تفسير هذه الآية

السورة 2 : الآية 196

السورة 2 : الآية 196

وَأَتِمُّوا۟ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا۟ رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُۥ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِۦٓ أَذًى مِّن رَّأْسِهِۦ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِى ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُۥ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

تفسير ابن كثير

{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)}. لما ذكر تعالى أحكام الصيام، وعطف بذكر الجهاد، شرع في بيان المناسك فأمر بإتمام الحج والعمرة، وظاهر السياق إكمال أفعالهما بعد الشروع فيهما، ولهذا قال بعده: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} أي: صددتم عن الوصول إلى البيت، ومنعتم من إتمامهما، ولهذا اتفق العلماء، على أن الشروع في الحج والعمرة ملزم، سواء قيل بوجوب العمرة أو باستحبابها، كما هما قولان للعلماء، وقد ذكرناهما بدلائلهما في كتابنا الأحكام، مستقصى ولله الحمد والمنة. وقال شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي أنه قال في هذه الآية: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}، قال: أن تحرم من دويرة أهلك ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق وكيع عن شعبة به.¥. وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس ¬ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند. وقول سعيد بن جبير وطاوس أخرجهما الطبري بسندين صحيحين.¥، وعن سفيان الثوري أنه قال تمامهما ¬كذا في الأصل (وعف) ورواية الطبري وفي (عش): "إتمامهما".¥ أن تحرم من أهلك، لا تريد إلا الحج والعمرة وتهل من الميقات، ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة، حتى إذا كنت قريبًا من مكة، قلت: لو حججتُ أو اعتمرت، وذلك يجزئ، ولكن التمام أن تخرج له ولا تخرج لغيره ¬أخرجه الطبري من طريق رجل عن سفيان به، ولم يصرح باسم الرجل.¥. وقال مكحول: إتمامهما إنشاؤهما جميعًا من الميقات ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن مكحول.¥. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري، قال: بلغنا أن عمر قال في قول الله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} لِلَّهِ}: من تمامهما أن تفرد كل واحد منهما من الآخر، وأن تعتمر في غير أشهر الحج، إن الله تعالى يقول: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم عن أحمد بن منصور الرمادي عن عبد الرزاق به، وبين الزهري وعمر انقطاع.¥ [البقرة: 197]. وقال هشيم: عن ابن عون: سمعت القاسم بن محمد يقول: إن العمرة في أشهر الحج ليست بتامة، فقيل له: فالعمرة في المُحَرَّم ¬كذا في (عش) و (عف)، وفي الأصل: "اليوم".¥؟ قال: كانوا يرونها تامة ¬أخرجه ابن أبي شيبة عن هشيم به (المصنف 4/ 46) وسنده صحيح.¥. وكذا روي عن قتادة بن دِعامة رحمهما الله ¬أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة، عنه وسنده صحيح.¥. وهذا القول فيه نظر، لأنه قد ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، اعتمر أربع عُمر، كلها في ذي القعدة، عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست، وعمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، وعمرة الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان وعمرته التي مع حجته أحرم بهما معًا في ذي القعدة سنة عشر ولا اعتمر قط في غير ذلك بعد هجرته، ولكن قال [لتلك المرأة] ¬كذا في (عش) و (ح) و (عف) و (حم)، وفي الأصل: "لأم هانئ" والصواب ما أثبتنا، لأن البخاري صرح باسمها وهي أم سنان الأنصارية الصحيح، كتاب جزاء الصيد، باب حج النساء (ح 1863).¥: "عمرة في رمضان تعدل حجة معي"، وما ذاك إلا لأنها كانت قد عزمت على الحج معه - عليه السلام -، فاعتاقت عن ذلك بسبب الطهر، كما هو مبسوط في الحديث عند البخاري ونصَّ سعيد بن جبير على أنه من خصائصها، والله أعلم. وقال السدي في قوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}: أي أقيموا الحج والعمرة ¬أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسباط عن السدي.¥. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}، يقول: من أحرم بحج أو بعمرة فليس له أن يحلّ، حتى يتمهما تمام الحج يوم النحر، إذا رمى جمرة العقبة، وزار البيت [وطاف] ¬قوله: "وطاف" من نسخة (عف).¥ بالصفا والمروة فقد حلَّ ¬أخرجه الطبري بسنده الثابت من طريق علي بن أبي طلحة به وأطول.¥. وقال قتادة، عن زرارة، عن ابن عباس أنه قال: الحج عرفة، والعمرة الطواف ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق شعبة عن قتادة به.¥. وكذا روى الأعمش: عن إبراهيم، عن علقمة في قوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}، قال: هي قراءة عبد الله {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ إلى البيت} لا يجاوز بالعمرة البيت قال إبراهيم: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال كذلك قال ابن عباس ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي معاوية عن الأعمش به، وسنده صحيح. وهي قراءة شاذة تفسيرية.¥. وقال سفيان عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأ (وأقيموا الحج والعمرة) إلى البيت ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان به. وهي قراءة شاذة تفسيرية.¥، [وكذا روى الثوري أيضًا، عن منصور، عن إبراهيم، أنه قرأ: (وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت)] ¬ما بين معقوفين زيادة من (عش) و (عف).¥، وقرأ الشعبي: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} برفع العمرة ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عون عن الشعبي وسنده صحيح. وهي قراءة شاذة تفسيرية.¥، وقال: ليست بواجبة. وروي عنه خلاف ذلك ¬أي أنها واجبة وقد ثبت ذلك فيما رواه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن عمر بن الخطاب، ثم نقل ذلك عن جمع من التابعين بحذف السند.¥. وقد وردت أحاديث كثيرة من طرق متعددة، عن أنس وجماعة من الصحابة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع في إحرامه بحج وعمرة، وثبت عنه في الصحيح أنه قال لأصحابه: "من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة" ¬أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أسماء بنت أبي بكر بلفظ: "من كان معه هدي فليقم على إحرامه ... " (كتاب الحج، باب ما يلزم من طاف بالبيت وسعى ح 1236).¥، وقال: في الصحيح أيضًا: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" ¬أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر الطويل (كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - ح 1218).¥. وقد روى الإمام أبو محمد بن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية حديثًا غريبًا، فقال: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عبد الله الهروي، حدثنا غسان الهروي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عطاء، عن صفوان بن أُمية، أنه قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - متضمخ بالزعفران، عليه جبة، فقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي؟ قال: فأنزل الله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أين السائل عن العمرة"؟ فقال: ها أنا ذا، فقال له: "ألق عنك ثيابك ثم اغتسل واستنشق ما استطعت، ثم ما كنت [صانعًا] ¬سقط من الأصل واستدرك من (عش) و (عف) التخريج.¥ في حجك فاصنعه في عمرتك" ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وهو مخالف لما في الصحيحين كما سيأتي، وحكم عليه الحافظ ابن كثير بالغرابة.¥. هذا حديث غريب وسياق عجيب، والذي ورد في الصحيحين عن يعلى بن أُمية في قصة الرجل الذي سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بالجعرانة، فقال: كيف ترى في رجل أحرم بالعمرة وعليه جبة وخلوق؟ فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم جاءه الوحي ثم رفع رأسه فقال: "أين السائل؟ " فقال: ها أنا ذا، فقال: "أما الجبة فانزعها، وأما الطيب الذي بك فاغسله، ثم ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك" ¬أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب جزاء الصيد، باب إذا أحرم جاهلًا وعليه قميص (ح 1147) مختصرًا وأخرجه مسلم في صحيحه، الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة (ح 1180) كاملًا.¥. ولم يذكر فيه الغسل والاستنشاق، ولا ذكر نزول هذه الآية، وهو عن يعلى بن أُمية لا صفوان بن أمية، فالله أعلم. وقوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} ذكروا أن هذه الآية نزلت في سنة ست؛ أي عام الحديبية حين حال المشركون بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين الوصول إلى البيت، وأنزل الله في ذلك سورة الفتح بكمالها، وأنزل لهم رخصة أن يذبحوا ما معهم من الهدي، وكان سبعين بدنة، [وأن يحلقوا رؤوسهم] ¬ما بين معقوفين سقط من الأصل و (عش) و (ح) واستدرك من (عف).¥ وأن يتحللوا من إحرامهم، فعند ذلك أمرهم - عليه السلام - أن يحلقوا رؤوسهم وأن يتحللوا، فلم يفعلوا انتظارًا للنسخ، حتى خرج فحلق رأسه ففعل الناس، وكان منهم من قصَّر رأسه ولم يحلقه، فلذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: "رحم الله المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ فقال في الثالثة: "والمقصرين" ¬أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر، الحج، باب تفضيل الحلق على التقصير (ح 1301).¥. وقد كانوا اشتركوا في هديهم ذلك كل سبعة في بدنة، وكانوا ألفًا وأربعمائة، وكان منزلهم بالحديبية خارج الحرم، وقيل: بل كانوا على طرف الحرم، فالله أعلم. ولهذا اختلف العلماء: هل يختص الحصر بالعدو؟ فلا يتحلل إلا من حصره عدو لا مرض ولا غيره على قولين: فقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، وابن طاوس، عن أبيه عن ابن عباس، وابن أبي نجيح، عن ابن عباس، أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو، فأما من أصابه مرض أو وجع أو ضلال فليس عليه شيء، إنما قال الله تعالى: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} فليس الأمن حصرًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وفي هذه الرواية الثلاثة طرق الأول والثاني أسانيد ثابتة والثالث ابن أبي نجيح لم يدرك ابن عباس إلا أنه متابع بعمرو بن دينار وطاوس.¥. قال: وروي عن ابن عمر وطاوس والزهري وزيد بن أسلم نحو ذلك ¬ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند.¥، والقول الثاني: إن الحصر أعم من أن يكون بعدو أو مرض أو ضلال، وهو التوهان عن الطريق أو نحو ذلك، قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حجاج بن الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو الأنصاري، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كسر أو عرج فقد حلَّ وعليه حجة أخرى" قال: فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا: صدق ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 3/ 450) وهو حديث صحيح كما يلي.¥. وأخرجه أصحاب الكتب الأربعة من حديث يحيى بن أبي كثير به ¬أخرجه أبو داود في سننه، الحج، باب الإحصار (ح 1882) والنسائي في سننه، مناسك الحج، باب فيمن أحصر بعدو 5/ 189، والترمذي في سننه المناسك، باب المحصر (ح 3077)، والترمذي في سننه، الحج، باب في الذي يهل بالحج (ح 940) كلهم من طريق حجاج بن الصواف به، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 1/ 470).¥، [وفي رواية لأبي داود وابن ماجه: "من عرج أو كسر أو مرض"، فذكر معناه] ¬ما بين معقوفين زيادة من (عش) و (عف) و (ح).¥. ورواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن عُلية، عن الحجاج بن أبي عثمان الصواف به، ثم قال: وروي عن ابن مسعود وابن الزبير وعلقمة وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ومجاهد والنخعي وعطاء ومقاتل بن حيان أنهم قالوا: الإحصار من عدو أو مرض أو كسر ¬وأخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وذكر أقوال هؤلاء الصحابة والتابعين بحذف السند.¥. وقال الثوري: الإحصار من كل شيء آذاه ¬ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.¥. وثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية، فقال: "حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني". ورواه مسلم عن ابن عباس بمثله. فذهب من ذهب من العلماء إلى صحة الاشتراط في الحج لهذا الحديث، وقد علَّق الإمام محمد بن إدريس الشافعي القول بصحة هذا المذهب على صحة هذا الحديث، قال البيهقي وغيره من الحفاظ: وقد صحَّ ولله الحمد. وقوله: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} قال الإمام مالك: عن جعفر بن حمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، أنه كان يقول: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} شاة ¬أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه ثم قال: وذلك أحب ما سمعت إليّ في ذلك (الموطأ، الحج، باب {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] ح 158)، ورجال ثقات ولكن والد جعفر: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لم يسمع من جده علي - رضي الله عنه -. وينظر: المراسيل لابن أبي حاتم ص 185. وله شواهد تقويه كما سيأتي. وهذه الأثر معمول به.¥. وقال ابن عباس: الهدي من الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والمعز والضأن ¬أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.¥. وقال الثوري، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} قال: شاة ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق وكيع به، وسنده صحيح.¥. وكذا قال عطاء ومجاهد وطاوس وأبو العالية ومحمد بن علي بن الحسين وعبد الرحمن بن القاسم والشعبي والنخعي والحسن وقتادة والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرهم مثل ذلك ¬ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وعليه العمل في المذاهب الأربعة.¥. وهو مذهب الأئمة الأربعة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة وابن عمر: أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلا من الإبل والبقر ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.¥. قال: وروي عن سالم والقاسم وعروة بن الزبير وسعيد بن جبير نحو ذلك ¬ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.¥. (قلت): والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قصة الحديبية، فإنهم لم ينقل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذلك شاة، وإنما ذبحوا الإبل والبقر، [ففي الصحيحين عن جابر، قال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نشترك في الإبل والبقر] ¬ما بين معقوفين سقط، واستدرك من (عش) و (عف).¥ كل سبعة منّا في بقرة ¬أخرجه مسلم في صحيحه، الحج، باب الاشتراك في الهدي (ح 1318).¥. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} قال: بقدر يسارته ¬سنده حسن.¥. وقال العوفي: عن ابن عباس: إن كان موسرًا فمن الإبل، وإلا فمن البقر، وإلا فمن الغنم ¬أخرجه الطبري وسنده ضعيف وأخرجه من طرق أخرى تقويه منها ما سبق.¥. وقال هشام بن عروة، عن أبيه {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} قال: إنما ذلك فيما بين الرخص والغلاء ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يحيى بن سليم عن هشام به، ويحيى صدوق سيء الحفظ ويشهد له ما تقدم.¥. والدليل على صحة قول الجمهور فيما ذهبوا إليه من إجزاء ذبح الشاة في الإحصار أن الله أوجب ذبح ما استيسر من الهدي؛ أي: مهما تيسّر مما يسمى هديًا، والهدي من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، كما قاله الحبر البحر ترجمان القرآن وابن عمِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنهما - قالت: أهدى النبي - صلى الله عليه وسلم - مرة غنمًا ¬صحيح البخاري، الحج، باب تقليد الغنم (ح 1701 - 1702)، وصحيح مسلم، الحج، باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم بعد (ح 1321) بستة أحاديث برقم 365.¥. وقوله: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} معطوف على قوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ} وليس معطوفًا على قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} كما زعمه ابن جرير رحمه الله، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم، فأما في حال الأمن والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة إن كان قارنًا، أو من فعل أحدهما إن كان مفردًا أو متمتعًا، كما ثبت في الصحيحين عن حفصة أنها قالت: يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا من العمرة، ولم تحلّ أنت من عمرتك؟ فقال: "إني لبدت رأسي وقلدت هدي، فلا أحلّ حتى أنحر" ¬صحيح البخاري، الحج، باب من لبد رأسه عند الإحرام (ح 1725) وصحيح مسلم، الحج، باب بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاجّ المفرد (ح 1229).¥. وقوله: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} قال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني: سمعت عبد الله بن معقل قال: قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - فسألته عن فدية من صيام، فقال: حملت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: "ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا، أما تجد شاة؟ " قلت: لا، قال: "صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من طعام، واحلق رأسك" فنزلت فيّ خاصة وهي لكم عامة ¬أخرجه البخاري بسنده ومتنه في صحيحه، تفسير سورة البقرة، باب {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا ... } [البقرة: 184] (ح 4517).¥. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: أتى عليّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا أُوقد تحت قدر والقمل يتناثر على وجهي، أو قال: حاجبي، فقال: "يؤذيك هوام رأسك؟ " قال: نعم، قال: "فاحلقه، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو أنسك نسيكة". قال أيوب: لا أدري بأيتهن بدأ ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 4/ 241 - 242)، وأخرجه مسلم من طريق أيوب به، وصحيح مسلم، الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى (ح 1201)، وأيوب السختياني.¥. وقال أحمد أيضًا: حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية ونحن محرمون وقد حصره المشركون، وكانت لي وفرة، فجعلت الهوام تساقط على وجهي، فمر بي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "أيؤذيك هوام رأسك؟ " فأمره أن يحلق، قال: ونزلت هذه الآية: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 4/ 241) وسنده صحيح، وأخرجه مسلم كما في سابقه.¥، وكذا رواه [عفان] ¬في الأصل: "عيان" والتصويب من (عف) و (ح) و (مح) 4/ 1 و (عش).¥ عن شعبة، عن أبي بشر وهو جعفر بن إياس به، وعن شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى به وعن شعبة، عن داود عن الشعبي، عن كعب بن عجرة نحوه. ورواه الإمام مالك عن [حميد] ¬في الأصل بياض واستدرك من (عف) و (عش) و (ح).¥ بن قيس، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، فذكره نحوه ¬أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، الحج، باب فدية من حلق قبل أن ينحر ح 237) وسنده صحيح.¥. وقال سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن أبان بن صالح، عن الحسن البصري: أنه سمع كعب بن عجرة يقول: فذبحت شاة، ورواه ابن مردويه ¬يشهد له ما سبق من المرفوع.¥. وروي أيضًا من حديث عمر بن قيس مندل وهو ضعيف عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "النسك شاة، والصيام ثلاثة أيام، والطعام فرق بين ستة" ¬ويشهد له ما سبق وما لحق.¥. وكذا روي عن علي ومحمد بن كعب وعكرمة وإبراهيم ومجاهد وعطاء والسدي والربيع بن أنس ¬ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند. والتخيير في هذه الفدية معمول به.¥. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا عبد الله بن وهب، أن مالك بن أنس حدثه، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة: أنه كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فآذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحلق رأسه، وقال: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، مُدَّين مُدَّين لكل إنسان، أو أنسك شاة، أي ذلك فعلتَ أجزأ عنك" ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام مالك عن عبد الكريم بن مالك به، وسنده صحيح (الموطأ، الحج، باب فدية من حلق ح 237).¥. وهكذا روى ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} قال: إذا كان {أَوْ} فأيه أخذت أجزأ عنك ¬أخرجه الطبري من طريق ليث به، وليث فيه مقال ولد شواهد آتية تقويه.¥. قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وعكرمة وعطاء وطاوس والحسن وحميد الأعرج وإبراهيم والنخعي والضحاك نحو ذلك ¬ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من ابن أبي نجيح عنه، وقول عطاء أخرجه الطبري بستد صحيح من طريق ابن جريج عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود عنه.¥. (قلت): وهو مذهب الأئمة الأربعة، وعامة العلماء أنه مُخير في هذا المقام، إن شاء صام وإن شاء تصدق بفَرق، وهو ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع وهو مدان، وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على الفقراء أيّ ذلك فعل أجزأه، ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة جاء بالأسهل فالأسهل {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} ولما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - كعب بن عجرة بذلك، أرشده إلى الأفضل فالأفضل، فقال: "أنسك شاة، أو أطعم ستة مساكين، أو صم ثلاثة أيام"، فكل حسن في مقامه، ولله الحمد والمنة. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: ذكر الأعمش، قال: سأل إبراهيمُ سعيدَ بن جبير عن هذه الآية: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} فأجابه بقول يحكم عليه طعام، فإن كان عنده اشترى شاة، وإن لم يكن قومت الشاة دراهم وجعل مكانها طعام فتصدق، وإلا صام لكل نصف صاع يومًا، قال إبراهيم: كذلك سمعت علقمة يذكر، قال: لما قام قال لي سعيد بن جبير: من هذا ما أظرفه؟ قال: قلت: هذا إبراهيم، فقال: ما أظرفه كان يجالسنا؛ قال: فذكرت ذلك لإبراهيم، قال: فلما قلت: يجالسنا انتفض منها ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.¥. وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا ابن أبي عمران، حدثنا عبد الله بن معاذ، عن أبيه، عن أشعث، عن الحسن في قوله: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} قال: إذا كان بالمحرم أذى من رأسه، حلق وافتدى بأي هذه الثلاثة شاء، والصيام عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين، كل مسكين مكوكين: مكوكًا ¬المكوك: هو المد، وهو مكيال لأهل العراق (انظر: لسان العرب: م ك ك).¥ من تمر، ومكوكًا من برّ، والنسك شاة ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه سعيد بن منصور من طريق منصور بن عباد عن الحسن (التفسير رقم 295) وسنده حسن.¥. وقال قتادة: عن الحسن وعكرمة ¬أخرجه الطبري من طريق شعبة عن قتادة عن الحسن وعكرمة، وسنده حسن. وأخرجه ابن حزم من طريق شعبة به (المحلى 7/ 317).¥ في قوله: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} قال: إطعام عشرة مساكين. وهذان القولان من سعيد بن جبير وعلقمة والحسن وعكرمة، قولان غريبان فيهما نظر، لأنه قد ثبتت السنّة في حديث كعب بن عجرة: الصيام ثلاثة أيام لا [عشرة و] ¬سقط من الأصل واستدرك من (عش) و (ح).¥ ستة، أو إطعام ستة مساكين، أو نسك شاة، وأن ذلك على التخيير كما دلّ عليه سياق القرآن، وأما هذا الترتيب فإنما هو معروف في قتل الصيد كما هو نصُّ القرآن وعليه أجمع الفقهاء هناك بخلاف هذا، والله أعلم. وقال هشيم: أخبرنا ليث، عن طاوس أنه كان يقول: ما كان من دمٍ أو طعامٍ فبمكة، وما كان من صيام فحيث شاء ¬أخرجه الطبري من طريق يعقوب بن إبراهيم عن هشيم به، وسنده حسن. ولعل الحافظ ابن كثير ينقل من تفسير هشيم فهو هشيم بن بشير صاحب تفسير شهير.¥. وكذا قال مجاهد وعطاء والحسن. وقال هشيم: أخبرنا حجاج وعبد الملك وغيرهما، عن عطاء أنه كان يقول: ما كان من دمٍ فبمكة، وما كان من طعامٍ وصيامٍ فحيث شاء ¬أخرجه الطبري عن يعقوب بن إبراهيم عن هشيم به، وسنده صحيح.¥. وقال هشيم: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن يعقوب بن خالد، أخبرنا أبو أسماء مولى ابن جعفر، قال: حجَّ عثمان بن عفان ومعه علي والحسين بن علي فارتحل عثمان، قال أبو أسماء: وكنت مع ابن جعفر فإذا نحن برجل نائم وناقته عند رأسه، قال: فقلت: أيها النؤوم، فاستيقظ فإذا الحسين بن علي، قال: فحمله ابن جعفر حتى أتينا به السقيا، قال: فأرسل إليّ علي ومعه أسماء بنت عميس، قال: فمرضناه نحوًا من عشرين ليلة، قال: قال علي للحسين: ما الذي تجد؟ قال: فأومأ بيده إلى رأسه، قال: فأمر به عليّ فحلق رأسه، ثم دعا ببدنة فنحرها ¬أخرجه الطبري عن يعقوب بن إبراهيم عن هشيم به، وسنده صحيح، وأخرجه الإمام مالك عن يحيى بن سعيد به (الموطأ، الحج، باب جامع الهدي 1/ 388 ح 165)، وسنده صحيح.¥. فإن كانت هذه الناقة عن الحلق، ففيه أنه نحرها دون مكة، وإن كانت عن التحلل فواضح. وقوله: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} أي: فإذا تمكنتم من أداء المناسك فمن كان منكم متمتعًا بالعمرة إلى الحج، وهو يشمل من أحرم بهما، أو أحرم بالعمرة أولًا، فلما فرغ منها أحرم بالحج، [وهذا هو] ¬في الأصل: "وهو غير" والتصويب من (عش) و (عف) و (ح).¥ التمتع الخاص، وهو المعروف في كلام الفقهاء، والتمتع العام يشمل القسمين، كما دلّت عليه الأحاديث الصحاح، فإن من الرواة من يقول: تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وآخر يقول: قرن ولا خلاف أنه ساق هديًا، وقال تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} أي: فليذبح ما قدر عليه من الهدي، وأقله شاة، وله أن يذبح البقر، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذبح عن نسائه البقر. وقال الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة ¬في الأصل: "أبو مسلم" والتصويب من (عش) و (عف) و (ح) والتخريج.¥، عن أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذبح البقر عن نسائه وكُنَّ متمتعات ¬أخرجه أبو داود في سننه من طريق الوليد عن الأوزاعي به، المناسك، باب في هدي البقر (ح 751)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 1540).¥، رواه أبو بكر بن مردويه. وفي هذا دليل على مشروعية التمتع، كما جاء في الصحيحين عن عمران بن حُصين، قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله وفعلناها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم لم ينزل قرآن يحرمها ولم ينهَ عنها، حتى مات، قال لرجل برأيه ما شاء ¬صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} [البقرة: 196] (ح 4518) وصحيح مسلم، الحج، باب جواز التمتع (ح 1226).¥. قال البخاري: يقال: إنه عمر، وهذا الذي قاله البخاري قد جاء مصرحًا به أن عمر كان ينهى الناس عن التمتع ويقول: إن نأخذ بكتاب فإن الله يأمر بالتمام، يعني قوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} ¬أخرجه البخاري عن أبي موسى الأشعري عن عمر - رضي الله عنهما -، الصحيح، الحج، باب من أهلّ في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - (ح 1559).¥، وفي نفس الأمر لم يكن عمر - رضي الله عنه - ينهى عنها محرمًا لها، إنما كان ينهى عنها ليكثر قصد الناس للبيت حاجين ومعتمرين، كما قد صرح به - رضي الله عنه -. وقوله: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} يقول تعالى: فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج؛ أي: في أيام المناسك. قال العلماء: والأولى أن يصومها قبل يوم عرفة في العشر، قاله عطاء ¬أخرجه سفيان الثوري في تفسير ص 62 عن ابن جريج عن عطاء به، وسنده صحيح.¥، أو من حين يحرم، قاله ابن عباس وغيره لقوله: {فِي الْحَجِّ}، ومنهم من يجوز صيامها من أول شوال، قاله طاوس ومجاهد ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد وطاوس.¥ وغير واحد، وجوّز الشعبي صيام يوم عرفة وقبله يومين، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والسدي وعطاء وطاوس والحكم والحسن وحماد وإبراهيم وأبو جعفر الباقر والربيع ومقاتل بن حيان ¬ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.¥، وقال العوفي عن ابن عباس: إذا لم يجد هديًا فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، فإذا كان يوم عرفة الثالث، فقد تمّ صومه، وسبعة إذا رجع إلى أهله ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف عن عطية العوفي عنه.¥، وكذا روى أبو إسحاق عن [وبرة] ¬في الأصل بياض واستدرك من (عش) و (عف) و (ح).¥، عن ابن عمر قال: يصوم يومًا قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة ¬في سنده: وبرة مستور، وهو معروف بالرواية عن ابن عمر وبرواية أبي إسحاق السبيعي عنه (تهذيب التهذيب 11/ 111).¥، وكذا روى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي أيضًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حاتم بن إسماعيل عن جعفر به، في سنده محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لم يسمع من علي - رضي الله عنه -، كما في المراسيل لابن أبي حاتم ص 185.¥. فلو لم يصمها أو بعضها قبل العيد، فهل يجوز أن يصومها في أيام التشريق؟ فيه قولان للعلماء وهما للإمام الشافعي أيضًا، القديم منهما: أنه يجوز له صيامها لقول عائشة. وعن عائشة وابن عمر في صحيح البخاري: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لا يجد الهدي ¬صحيح البخاري، الصوم، باب صيام أيام التشريق (ح 1997).¥. هكذا رواه مالك عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. وعن سالم، عن ابن عمر، وإنما قالوا ذلك لعموم قوله: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ}، وقد روي من غير وجه عنهما ¬الموطأ، الحج، باب صيام التمتع (ح 255).¥. ورواه سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي، أنه كان يقول: من فاته صيام ثلاثة أيام في الحج، صامهن أيام التشريق ¬ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.¥. وبهذا يقول عُبيد بن عمير الليثي، عن عكرمة والحسن البصري وعروة بن الزبير ¬قول عبيد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن، وذكر قول عروة بحذف السند.¥، والجديد من القولين أنه لا يجوز صيامها أيام التشريق لما رواه مسلم عن نبيشة الهذلي - رضي الله عنه -. قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر الله - عزَّ وجلَّ - " ¬صحيح مسلم، الحج، باب تحريم صوم أيام التشريق (ح 1141).¥. وقوله: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} فيه قولان: (أحدهما): إذا رجعتم إلى رحالكم في الطريق، ولهذا قال مجاهد: هي رخصة إذا شاء صامها في الطريق ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق منصور بن المعتمر عنه.¥. وكذا قال عطاء بن أبي رباح ¬ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند، وأخرجه الطبري عن سفيان بن وكيع عن وكيع عن فطر عن عطاء، وفي سنده: سفيان بن وكيع: ضعيف ولا يضر لأن العمل على هذا القول.¥. والقول (الثاني): إذا رجعتم إلى أوطانكم. قال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن سالم، سمعت ابن عمر قال: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} قال: إذا رجع إلى أهله ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره وابن أبي حاتم من طريق عبد الرزاق به، وسنده صحيح.¥. وكذا روي عن سعيد بن جبير وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وقتادة والزهري والربيع بن أنس ¬ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.¥. وحكى على ذلك أبو جعفر بن جرير الإجماع ¬ذكره في تفسيره.¥. وقد قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن ابن عمر قال: تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق [معه] ¬سقط من الأصل واستدرك من (عف) و (عش) و (ح) والتخريج.¥ الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأهلّ بالعمرة ثم أهلّ بالحج فتمتع الناس مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة قال للناس: "من كان منكم أهدى فإنه لا يحل بشيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهلّ بالحج، فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله" وذكر تمام الحديث. قال الزهري: وأخبرني عروة، عن عائشة بمثل ما أخبرني سالم عن أبيه، والحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري ¬أخرجه البخاري في صحيحه بسنده بتمامه، الحج، باب من ساق البدن معه (ح 1691)، ومسلم في صحيحه، الحج، باب وجوب الدم على المتمتع (ح 1227).¥ به. وقوله: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} قيل: تأكيد، كما تقول العرب: رأيت بعيني، وسمعت بأذني، وكتبت بيدي، وقال الله تعالى: {وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 138] وقال: {وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت: 48]، وقال: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142] وقيل: معناهُ كاملة الأمر بإكمالها وإتمامها، اختاره ابن جرير، وقيل: معنى {كَامِلَةٌ}: أي مجزئة عن الهدي ¬ذكره الطبري في تفسيره دون تسمية.¥. قال هشيم: عن عباد بن راشد، عن الحسن البصري في قوله: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} قال: من الهدي ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق هشيم به، وسنده حسن.¥. وقوله: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} قال ابن جرير: واختلف أهل التأويل فيمن عنى بقوله: {لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} بعد إجماع جميعهم على أن أهل الحرم معنيون به وأنه لا متعة لهم، فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الحرم خاصة دون غيرهم، حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان - هو الثوري - قال ابن عباس ومجاهد: هم أهل الحرم. وكذا روى ابن المبارك عن الثوري، وزاد الجماعة عليه ¬أي قوله: هم أهل الحرم، والجماعة عليه، كذا ذكره الطبري بسنده ولفظه، وفيه انقطاع بين الثوري وابن عباس ومجاهد فإنه لم يدركهما.¥، وقال قتادة: ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: يا أهل مكة، لا متعة لكم، أحلت لأهل الآفاق وحرمت عليكم، إنما يقطع أحدكم واديًا، أو قال: يجعل بينه وبين الحرم واديًا، [ثم] ¬سقط في من الأصل واستدرك من (عش) و (عف) و (ح) والتخريج.¥ يهلّ بعمرة ¬أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة به، وأخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به، وقتادة لم يسمع من ابن عباس (المراسيل لابن أبي حاتم ص 168).¥. وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: المتعة للناس لا لأهل مكة، من لم يكن أهله من الحرم. وذلك قول الله - عزَّ وجلَّ -: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} قال: وبلغني عن ابن عباس مثل قول طاوس ¬أخرجه الطبري بسنده ولفظه وسنده إلى طاوس حسن.¥. وقال آخرون: هم أهل الحرم ومن بينه وبين المواقيت، كما قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن رجل، عن عطاء، قال: من كان أهله دون المواقيت فهو كأهل مكة لا يتمتع ¬في سنده رجل مبهم، وهكذا أخرجه عبد الرزاق والطبري في تفسيريهما.¥. وقال عبد الله بن المبارك: عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن مكحول في قوله: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} قال: من كان دون الميقات ¬أخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن ابن المبارك به، وسنده صحيح.¥. وقال ابن جريج: عن عطاء {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} قال: عرفة ومرّ ¬منطقة تبعد عن مكة خمسة أميال (معجم البلدان 4/ 493).¥ وعرنة ¬عرنة الوادي الذي يحد عرفة من جهة مكة.¥ والرجيع ¬الرجيع: ماء لبني هذيل قرب الهدي بين مكة والطائف (معجم البلدان 2/ 756).¥ وضجنان ¬ضجنان: جبل بناحية مكة كذا مكتوب في (عف).¥ ¬أخرجه الطبري بإسنادين يقوي بعضهما بعضًا من طريق سفيان الثوري عن ابن جريج به، وأخرجه ابن أبي حاتم بإسناد صحيح من طريق الثوري عن ابن جريج به.¥. وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر سمعت الزهري يقول من كان أهله على يوم أو نحوه تمتع ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره عن معمر به، بلفظ: "أو نحو فهو كأهل مكة". وأخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، كما هو مثبت في الأصل، وسنده صحيح.¥. وفي رواية عنه: اليوم واليومين ¬أخرجه الطبري من طريق ابن المبارك عن معمر عن الزهري وسنده صحيح.¥، واختار ابن جرير في ذلك مذهب الشافعي أنهم أهل الحرم، ومن كان منه على مسافة لا يقصر فيها الصلاة، لأن من كان كذلك يعد حاضرًا لا مسافرًا، والله أعلم ¬ذكره الطبري مطولًا في صفحة كاملة.¥. وقوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} أي: فيما أمركم ونهاكم {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} أي: لمن خالف أمره وارتكب ما عنه زجره.
تفاسير بلغات أخرى · 8