تفسير ابن كثير
{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (197)}.
اختلف أهل العربية في قوله: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} فقال بعضهم: تقديره الحج حج أشهر معلومات، فعلى هذا التقدير يكون الإحرام بالحج فيها أكمل من الإحرام فيما عداها وإن كان ذاك صحيحًا، والقول بصحة الإحرام بالحج في جميع السنة مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وبه يقول إبراهيم النخعي والثوري والليث بن سعد واحتج لهم بقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189] وبأنه أحد النسكين، فصحَّ الإحرام به في جميع السنة كالعمرة.
وذهب الشافعي رحمه الله، إلى أنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره، فلو أحرم به قبلها لم ينعقد إحرامه، بل. وهل ينعقد عمرة؟ فيه قولان عنه. والقول بأنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره مروي عن ابن عباس وجابر، وبه يقول عطاء وطاوس ومجاهد رحمهم الله، والدليل عليه قوله: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [وظاهره التقدير الآخر الذي ذهب إليه النحاة ¬ينظر: معاني القرآن للفراء 1/ 119.¥، وهو أن وقت الحج أشهر معلومات] ¬ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و (ح) و (عش) و (مح) 4/ 1.¥، فخصصه بها من بين سائر شهور السنة، فدل على أنه لا يصح قبلها كميقات الصلاة.
وقال الشافعي رحمه الله: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، أخبرني عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في شهور الحج من أجل قول الله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}.
وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن يحيى بن مالك السوسي، عن حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج ¬أخرجه الشافعي بسنده ومتنه (الأم 2/ 136)، وأخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وفي سنديهما عمر بن عطاء وهو وراز: ضعيف (التقريب ص 416)، وقد توبع كما سيأتي في رواية ابن مردويه وابن خزيمة فالإسناد يرقى إلى الحسن لغيره.¥ به.
ورواه ابن مردويه في تفسيره من طريقين عن حجاج بن أرطاة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس أنه قال: من السنّة لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج.
وقال ابن خزيمة في صحيحه: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، [فإن من سنّة الحج أن يحرم في أشهر الحج] ¬صحيح ابن خزيمة، المناسك، باب النهي عن الإحرام بالحج في غير أشهر الحج 4/ 161 (ح 2596) وأخرجه الحاكم من طريق ابن خزيمة به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 1/ 448).¥ ¬ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و (ح) و (عش) و (مح) 4/ 1.¥. وهذا إسناد صحيح، وقول الصحابي: من السنة كذا في حكم المرفوع عند الأكثرين، ولا سيّما قول ابن عباس تفسيرًا للقرآن وهو ترجمانه. وقد ورد فيه حديث مرفوع.
قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع، حدثنا الحسن بن المثنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج" ¬في سنده أبو حذيفة وهو: موسى ابن مسعود النهدي: صدوق سيء الحفظ وكان يصحف (التقريب ص 554) ولعله هو الذي رفعه لأنه كما قال أن الموقوف أصح وأثبت من المرفوع.¥ وإسناده لا بأس به.
لكن رواه الشافعي والبيهقي من طرق عن ابن جريج، عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل: أيهلّ بالحج قبل أشهر الحج؟ فقال: لا، وهذا الموقوف أصح وأثبت من المرفوع، ويبقى حينئذٍ مذهب صحابي يتقوى بقول ابن عباس من السنة: أن لا يحرم بالحج إلا في أشهره، والله أعلم.
وقوله: {أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} قال البخاري: قال ابن عمر: هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة ¬الصحيح، الحج، باب قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ... } [البقرة: 197] قبل (ح 1565).¥.
وهذا الذي علّقه البخاري بصيغة الجزم، رواه ابن جرير، حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة، حدثنا أبو نعيم، حدثنا ورقاء، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} قال: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه. وصححه الحافظ ابن كثير.¥.
إسناد صحيح، وقد رواه الحاكم أيضًا في مستدركه عن الأصم، عن الحسن بن علي بن عفان، عن عبد الله بن نمير، [عن عبيد الله] ¬ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عش) وعف و (ح) والتخريج.¥ عن نافع، عن ابن عمر ... فذكره وقال: هو على شرط الشيخين ¬المستدرك (2/ 276)، وصححه ووافقه الذهبي.¥.
(قلت): وهو مروي عن عمر وعلي وابن مسعود وعبد الله بن الزبير وابن عباس وعطاء وطاوس ومجاهد وإبراهيم النخعي والشعبي والحسن وابن سيرين ومكحول وقتادة والضحاك بن مزاحم والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان ¬ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.¥.
وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وأبي يوسف وأبي ثور رحمهم الله، واختار هذا القول ابن جرير، قال: وصحّ إطلاق الجمع ¬كذا في الأصل وفي (ح) و (عش) بلفظ: "الجميع".¥ على شهرين وبعض الثالث للتغليب، كما تقول العرب: زرته العام ورأيته اليوم، وإنما وقع ذلك في بعض العام واليوم ¬ذكره الطبري في تفسيره بنحوه وأطول.¥.
قال الله تعالى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 203] وإنما تعجل في يوم ونصف.
وقال الإمام مالك بن أنس [والشافعي - في القديم] ¬سقط من الأصل واستدرك من (عف) و (عش) و (ح).¥: هي شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله. وهو رواية عن ابن عمر أيضًا.
قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا شريك عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: شوال وذو القعدة وذو الحجة ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه سعيد بن منصور (التفسير)، وابن أبي شيبة (المصنف 4/ 218) كلاهما من طريق شريك به، وفيه شريك وإبراهيم بن المهاجر كلاهما فيهما مقال إلا إنهما توبعا في الرواية التالية إذ رواه ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن نافع عن ابن عمر وصححه الحافظ ابن كثير كما سيأتي.¥.
وقال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني ابن جريج، قال: قلت لنافع: أسمعت عبد الله بن عمر يسمي شهور الحج. قال: نعم، كان عبد الله يسمي شوالًا وذا القعدة وذا الحجة. قال ابن جريج: وقال ذلك ابن شهاب وعطاء وجابر بن عبد الله صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وصحح سنده الحافظ ابن كثير إلى ابن جريج.¥.
وهذا إسناد صحيح إلى ابن جريج، وقد حكى هذا أيضًا عن طاوس ومجاهد وعروة بن الزبير والربيع بن أنس وقتادة ¬ذكر ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند.¥.
وجاء فيه حديث مرفوع لكنه موضوع، رواه الحافظ ابن مردويه من طريق حُصين بن مخارق، وهو متهم بالوضع، عن يونس بن عبيد، عن شهر بن حوشب، عن أبي أُمامة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}: شوال وذو القعدة وذو الحجة" وهذا كما رأيت لا يصح رفعه، والله أعلم.
وفائدة مذهب مالك: أنه إلى آخر ذي الحجة بمعنى أنه مختص بالحج، فيكره الاعتمار في بقية ذي الحجة، لا أنه يصح الحج بعد ليلة النحر.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: قال عبد الله: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}، ليس فيها عمرة ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه وسنده صحيح كما قال الحافظ.¥. وهذا إسناد صحيح.
قال ابن جرير: وإنما أراد من ذهب إلى أن أشهر الحج: شوال وذو القعدة وذو الحجة أن هذه الأشهر ليست أشهر العمرة إنما هي للحج وإن كان عمل الحج قد انقضى بانقضاء أيام منى، كما قال محمد بن سيرين: ما أحد من أهل العلم يشك في أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج. وقال ابن عون: سألت القاسم بن محمد عن العمرة في أشهر الحج فقال: كانوا لا يرونها تامة ¬قول ابن عون أخرجه الطبري من إسحاق بن يوسف عن ابن عون به.¥.
(قلت): وقد ثبت عن عمر وعثمان - رضي الله عنهما -، أنهما كان يحبان الاعتمار في غير أشهر الحج وينهيان عن ذلك في أشهر الحج، والله أعلم.
وقوله: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} أي: أوجب بإحرامه حجًا، فيه دلالة على لزوم الإحرام بالحج والمضي فيه.
قال ابن جرير: أجمعوا على أن المراد من الفرض ههنا الإيجاب والإلزام، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} يقول: من أحرم بحج أو عمرة ¬أخرجه الطبري بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة به، وقول الطبري ورد مطولًا.¥.
وقال عطاء: الفرض الإحرام ¬أخرجه الطبري بسند جيد من طريق ليث عن عطاء به.¥. وكذا قال إبراهيم والضحاك وغيرهم ¬قول إبراهيم النخعي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق المغيرة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري من طريق حسين بن عقيل الخراساني عنه ولم أقف على ترجمة حسين بن عقيل ويشهد له ما سبق.¥. وقال [ابن جُريج] ¬في الأصل: "ابن جرير" والتصويب من (عش) و (عف) و (ح) والتخريج.¥: أخبرني عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} فلا ينبغي أن يلبي بالحج ثم يقيم بأرض ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حجاج بن محمد عن ابن جريج به، وفي سنده عمر بن عطاء ضعيف، ويشهد له الآثار التي تليه.¥.
قال ابن أبي حاتم: روي عن ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير ومجاهد وعطاء وإبراهيم النخعي وعكرمة والضحاك وقتادة وسفيان الثوري والزهري ومقاتل بن حيان: نحو ذلك. وقال طاوس والقاسم بن محمد: هو التلبية ¬ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.¥.
وقوله: {فَلَا رَفَثَ} أي: من أحرم بالحج أو العمرة فليجتنب الرفث، وهو الجماع، كما قال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187] وكذلك يحرم تعاطي دواعيه من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك، وكذا التكلم به بحضرة النساء.
قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس: أن نافعًا أخبره أن عبد الله بن عمر كان يقول: الرفث إتيان النساء والتكلم بذلك للرجال والنساء إذا ذكروا ذلك بأفواههم ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بالسند نفسه وبمتنه. وسنده صحيح.¥.
قال ابن وهب: وأخبرني أبو صخر عن محمد بن كعب مثله ¬أخرجه الطبري من طريق يونس الأيلي عن ابن وهب به.¥.
قال ابن جرير: وحدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن رجل، عن أبي العالية الرياحي، عن ابن عباس، أنه كان يحدو وهو محرم، وهو يقول:
وهنّ يمشين بنا هَميسا ... إن تصدُقِ الطيرُ نَنِكْ لَميسا ¬ورد هذا الرجز بدون نسبة وكذا في المحرر الوجيز 1/ 555، والبحر المحيط 2/ 27، والهميس هو صوت نقل خفاق الإبل. واللميس: المرأة الناعمة الملمس، كما في لسان العرب (ل م س).¥
قال أبو العالية: فقلت: تتكلم بالرفث وأنت محرم؟ قال: إنما الرفث ما قيل عند النساء ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفي سنده رجل مبهم فالسند ضعيف.¥.
ورواه الأعمش عن زياد بن حصين عن أبي العالية عن ابن عباس ... فذكره ¬أخرجه الطبري من طريق محمد بن حميد الرازي عن جرير عن الأعمش به.
ومحمد بن حميد: ضعيف وقد توبع فقد أخرجه الحاكم من طريق إسحاق بن إبراهيم عن جرير به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 2/ 276).¥.
وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، قال: حدثني زياد بن حصين قال: حدثني أبي حصين بن قيس، قال: أصعدت مع ابن عباس في الحاج، وكنت خليله، فلما كان بعد إحرامنا وقال ابن عباس: فأخذ بذنب بعيره فجعل يلويه ويرتجز ويقول:
وهنّ يمشين بنا هَميسا ... إن تصدُقِ الطيرُ نَنِكْ لَميسا
قال: فقلت: أترفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث ما قيل عند النساء ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحصين بن قيس لم أجد له ترجمة. وأخرجه سعيد بن منصور من طريق عوف به (التفسير 345).¥.
وقال عبد الله بن طاوس، عن أبيه: سألت ابن عباس عن قول الله - عزَّ وجلَّ -: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ}؟ قال: الرفث: التعريض بذكر الجماع، وهي العرابة في كلام العرب، وهو أدنى الرفث ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سفيان الثوري عن ابن طاوس به، وسنده حسن.¥.
وقال عطاء بن أبي رباح: الرفث: الجماع وما دونه من قول الفحش ¬أخرجه الطبري من طريق محمد بن بكر البرساني عن ابن جريج عن عطاء وسنده حسن.¥. وكذا قال عمرو بن دينار ¬أخرجه الطبري من طريق محمد بن بكر البرساني عن ابن جريج عن عمرو وسنده حسن.¥.
وقال عطاء: كانوا يكرهون العرابة، وهو التعريض وهو محرم ¬أخرجه الطبري من علقمة بن مرثد عن عطاء وسنده صحيح.¥.
وقال طاوس: هو أن يقول للمرأة: إذا حللت أصبتك ¬أخرجه الطبري من الحسن بن مسلم عن طاوس وسنده صحيح.¥، وكذا قال أبو العالية.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الرفث: غشيان النساء والقبلة والغمز، وأن يعرض لها بالفحش من الكلام ونحو ذلك ¬أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.¥.
وقال ابن عباس أيضًا وابن عمر: الرفث: غشيان النساء ¬قول ابن عباس أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا، وقول ابن عمر أخرجه الطبري من طريق محمد بن إسحاق قال: عن نافع عن ابن عمر، وفي سنده ابن إسحاق لم يصرح بالسماع، وأخرجه الحاكم من طريق ابن إسحاق به (المستدرك 2/ 276) وصححه ووافقه الذهبي.¥.
وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وإبراهيم وأبو العالية عن عطاء ومكحول [وعطاء الخراساني، ¬في الأصل: "أن أبان" والتصويب من (عش) و (عف) و (ح).¥ وعطاء بن يسار وعطية وإبراهيم النخعي والربيع والزهري والسدي ومالك بن أنس ومقاتل بن حيان وعبد الكريم بن مالك والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم ¬ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف الأسانيد.¥.
وقوله: {وَلَا فُسُوقَ} قال مقسم وغير واحد، عن ابن عباس هي: المعاصي ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق خُصيف عن مقسم به، وسنده حسن.¥.
وكذا قال عطاء ومجاهد وطاوس وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة وإبراهيم النخعي والزهري ومكحول والربيع بن أنس وعطاء بن يسار وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان ¬ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف الأسانيد وأغلب هذه الأقوال أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة.¥.
وقال محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الفسوق ما أصيب من معاصي الله صيدًا أو غيره ¬أخرجه الحاكم من طريق محمد بن إسحاق به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 2/ 276)، وقد توبع ابن إسحاق فأخرجه الطبري من طريق يونس عن نافع به.¥.
وكذا روى ابن وهب، عن يونس، عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم ¬أخرجه الحاكم من طريق محمد بن إسحاق به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 2/ 276)، وقد توبع ابن إسحاق فأخرجه الطبري من طريق يونس عن نافع به.¥.
وقال آخرون: الفسوق ههنا السباب. قاله ابن عباس وابن عمر وابن الزبير ومجاهد والسدي وإبراهيم والحسن ¬قول ابن عمر أخرجه الطبري بإسنادين يقوي بعضهما بعضًا.
وقول ابن عباس أخرجه الطبري بإسنادين يقوي بعضهما بعضًا، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف يشهد له ما سبق، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسباط عنه.¥. وقد يتمسك هؤلاء بما ثبت في الصحيح: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" ¬صحيح البخاري، الإيمان، باب خوف المؤمن إن يحبط عمله وهو لا يشعر (ح 48)، وصحيح مسلم، الإيمان، بيان قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "سباب المسلم فسوق" (ح 64).¥ [ولهذا رواه ههنا الحبر أبو محمد بن أبي حاتم رحمه الله من حديث سفيان الثوري عن زبيد، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري به، وتقدم تخريجه في الصحيحين.¥.
وروي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، ومن حديث أبي إسحاق، عن محمد بن سعد، عن أبيه] ¬ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عش) و (عف) و (ح) و (مح).¥.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الفسوق ههنا الذبح للأصنام. قال الله تعالى: {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.¥ [الأنعام: 145].
وقال الضحاك: الفسوق: التنابز بالألقاب ¬أخرجه الطبري من طريق حسين بن عقيل عنه.¥.
والذين قالوا: الفسوق ههنا: هو جميع المعاصي معهم الصواب، كما نهى تعالى عن الظلم في الأشهر الحرم، وإن كان في جميع السنّة منهيًا عنه، إلا أنه في الأشهر الحرم آكد، ولهذا قال: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: 36]. وقال في الحرم: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25].
واختار ابن جرير أن الفسوق ههنا ارتكاب ما نهى عنه في الإحرام من قتل الصيد وحلق الشعر وقلم الأظفار ونحو ذلك، كما تقدم عن ابن عمر، وما ذكرناه أولى، والله أعلم، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي حازم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من حجَّ هذا البيت، فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" ¬صحيح البخاري، الحج، باب فضل الحج المبرور (ح 1521) وصحيح مسلم، الحج، باب فضل الحج والعمرة (ح 1350) وما بعده.¥.
وقوله: {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} فيه قولان:
(أحدهما): ولا مجادلة في وقت الحج وفي مناسكه، وقد بيّنه الله أتم بيان، ووضحه أكمل إيضاح، كما قال وكيع: عن العلاء بن عبد الكريم: سمعت مجاهدًا يقول: {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} قد بيّن الله أشهر الحج فليس فيه جدال بين الناس ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق وكيع به، وسنده صحيح.¥.
وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد: {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} قال: لا شهر ينسأ ولا جدال في الحجِّ قد تبيّن ثم ذكر كيفية ما كان المشركون يصنعون في النسيء الذي ذمهم الله به ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عيسى بن ميمون عن ابن أبي نجيح به.¥.
وقال الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع ¬في الأصل صحف إلى "ربيع".¥، عن مجاهد في قوله: {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} قال: قد استقام الحج، فلا جدال فيه ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري به.¥. وكذا قال السدي ¬أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسباط عن السدي به.¥.
وقال هشيم: أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} قال: المراء في الحج ¬أخرجه الطبري من طريق سنيد عن هشيم به وفي سُنده سُنيد فيه مقال وقد توبع في رواية ابن أبي حاتم فأخرجه من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري عن خصيف عن مقسم عن ابن عباس، فالإسناد حسن.¥.
وقال عبد الله بن وهب: قال مالك: قال الله تعالى: {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} فالجدال في الحج - والله أعلم - أن قريشًا كانت تقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة، وكانت العرب وغيرهم يقفون بعرفة، وكانوا يتجادلون يقول هؤلاء: نحن أصوب ويقول هؤلاء: نحن أصوب، فهذا فيما نرى، والله أعلم ¬أخرجه ابن أبي حاتم عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب به، وسنده صحيح.¥.
وقال ابن وهب: عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون كلهم يدعي أن موقفه موقف إبراهيم، فقطعه [الله حين] ¬في الأصل: "إنه" من والتصويب من (عش) و (عف) و (ح) و (مح).¥ أعلم نبيه بالمناسك ¬أخرجه الطبري عن يونس عن ابن وهب به، وسنده صحيح.¥.
وقال ابن وهب: عن أبي صخر، عن محمد بن كعب، قال: كانت قريش إذا اجتمعت بمنى قال هؤلاء: حجنا أتمُّ من حجِّكم، وقال هؤلاء: حجُّنا أتمُّ من حجِّكم ¬أخرجه الطبري عن يونس عن ابن وهب به، وسنده صحيح.¥.
وقال حماد بن سلمة، عن جُبير بن حبيب، عن القاسم بن محمد أنه قال: الجدال في الحجِّ أن يقول بعضهم: الحجُّ غدًا، ويقول بعضهم: الحجُّ اليوم ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حجاج الأنماطي عن حماد به، وسنده صحيح.¥.
وقد اختار ابن جرير مضمون هذه الأقوال، وهو قطع التنازع في مناسك الحجِّ.
(والقول الثاني): أن المراد بالجدال ههنا المخاصمة. قال ابن جرير: حدثنا عبد الحميد بن بيان، حدثنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود في قوله: {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} قال: أن تماري صاحبك حتى تغضبه ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده حسن.¥. وبهذا الإسناد إلى أبي إسحاق، عن التميمي، سألت ابن عباس، عن الجدال، قال: المراء تماري صاحبك حتى تغضبه ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه التميمي وهو أربدة: ضعيف وقد تابعه مقسم وعلي أبي طلحة، ويشهد له
ما سيأتي من آثار من تلاميذ ابن عباس كسعيد بن جبير وعكرمة.¥. وكذلك روى مقسم والضحاك عن ابن عباس ¬أخرجهما الطبري، والضحاك لم يلق ابن عباس، وسند مقسم عن ابن عباس حسن.¥.
وكذا قال أبو العالية وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وجابر بن زيد وعطاء الخراساني ومكحول والسدي ومقاتل بن حيان وعمرو بن دينار والضحاك والربيع بن أنس وإبراهيم النخعي وعطاء بن يسار والحسن وقتادة والزهري ¬ذكر كلهم ابن أبي حاتم بحذف الأسانيد.¥.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}، المِراء والملاحاة حتى تغضب أخاك وصاحبك فنهى الله عن ذلك ¬أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.¥، وقال إبراهيم النخعي: {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} قال: كانوا يكرهون الجدال.
وقال محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الجدال في الحج السباب والمنازعة ¬أخرجه الحاكم من طريق ابن إسحاق به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 2/ 276)، وقد توبع ابن إسحاق كما سيأتي في الرواية التالية.¥. وكذا روى ابن وهب عن يونس، عن نافع أن ابن عمر كان يقول: الجدال في الحج السباب والمراء والخصومات ¬أخرجه الطبري من طريق يونس عن ابن وهب به، وسنده صحيح.¥. وقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن الزبير والحسن وإبراهيم وطاوس ومحمد بن كعب، قالوا: الجدال المراء ¬ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.¥.
وقال عبد الله بن المبارك، عن يحيى بن بشر، عن عكرمة {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} والجدال: الغضب، أن تغضب عليك مسلمًا إلا أن تستعتب مملوكًا فتغضبه من غير أن تضربه، فلا بأس عليك. إن شاء الله ¬أخرجه الطبري من طريق سويد عن ابن المبارك به، وسنده حسن.¥.
(قلت): ولو ضربه لكان جائزًا سائغًا ¬استدل الحافظ على جواز الضرب بدليل ضعيف كما سيأتي.¥، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس، حدثنا محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجاجًا حتى إذا كنا بالعرج ¬قال السندي: قرية جامعة من عمل الفرع على أيام من المدينة (نقلا عن حاشية المسند 44/ 485).¥ نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلست عائشة إلى جنب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجلست إلى جانب أبي، وكانت زمالة ¬زمالة: أدوات السفر وآلاته (المصدر السابق).¥ أبي بكر وزمالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدة مع غلام أبي بكر، فجلس أبو بكر ينتظره إلى أن يطلع عليه، فاطلع وليس مع بعيره، فقال: أين بعيرك؟ فقال: أضللته البارحة، فقال أبو بكر: بعير واحد تضله؟ فطفق يضربه ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبتسم ويقول: "انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع".
وهكذا أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن إسحاق ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 44/ 485 ح 26916)، وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب
المناسك، باب المحرم يؤدب غلامه (ح 1818)، وابن ماجه في سننه، كتاب المناسك، باب التوقي في الإحرام (ح 2933) كلهم من طريق ابن إسحاق به، وفيه عنعنه ابن إسحاق وهو من المدلسين الذين لا تقبل روايتهم إلا إذا صرحوا بالسماع، والإسناد ضعيف.¥.
ومن هذا الحديث حكى بعضهم عن بعض السلف أنه قال: من تمام الحج ضرب الجمال، ولكن يستفاد من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أبي بكر - رضي الله عنه -: "انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع" كهيئة الإنكار اللطيف أن الأولى ترك ذلك، والله أعلم.
وقد قال الإمام عبد بن حميد في مسنده: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيد الله، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من قضى نسكه وسلم المسلمون من لسانه ويده، غفر له ما تقدم من ذنبه" ¬المنتخب من مسند عبد الله بن حميد (ح 1148)، وفي سنده موسى بن عبيدة وهو الربذي: ضعيف.¥.
وقوله: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} لما نهاهم عن إتيان القبيح قولًا وفعلًا، حثهم على فعل الجميل وأخبرهم أنه عالم به، وسيجزيهم عليه أوفر الجزاء يوم القيامة.
وقوله: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} قال العوفي عن ابن عباس: كان أناس يخرجون من أهليهم ليست معهم أزودة، يقولون: نحج بيت الله ولا يطعمنا؟ فقال الله: تزوّدوا ما يكف وجوهكم عن الناس ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس وقد توبع كما سيأتي في رواية البخاري.¥.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري ¬في الأصل: "المصري" وهو تصحيف.¥، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة أن ناسًا كانوا يحجون بغير زاد فأنزل الله: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وهو إسناد صحيح لكنه مرسل ويشهد له ما سيأتي في الصحيح.¥. وكذا رواه ابن جرير عن عمرو وهو الفلاس، عن ابن عيينة. قال ابن أبي حاتم: وقد روى هذا الحديث ورقاء عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: وما يرويه ابن عيينة أصح.
(قلت): قد رواه النسائي، عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: كان ناس يحجون بغير زاد، فأنزل الله: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} ¬السنن، الحج (ح 11033).¥. وأما حديث ورقاء فأخرجه [البخاري عن يحيى بن بشر، عن شبابة، وأخرجه] ¬ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و (عش) و (ح) و (مح).¥ أبو داود ¬السنن، الحج (ح 1730).¥، عن أبي مسعود أحمد بن الفرات الرازي ومحمد بن عبد الله المخزومي عن شبابة، عن ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فأنزل الله: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} ¬أخرجه البخاري عن يحيى بن بشر عن شبابه به، الصحيح، الحج، باب قول الله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197] (ح 1523).¥.
ورواه عبد بن حميد في تفسيره عن شبابة، ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث شبابة به، وروى ابن جرير وابن مردويه من حديث عمرو بن عبد الغفار، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كانوا إذا أحرموا ومعهم أزوادهم رموا بها واستأنفوا زادًا آخر، فأنزل الله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} فنهوا عن ذلك وأمروا أن يتزودوا الدقيق والسويق والكعك ¬أخرجه الطبري من طريق عمرو بن عبد الغفار عن محمد بن سوقة عن نافع به، له شاهد في الصحيح تقدم قبله.¥. وكذا قال ابن الزبير وأبو العالية ومجاهد وعكرمة والشعبي والنخعي وسالم بن عبد الله وعطاء الخراساني وقتادة والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان ¬ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف الأسانيد.¥.
وقال سعيد بن جبير: فتزودوا الدقيق والسويق والكعك ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق محمد بن سوقه عن سعيد بن جبير.¥.
وقال وكيع بن الجراح في تفسيره: حدثنا سفيان، عن محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير {وَتَزَوَّدُوا} قال: الخشكنانج ¬الخشكنانج: هو خبزة تصنع من خالص دقيق الحنطة وتملأ بالسكر واللوز أو الفستق وتقلى (الوسيط باب: خ ش ك).¥ والسويق ¬سنده صحيح وأخرجه الطبري من طريق وكيع به.¥. قال وكيع أيضًا: حدثنا إبراهيم المكي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: إن من كرم الرجل طيب زاده في السفر ¬في سنده إبراهيم المكي وهو ابن يزيد الخوزي: متروك (التقريب ص 95).¥. وزاد فيه حماد بن سلمة، عن أبي ريحانة أن ابن عمر كان يشترط على من صحبه الجودة.
وقوله: {فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} لما أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا أرشدهم إلى زاد الآخرة، وهو استصحاب التقوى إليها، كما قال: {وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26] لما ذكر اللباس الحسي نبّه مرشدًا إلى اللباس المعنوي، وهو الخشوع والطاعة والتقوى، وذكر أنه خير من هذا وأنفع.
قال عطاء الخراساني في قوله: {فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} يعني: زاد الآخرة ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه به، وعثمان: ضعيف.¥.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبدان، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل، عن قيس، عن جرير، عن عبد الله، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من يتزوّد في الدنيا ينفعه في الآخرة" ¬أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير 2/ 305) وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد 10/ 311)، وصحح إسناده أحمد شاكر في عمدة التفسير 1/ 65، ولكن في سنده مروان بن معاوية كان يدلس أسماء الشيوخ (التقريب ص 526)، ولم يصرح باسم والد شيخه إسماعيل.¥.
وقال مقاتل بن حيان لما نزلت هذه الآية {وَتَزَوَّدُوا}: قام رجل من فقراء المسلمين فقال: يا رسول الله، ما نجد زادًا نتزوّده، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تزوّد ما تكفّ به وجهك عن الناس، وخير ما تزوّدتم التقوى" رواه ابن أبي حاتم ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان وسنده معضل لأن مقاتلًا من أتباع التابعين.¥.
وقوله: {وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} يقول: واتقوا عقابي ونكالي وعذابي لمن خالفني ولم يأتمر بأمري، يا ذوي العقول والأفهام.