هذه الآية كما تقدم في حديث معاذ الطويل ¬تقدم في الآية 183 من هذه السورة.¥. وقال أبو إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان الرجل صائمًا فنام قبل أن يفطر لم يأكل إلى مثلها، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائمًا (وكان يومه ذلك) ¬في الأصل: "وذلك يومه ذاك" والتصويب من (عف).¥ يعمل في أرضه، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، فغلبته عينه فنام، وجاءت امرأته، فلما رأته نائمًا قالت: خيبة لك أنمت؟ فلما انتصف النهار غشي عليه فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فنزلت هذه الآية: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} إلى قوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} ففرحوا بها فرحًا شديدًا ¬أخرجه الطبري بإسناد ثابت من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق به، وهو في صحيح البخاري مختصرًا كما سيأتي في الرواية التالية.¥. ولفظ البخاري ههنا من طريق أبي إسحاق: سمعت البراء قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ} ¬صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187] (ح 4508).¥. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء، حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم إن أناسًا من المسلمين أصابوا من النساء والطعام في شهر رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب فشكوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله تعالى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} ¬أخرجه الطبري بسند ثابت عنه.¥. وكذا روى العوفي عن ابن عباس ¬أخرجه الطبري وإن أبي حاتم بسند ضعيف عنه ويتقوى بسابقه.¥. وقال موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس، قال: إن الناس كانوا قبل أن ينزل في الصوم ما نزل فيهم، يأكلون ويشربون ويحل لهم شأن النساء، فإذا نام أحدهم لم يطعم ولم يشرب ولا يأتي أهله حتى يفطر من القابلة، فبلغنا أن عمر بن الخطاب بعدما نام ووجب عليه الصوم وقع على أهله، ثم جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أشكو إلى الله وإليك الذي صنعت. قال: "وما إذا صنعت؟ " قال: إني سوّلت لي نفسي، فوقعت على أهلي بعدما نمت، وأنا أريد الصوم، فزعموا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما كنت خليقًا أن تفعل "فنزل الكتاب: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} ¬سنده صحيح.¥. وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قيس بن سعد، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة في قول الله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} - إلى قوله: - {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} قال: كان المسلمون قبل أن تنزل هذه الآية إذا صلوا العشاء الآخرة، حرم عليهم الطعام والشراب والنساء حتى يفطروا، وأن عمر بن الخطاب أصاب أهله بعد صلاة العشاء، وأن صرمة بن قيس الأنصاري غلبته عيناه بعد صلاة المغرب، فنام ولم يشبع من الطعام، ولم يستيقظ حتى صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشاء، فقام فأكل وشرب، فلما أصبح أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بذلك، فأنزل الله عند ذلك: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} ¬رجاله ثقات وسنده صحيح.¥. يعني بالرفث: مجامعة النساء {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ}. يعني: تجامعون النساء وتأكلون وتشربون بعد العشاء. {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} يعني: جامعوهنّ {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} يعني: الولد. {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} فكان ذلك عفوًا من الله ورحمة. وقال هشيم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: قام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فقال: يا رسول الله، إني أردت أهلي البارحة على ما يريد الرجل أهله، فقالت: إنها قد نامت فظننتها تعتل فواقعتها، فنزل في عمر: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} ¬أخرجه الطبري من طريق حصين به، ويشهد له ما سبق من الروايات.¥. وهكذا رواه شعبة عن عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى به ¬أخرجه الطبري من طريق شعبة به، ويشهد له ما سبق من الروايات.¥. وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني المثنى، حدثنا سويد، أخبرنا ابن المبارك، عن أبي لهيعة، حدثني موسى بن جبير مولى بني سلمة، أنه سمع عبد الله بن كعب بن مالك يحدث عن أبيه قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد، فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة وقد سمر عنده، فوجد امرأته قد نامت فأرادها فقالت: إني قد نمت، فقال: ما نمت، ثم وقع بها، وصنع كعب بن مالك مثل ذلك، فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فأنزل الله: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ ... } الآية ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام أحمد من طريق ابن المبارك به (المسند 25/ 86 ح 15795) وسنده حسن لأن ابن لهيعة يروي عن عبد الله بن المبارك وروايته عنه قبل احتراق كتب ابن لهيعة. وحسنه محققو المسند، ويشهد له ما سبق من الروايات.¥. وهكذا روي عن مجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة وغيرهم في سبب نزول هذه الآية في عمر بن الخطاب ومن صنع كما صنع، وفي صرمة بن قيس، فأباح الجماع والطعام والشراب في جميع الليل رحمة ورخصة ورفقًا ¬ذكر ابن أبي حاتم هذه الرواية عن هؤلاء التابعين وغيرهم بغير إسناد، ورواياتهم مراسيل يقوي بعضها بعض.¥. وقوله: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}. قال أبو هريرة وابن عباس ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه عبد الله بن خراش وهو ضعيف، وبعضهم كذبه (التقريب 1/ 412) وأخرجه الطبري من طريق عطية العوفي عن ابن عباس وسنده ضعيف أيضًا ويتقوى بالآثار التي تليه.¥ وأنس وشريح القاضي ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء والربيع بن أنس والسدي وزيد بن أسلم والحكم بن عتبة ومقاتل بن حيان والحسن البصري والضحاك وقتادة وغيرهم ¬ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم من غير سند، وأما أقوال مجاهد والحسن والربيع بن أنس والسدي فقد أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة.¥: يعني: الولد. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} يعني: الجماع ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.¥. وقال عمرو بن مالك النكري: عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} قال: ليلة القدر، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير ¬أخرجه ابن أبي حاتم والطبري والإمام أحمد في العلل ص 402 كلهم من طريق عمرو بن مالك وهو النكري صدوق له أوهام كما في التقريب، وأخشى أن تكون هذه الرواية من أوهامه.¥. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، قال: قال قتادة: ابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم، وقال سعيد عن قتادة: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} يقول: ما أحل الله لكم ¬أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده صحيح.¥. وقال عبد الرزاق أيضًا: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، قال: قلت لابن عباس: كيف تقرأ هذه الآية: {وَابْتَغُوا} أو اتبعوا؟ قال: أيتهما شئت، عليك بالقراءة الأولى ¬أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده صحيح.¥. واختار ابن جرير أن الآية أعم من هذا كله ¬التفسير 3/ 509.¥. وقوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} أباح تعالى الأكل والشرب مع ما تقدم من إباحة الجماع في أي الليل شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل، وعبر عن ذلك بالخيط الأبيض من الخيط الأسود، ورفع اللبس بقوله: {مِنَ الْفَجْرِ} كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أبو عبد الله البخاري: حدثني ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف، حدثنا أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: أنزلت: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} ولم ينزل: {مِنَ الْفَجْرِ} وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعده: {مِنَ الْفَجْرِ} فعلموا أنه يعني: الليل والنهار ¬أخرجه البخاري بسنده ومتنه في صحيحه، التفسير، باب {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ... } [البقرة: 187] (ح 4511).¥. وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، أخبرنا حصين، عن الشعبي، أخبرني عدي بن حاتم قال: لما نزلت هذه الآية: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} عمدت إلى عقالين: أحدهما أسود والآخر أبيض، قال: فجعلتهما تحت وسادتي، قال: فجعلت أنظر إليهما، فلما تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله فأخبرته بالذي صنعت، فقال: "إن وسادك إذًا لعريض إنما ذلك بياض النهار من سواد ¬في الأصل: "وسواد" والتصويب من (عف) والتخريج.¥ الليل" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 4/ 377 والعلل ص 324)، وأخرجه الشيخان من طريق حصين به (صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} [البقرة: 187] ح 4509)، وصحيح مسلم، الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر (ح 1090).¥. أخرجاه في الصحيحين من غير وجه عن عدي ¬انظر: صحيح البخاري (ح 4510).¥. ومعنى قوله: إن وسادك إذًا لعريض؛ أي: إن كان ليسع لوضع الخيط الأسود والأبيض المرادين من هذه الآية تحتها، فإنهما بياض النهار وسواد الليل، فيقتضي أن يكون بعرض المشرق والمغرب، وهكذا وقع في رواية البخاري مفسرًا بهذا، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة عن حصين، عن الشعبي، عن عدي، قال: أخذ عدي عقالًا أبيض وعقالًا أسود، حتى كان بعض الليل نظر فلم يستبينا، فلما أصبح قال: يا رسول الله جعلت تحت وسادتي، قال: "إن وسادك إذًا لعريض، إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك" ¬صحيح البخاري (ح 4509).¥. وجاء في بعض الألفاظ: "إنك لعريض القفا" ففسّره بعضهم بالبلادة ¬وهو في الكشاف للزمخشري، ولا يليق بمقام صحابي.¥، وهو ضعيف، بل يرجع إلى هذا لأنه إذا كان وساده عريضًا فقفاه أيضًا عريض، والله أعلم. ويفسره رواية البخاري أيضًا حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن مطرف، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أهما الخيطان؟ قال: "إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين"، ثم قال: "لا بل هو سواد الليل وبياض النهار" ¬أخرجه البخاري بسنده ومتنه في صحيحه، تفسير سورة البقرة (ح 4510).¥. وفي إباحته تعالى جواز الأكل إلى طلوع الفجر دليل على استحباب السحور، لأنه من باب الرخصة والأخذ بها محبوب، ولهذا وردت السنّة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. بالحث على السحور. ففي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تسحروا فإن في السحور بركة" ¬صحيح البخاري، الصوم، باب بركة السحور (ح 1923) وصحيح مسلم، الصيام، باب فضل السحور (ح 1095).¥. وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر" ¬صحيح مسلم الباب السابق (ح 1096).¥. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى هو: ابن الطباع، حدثنا عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "السحور أكلة بركة فلا تدعوه، ولو أن أحدكم تجرع جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 17/ 485 ح 11396) وصححه محققوه بشواهده ويشهد له سابقه.¥. وقد ورد في الترغيب في السحور أحاديث كثيرة حتى ولو بجرعة ماء تشبهًا بالآكلين، ويستحب تأخيره إلى وقت انفجار الفجر، كما جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك، عن زيد بن ثابت قال: تسحرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قمنا إلى الصلاة، قال أنس: قلت لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية ¬صحيح البخاري، الصوم، باب قدر كم بين السحور وصلاة الفجر؟ (ح 1921) وصحيح مسلم، الصيام، الباب السابق (ح 1097).¥. وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن سالم بن غيلان، عن سليمان بن أبي عثمان، عن عدي بن حاتم الحمصي، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار وأخّروا السحور" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 5/ 147) وصححه الألباني في إرواء الغليل (7/ 136).¥. وقد ورد في أحاديث كثيرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سماه: الغذاء المبارك. وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه من رواية حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زرِّ بن حُبيش، عن حذيفة، قال: تسحرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان النهار إلّا أن الشمس لم تطلع ¬أخرجه الإمام أحمد (المسند 38/ 382 ح 23361)، والنسائي (السنن، الصيام، باب تأخير السحور ح 2152)، وابن ماجه (السنن الكبرى، الصيام، باب تأخير السحور ح 2473)، كلهم من طريق عاصم بن بهدلة به، وفي سنده عاصم صدوق له أوهام. وقد تفرد به، وقد خولف في رفعه فقد أخرجه النسائي من طريق عدي عن زر موقوفًا (السنن الكبرى ح 2474).¥. وهو حديث تفرد به عاصم بن أبي النجود، قاله النسائي ¬قال النسائي: لا نعلم أحدًا رفعه غير عاصم (انظر: تحفة الأشراف 3/ 32).¥. وحمله على أن المراد: قرب النهار. كما قال تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 2] أي: قاربن انقضاء العدة فإما إمساك بمعروف أو ترك للفراق، وهذا الذي قاله هو المتعين حمل الحديث عليه أنهم تسحروا ولم يتيقنوا طلوع الفجر، حتى إن بعضهم ظن طلوعه وبعضهم لم يتحقق ذلك، وقد روي عن طائفة كثيرة من السلف، أنهم تسامحوا في السحور عند مقاربة الفجر، روي مثل هذا عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وحذيفة وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت، وعن طائفة كثيرة من التابعين منهم: محمد بن علي بن الحسين وأبو مجلز وإبراهيم النخعي وأبو الضحى وأبو وائل وغيره من أصحاب ابن مسعود وعطاء والحسن والحكم بن عيينة ومجاهد وعروة بن الزبير وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وإليه ذهب الأعمش ومعمر بن راشد ¬ذكر بعض أقوالهم الطبري في تفسيره بالأسانيد وبعضها صحيح الإسناد كرواية ابن مسعود وحذيفة وأبي مجلز، وساق عن غيرهم أسانيد ضعيفة.¥، وقد حررنا أسانيد ذلك في كتاب الصيام المفرد، ولله الحمد. وحكى أبو جعفر بن جرير في تفسيره عن بعضهم أنه إنما يجب الإمساك من طلوع الشمس كما يجوز الإفطار بغروبها. (قلت): وهذا القول ما أظن أحدًا من أهل العلم يستقر له قدم عليه، لمخالفته نص القرآن في قوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} وقد ورد في الصحيحين من حديث القاسم، عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يمنعكم أذان بلال عن سحوركم، فإنه ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أُم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر" لفظ البخاري ¬أخرجاه من حديث ابن مسعود، صحيح البخاري، الصوم، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال" (ح 1918) وصحيح مسلم، الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر (ح 1093).¥. وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا محمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس الفجر المستطيل في الأفق ولكن المعترض الأحمر" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه (المسند 26/ 218 ح 16291).¥. ورواه أبو داود والترمذي ولفظهما: "كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر" ¬سنن أبي داود، الصوم، باب وقت السحور (ح 2348)، وسنن الترمذي، الصوم باب ما جاء في بيان الفجر (ح 705). قال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح 2058).¥. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن شيخ من بني قشير، سمعت سمرة بن جندب يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يغرنّكم نداء بلال وهذا البياض حتى ينفجر الفجر أو يطلع الفجر" ¬هذه الرواية لم ترد في طبعات تفسير الطبري كلها بل ورد من طريقين آخرين صرح باسم الشيخ من قشير وهو سوادة بن حنظلة عن سمرة. وهذا يدل أن الحافظ ابن كثير اطلع على نسخة فيها ما ليس في النسخ التي اعتمدت في التحقيق المنشور لتفسير الطبري.¥. ثم رواه من حديث شعبة وغيره، عن سوادة بن حنظلة، عن سمرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكنه الفجر المستطير في الأفق". قال: وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن عبد الله بن سوادة القشيري، عن أبيه، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يغرنَّكم أذان بلال ولا هذا البياض - لعمود ¬في الأصل: "تعمدوا" والتصويب من (عف) و (حم) والتخريج.¥ الصبح - حتى يستطير". رواه مسلم في صحيحه عن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن إبراهيم - هو ابن علية - مثله سواء ¬أخرجه الطبري من طريق شعبة وأبي هلال عن سوادة عن سمرة، وسنده صحيح أخرجه مسلم من طريق عبد الله بن سوادة به (الصحيح، الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر ح 1094).¥. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا ابن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يمنعنَّ أحدكم أذان بلال عن سحوره، أو قال: نداء بلال، فإن بلالًا يؤذن - أو قال: ينادي - لينبه نائمكم وليرجع قائمكم، وليس الفجر أن يقول هكذا وهكذا حتى يقول هكذا" ¬أخرجه مسلم من حديث أبي مسعود، الصحيح، الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر (ح 1093). معنى: "ليرجع قائمكم" أي وفي حاشيته: لينام غفوة ليصبح نشيطًا أو ليتأهب للصبح.¥. ورواه من وجه آخر عن التيمي ¬أي رواه مسلم، صحيحه فيما بعد (ح 1093).¥ به. وحدثني الحسن بن الزبرقان النخعي، حدثني أبو أسامة، عن محمد بن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان: "وإنما هو المستطير الذي يأخذ الأفق فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام ¬في الأصل: "الصيام" والتصويب من (عف) و (حم) و (مح) والتخريج.¥ " ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه ورواه الحاكم موصولًا من طريق ابن ثوبان عن جابر مرفوعًا وصححه (المستدرك 1/ 191) وصرح البيهقي أن الأصح إرساله (السنن الكبرى 1/ 377) وقد حكم الحافظ ابن كثير بأنه مرسل جيد كما هو أعلاه.¥. وهذا مرسل جيد. قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج عن عطاء، سمعت ابن عباس يقول: هما فجران، فأما الذي يسطع في السماء فليس يحل ولا يحرم شيئًا، ولكن الفجر الذي يستنير على رؤوس الجبال هو الذي يحرم الشراب، وقال عطاء: فأما إذا سطع سطوعًا في السماء، وسطوعه أن يذهب في السماء طولًا، فإنه لا يحرم به شراب الصائم ولا صلاة ولا يفوت به الحج، ولكن إذا انتشر على رؤوس الجبال، حرم الشراب للصيام وفات الحج ¬رواية عبد الرزاق لم أجدها في تفسيره ولا في تفسيري الطبري وابن أبي حاتم، وقد صححه الحافظ ابن كثير وكفى.¥. وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس وعطاء، وهكذا روي عن غير واحد من السلف رحمهم الله. مسألة: ومن جَعلِه تعالى الفجر غاية لإباحة الجماع والطعام والشراب لمن أراد الصيام يستدل على أنه من أصبح جنبًا فليغتسل وليتم صومه ولا حرج عليه، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا، لما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة وأم سلمة - رضي الله عنهما - أنهما قالتا: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصبح جنبًا من جماع غير احتلام، ثم يغتسل ويصوم. وفي حديث أم سلمة عندهما: ثم لا يفطر ولا يقضي ¬صحيح البخاري، الصوم، باب الصائم يصبح جنبًا (ح 1925، 1926) وصحيح مسلم، الصيام، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب (ح 1109).¥. وفي صحيح مسلم عن عائشة، أن رجلًا قال: يا رسول الله، تدركني الصلاة وأنا جُنُب فأصوم؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وأنا تدركني الصلاة وأنا جُنُب فأصوم". فقال: لست مثلنا يا رسول الله، فقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي" ¬صحيح مسلم، الباب السابق (ح 1110).¥. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا نودي للصلاة صلاة الصبح وأحدكم جُنُب فلا يصم يومئذ" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 13/ 490 ح 314) وسنده صحيح.¥، فإنه حديث جيد الإسناد على شرط الشيخين كما ترى، وهو في الصحيحين عن أبي هريرة، عن [الفضل بن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ¬انظر تخريجه قبل الحديثين السابقين.¥. وفي سنن النسائي عنه عن أُسامة بن زيد و] ¬ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و (حم) و (مح) والتخريج.¥ الفضل بن عباس ولم يرفعه ¬سرد النسائي طرق الحديث مرفوعًا وموقوفًا (السنن الكبرى، صيام من أصبح جنبًا ح 2936، 3014).¥: فمن العلماء من علّل هذا الحديث بهذا، ومنهم من ذهب إليه، ويحكى هذا عن أبي هريرة وسالم وعطاء وهشام بن عروة والحسن البصري، ومنهم من ذهب إلى التفرقة بين أن يصبح جنبًا نائمًا فلا عليه، لحديث عائشة وأم سلمة، أو مختارًا فلا صوم له، لحديث أبي هريرة، يحكى هذا عن عروة وطاوس والحسن، ومنهم من فرّق بين الفرض فيتم فيقضيه، وأما النفل فلا يضره، رواه الثوري عن منصور، عن إبراهيم النخعي وهو رواية عن الحسن البصري أيضًا. ومنهم من ادعى نسخ حديث أبي هريرة بحديثي عائشة وأُم سلمة، ولكن لا تاريخ معه، وادعى ابن حزم أنه منسوخ بهذه الآية الكريمة، وهو بعيد أيضًا إذ لا تاريخ بل الظاهر من التاريخ خلافه. ومنهم من حمل حديث أبي هريرة على نفي الكمال فلا صوم له، لحديث عائشة وأم سلمة الدالين على الجواز، وهذا المسلك أقرب الأقوال وأجمعها، والله أعلم. {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} يقتضي الإفطار عند غروب الشمس حكمًا شرعيًا، كما جاء في الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم" ¬صحيح البخاري، الصوم، باب متى يحل فطر الصائم (ح 1954)، وصحيح مسلم، الصيام، باب بيان وقت انقضاء الصوم (ح 1100).¥. وعن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" أخرجاه أيضًا ¬صحيح البخاري، الصوم، باب تعجيل الإفطار (ح 1957)، وصحيح مسلم، الصيام، باب فضل السحور (ح 1098).¥. وقال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثنا قُرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يقول الله عز وجل: إن أحبَّ عبادي إليَّ أعجلهم فطرًا" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 12/ 182 ح 7241)، وفي سنده قُرة بن عبد الرحمن المعافري: له مناكير (التقريب ص 455) وقد تفرد به، إذ أخرجه (والسنن، الصوم، باب ما جاء في تعجيل الإفطار ح 700)، وابن خزيمة (الصحيح ح 1062)، وابن حبان في (الإحسان ح 3507)، والبيهقي (السنن الكبرى 4/ 237)، كلهم من طريق قرة به، وإسناده ضعيف.¥. ورواه الترمذي من غير وجه عن الأوزاعي به، وقال: هذا حديث حسن غريب ¬تقدم ذكره في تخريجه في الحاشية السابقة.¥. وقال أحمد أيضًا: حدثنا عفان، حدثنا عبيد الله بن إياد ¬في الأصل: "عبيد الله بن زياد" والتصويب من (عف) و (حم) والتخريج.¥، سمعت إياد بن لقيط، سمعت ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة، فمنعني بشير وقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه وقال: "يفعل ذلك النصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله وأتموا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فأفطروا" ¬أخرجه أحمد بسنده ومتنه بنحوه (المسند 5/ 225) ورجاله ثقات إلا عبيد الله بن إياد صدوق فالإسناد حسن ويشهد لبعضه ما سيأتي.¥. [وروى الحافظ ابن عساكر: حدثنا بكر بن سهل، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا يحيى بن حمزة، عن ثور بن يزيد، عن علي بن أبي طلحة، عن عبد الملك بن أبي ذرٍّ، عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واصل يومين وليلة، فأتاه جبريل فقال: إن الله قد قبل وصالك، ولا يحل لأحد بعدك، وذلك بأن الله قال: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} فلا صيام بعد الليل، وأمرني بالوتر قبل الفجر. وهذا إسناد لا بأس به أورده في ترجمة عبد الملك بن أبي ذرٍّ في تأريخه] ¬ما بين معقوفين زيادة من نسخة (ح).¥. ولهذا ورد في الأحاديث الصحيحة النهي عن الوصال وهو أن يصلَ يومًا بيوم ولا يأكل بينهما شيئًا، قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تواصلوا" قالوا: يا رسول الله إنك تواصل، قال: "فإني لست مثلكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني" قال: فلم ينتهوا عن الوصال فواصل بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - يومين وليلتين ثم رأوا الهلال، فقال: "لو تأخّر الهلال لزدتكم" كالمنكل لهم ¬أخرجه أحمد بسنده ومتنه (المسند ح 7773) وهو في الصحيحين كما سيأتي.¥. وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به ¬صحيح البخاري، الصوم، باب التنكيل لمن أكثر الوصال (ح 1965)، وصحيح مسلم، باب النهي عن الوصال (ح 1103).¥، وكذلك أخرجا النهي عن الوصال من حديث أنس وابن عمر ¬صحيح البخاري (ح 1961، 1962)، وصحيح مسلم (ح 1057 و 1102) كما في الأبواب السابقة.¥. وعن عائشة - رضي الله عنهما -، قالت: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل، قال: "إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقيني" ¬أخرجه البخاري (ح 1962)، وصحيح مسلم (ح 1105) كما في الأبواب السابقة.¥. فقد ثبت النهي عنه من غير وجه وثبت أنه من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه كان يقوى على ذلك ويعان، والأظهر أن ذلك الطعام والشراب في حقه إنما كان معنويًا لا حسيًا، وإلا فلا يكون مواصلًا مع الحسي، ولكن كما قال الشاعر: لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد وأما من أحبّ أن يمسك بعد غروب الشمس إلى وقت السحر فله ذلك، كما في حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر" قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني" أخرجاه في الصحيحين أيضًا. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو نعيم، حدثنا أبو إسرائيل العبسي، عن أبي بكر بن حفص، عن أُم ولد حاطب بن أبي بلتعة أنها مرَّت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يتسحّر فدعاها إلى الطعام، فقالت: إني صائمة، قال: وكيف تصومين. فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أين أنت من وصال آل محمد من السحر إلى السحر" ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له سابقه ولاحقه.¥. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن محمد بن علي، عن علي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يواصل من السحر إلى السحر ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 2/ 378 ح 1194) وقال محققوه: حسن لغيره.¥. وقد روى ابن جرير عن عبد الله بن الزبير ¬أخرجه الطبري من طريق حفص عن هشام بن عروة عنه به، أنه كان يواصل سبعة أيام فلما كبر جعلها خمسًا ... وفيه مبالغة والله أعلم.¥ وغيره من السلف ¬أخرج الطبري بسند عن ابن أبي يَعَمر أنه كان يفطر في كل شهر مرة. وهذا أشد مبالغة.¥: أنهم كانوا يواصلون الأيام المتعددة، وحمله منهم على أنهم كانوا يفعلوا ذلك رياضة لأنفسهم لا أنهم كانوا يفعلونه عبادة، والله أعلم. ويحتمل أنهم كانوا يفهمون من النهي أنه إرشاد من باب الشفقة، كما جاء في حديث عائشة: رحمة لهم، فكان ابن الزبير وابنه عامر ¬ذكر الطبري وصالهما في تفسيره وتقدم الكلام عن وصال ابن الزبير، وأما وصال ابنه عامر فقد أخرجه الطبري بأنه كان يواصل ليلة ست عشرة وليلة سبع عشرة. وهذا ليس فيه مبالغة كسابقه.¥ ومن سلك سبيلهم يتجشمون ذلك ويفعلونه، لأنهم كانوا يجدون قوة عليه، وقد ذكر عنهم أنهم كانوا أول ما يفطرون على السمن والصبر لئلا تتخرق الأمعاء بالطعام أولًا، وقد روي عن ابن الزبير أنه كان يواصل سبعة أيام ويصبح في اليوم السابع أقواهم وأجلدهم ¬تقدم في الحاشية قبل السابقتين.¥. وقال أبو العالية: إنما فرض الله الصيام بالنهار، فإذا جاء الليل فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل ¬أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود بن أبي هند عن أبي العالية.¥. قوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان أو في غير رمضان، فحرم الله عليه أن ينكح النساء ليلًا أو نهارًا حتى يقضي اعتكافه ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.¥. وقال الضحاك: كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد جامع إن شاء، فقال الله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} أي: لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المسجد ولا في غيره ¬أخرجه الطبري بأسانيد عن الضحاك يقوي بعضها بعضًا ويشهد له ما يليه.¥. وكذا قال مجاهد وقتادة وغير واحد: أنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت هذه الآية ¬قول مجاهد وقتادة أخرجهما الطبري بأسانيد صحاح.¥. قال ابن أبي حاتم: روي عن ابن مسعود ومحمد بن كعب ومجاهد وعطاء والحسن وقتادة والضحاك والسدي والربيع بن أنس ومقاتل، قالوا: لا يقربها وهو معتكف ¬ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول مجاهد وقتادة والسدي والربيع أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة.¥. وهو الذي حكاه عن هؤلاء هو الأمر المتفق عليه عند العلماء أن المعتكف يحرم عليه النساء ما دام معتكفًا في مسجده، ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بدّ منها فلا يحلّ له أن يثبت فيه إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك من قضاء الغائط أو الأكل، وليس له أن يقبّل امرأته ولا أن يضمّها إليه، ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه، ولا يعود المريض لكن يسأل عنه وهو مارّ في طريقه، وللاعتكاف أحكام مفصلة في بابها، منها ما هو مجمع عليه بين العلماء ومنها ما هو مختلف فيه، وقد ذكرنا قطعة صالحة من ذلك في آخر كتاب الصيام، ولله الحمد والمنة. ولهذا كان الفقهاء المصنفون يتبعون كتاب الصيام بكتاب الاعتكاف اقتداء بالقرآن العظيم، فإنه نبّه على ذكر الاعتكاف بعد ذكر الصوم. وفي ذكره تعالى الاعتكاف بعد الصيام إرشاد وتنبيه على الاعتكاف في الصيام أو في آخر شهر الصيام، كما ثبتت في السنّة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه من بعده، أخرجاه من حديث عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - ¬صحيح البخاري، الاعتكاف، باب اعتكاف النساء (ح 2033)، وصحيح مسلم، الصيام، باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان ما بعد (ح 1171) بأربعة أحاديث.¥. وفي الصحيحين أن صفية بنت حيي كانت تزور النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو معتكف في المسجد، فتحدثت عنده ساعة ثم قامت لترجع إلى منزلها، وكان ذلك ليلًا، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - ليمشي معها حتى تبلغ دارها، وكان منزلها في دار أُسامة بن زيد في جانب المدينة، فلما كان ببعض الطريق لقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي - صلى الله عليه وسلم - أسرعا، وفي رواية: تواريا؛ أي حياء من النبي - صلى الله عليه وسلم - لكون أهله معه، فقال لهما - صلى الله عليه وسلم -: "على رسلكما إنها صفية بنت حُيي" أي: لا تسرعا واعلما أنها صفية بنت حيي أي: زوجتي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا - أو قال: شرًا - " ¬صحيح البخاري، الاعتكاف، باب هل يخرج المعتكف لحوائجه؟ (ح 2035)، وصحيح مسلم، كتاب السلام (ح 2175).¥. قال الشافعي رحمه الله: أراد عليه السلام أن يعلّم أمته التبري من التهمة في محلها، لئلا يقعا في محذور، وهما كانا أتقى لله من أن يظنا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - شيئًا، والله أعلم. ثم المراد بالمباشرة إنما هو الجماع ودواعيه من تقبيل ومعانقة ونحو ذلك، فأما معاطاة الشيء ونحوه فلا بأس به، فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدني إليّ رأسه فأرجله وأنا حائض، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، قالت عائشة: ولقد كان المريض يكون في البيت، فما أسأل عنه، إلا وأنا مارّة ¬صحيح البخاري، الاعتكاف، باب لا يدخل البيت إلا لحاجة (ح 2029) وصحيح مسلم، كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها (ح 297) وما بعده.¥. وقوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} أي: هذا الذي بينّاه وفرضناه وحددناه من الصيام وأحكامه وما أبحنا فيه وما حرمنا وذكرنا غاياته ورخصه وعزائمه، حدود الله؛ أي شرّعها الله وبيّنها بنفسه، فلا تقربوها؛ أي لا تجاوزوها وتتعدوها. وكان الضحاك ومقاتل يقولان في قوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} أي المباشرة في الاعتكاف ¬أخرجهما ابن أبي حاتم وسند كل واحد منهم حسن.¥. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، يعني: هذه الحدود الأربعة ¬الحدود الأربعة هي: جواز الأكل والشرب والجماع وعدم جواز الجماع أثناء الاعتكاف.¥، ويقرأ: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} - حتى بلغ - {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} قال: وكان أبي وغيره من مشيختنا يقولون هذا ويتلونه علينا. قوله: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ} أي: كما بيّن الصيام وأحكامه وشرائعه وتفاصيله كذلك يبين سائر الأحكام على لسان عبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -: {لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي: يعرفون كيف يهتدون وكيف يطيعون، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9)} [الحديد].
تفاسير بلغات أخرى · 8