تفسير هذه الآية

السورة 2 : الآية 225

السورة 2 : الآية 225

لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ

تفسير ابن كثير

{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225)}.

وقوله: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} أي: لا يعاقبكم ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان اللاغية، وهي التي لا يقصدها الحالف بل تجري على لسانه عادة من غير تعقيد ولا تأكيد، كما ثبت في الصحيحين من حديث الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قال: "من حلف فقال في حلفه: باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا اللّه" ¬صحيح البخاري، التفسير، باب {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19)} [النجم: 19] (ح 4860)، وصحيح مسلم، الأيمان والنذور (ح 1647).¥.

فهذا قاله لقوم حديثي عهد بجاهلية، قد أسلموا وألسنتهم قد ألفت ما كانت عليه من الحلف باللَّات من غير قصد، فأمروا أن يتلفظوا بكلمة الإخلاص كما تلفظوا بتلك الكلمة من غير قصد لتكون هذه بهذه، ولهذا قال تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} كما قال تعالى في الآية الأخرى في المائدة: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة: 89].

قال أبو داود: (باب لغو اليمين) حدثنا حميد بن مسعدة الشامي، حدثنا حسان - يعني ابن إبراهيم -، حدثنا إبراهيم - يعني الصائغ -، عن عطاء: في اللغو في اليمين، قال: قالت عائشة: إن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قال: "اللغو في اليمين هو كلام الرجل في بيته: كلا واللّه، وبلى واللّه" ثم قال أبو داود: رواه داود بن الفرات، عن إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن عائشة موقوفًا، ورواه الزهري وعبد الملك ومالك بن مغول كلهم عن عطاء، عن عائشة موقوفًا أيضًا ¬أخرجه أبو داود ببابه وسنده ومتنه وتعليقه (السنن، الأيمان والنذور ح 3254 وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 2789).¥.

(قلت): وكذا رواه ابن جريج وابن أبي ليلى عن عطاء، عن عائشة موقوفًا، ورواه ابن جرير عن هناد، عن وكيع وعبدة وأبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قوله: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}: لا واللّه وبلى واللّه، ثم رواه عن محمد بن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن هشام، عن أبيه عنها، وبه عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن القاسم عنها، وبه عن ابن إسحاق ¬في الأصل: "إسحاق" والتصويب من (عف) و (مح) و (حم) والتخريج.¥، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء عنها ¬أخرجه الطبري بعدة طرق عن عائشة وأصله في صحيح البخاري، الأيمان والنذور، باب {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 225] (ح 6663).¥.

وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة في قوله: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} قالت: هم القوم يتدارؤون في الأمر، فيقول هذا: لا واللّه، بلى واللّه، وكلا واللّه، يتدارؤون في الأمر لا تعقد عليه قلوبهم ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره بسنده ومتنه، وسنده صحيح.¥.

وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبدة - يعني ابن سليمان -، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قول اللّه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} قالت: هو قول الرجل: لا واللّه، وبلى واللّه ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.¥.

وحدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني ابن لهيعة عن أبي الأسود، عن عروة، قال: كانت عائشة تقول: إنما اللغو في المزاحة والهزل، وهو قول الرجل: لا واللّه، وبلى واللّه، فذاك لا كفارة فيه، إنما الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله ثم لا يفعله ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وفي سنده ابن لهيعة ويتقوى بسابقه.¥، ثم قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر وابن عباس في أحد قوليه، والشعبي وعكرمة في أحد قوليه وعطاء والقاسم بن محمد ومجاهد في أحد قوليه وعروة بن الزبير وأبي صالح والضحاك في أحد قوليه، وأبي قلابة والزهري نحو ذلك ¬ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند.¥.

(الوجه الثاني) قرئ على يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الثقة، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها كانت تتأول هذه الآية، يعني قوله: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} وتقول: هو ¬في الأصل: "هذا" والتصويب من (عف) و (حم) و (مح) والتخريج.¥ الشيء يحلف عليه أحدكم لا يريد منه إلا الصدق فيكون على غير ما حلف عليه.

ثم قال: وروي عن أبي هريرة وابن عباس في أحد قوليه، وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير ومجاهد في أحد قوليه، وإبراهيم النخعي في أحد قوليه، والحسن وزرارة بن أوفى وأبي مالك وعطاء الخراساني وبكر بن عبد اللّه، وأحد قولي عكرمة وحبيب بن أبي ثابت والسدي ومكحول ومقاتل وطاوس وقتادة والربيع بن أنس ويحيى بن سعيد وربيعة نحو ذلك ¬أخرجه بسنده ومتنه، وذكر القائلين بالوجه الثاني كلهم.¥.

وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن موسى الحرشي، حدثنا عبد اللّه بن ميمون المرادي، حدثنا عوف الأعرابي، عن الحسن بن أبي الحسن قال: مرَّ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بقول ينتضلون - يعني: يرمون - ومع رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - رجل من أصحابه، فقام رجل من القوم فقال: أصبت واللّه، وأخطأت واللّه، فقال الذي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - للنبي - صلى الله عليه وسلم -: حنث الرجل يا رسول الله، قال: "كلَّا أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة" ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو مرسل.¥ هذا مرسل حسن عن الحسن. وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عائشة القولان جميعًا، حدثنا عصام بن رواد، أنبأنا آدم، حدثنا شيبان، عن جابر، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة، قالت: هو قوله: لا والله، وبلى واللّه، وهو يرى أنه صادق ولا يكون كذلك ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وفيه جابر الجعفي، ويتقوى بما سبق من طرق أخرى عن عائشة.¥.

أقوال أُخر: قال عبد الرزاق، عن هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم: هو الرجل يحلف على الشيء ثم ينساه ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره بسنده ومتنه، وسنده صحيح.¥. وقال زيد بن أسلم: هو قول الرجل: أعمى اللّه بصري إن لم أفعل كذا وكذا، أخرجني الله من مالي ¬في الأصل: "حالي" والتصويب من (عف) و (مح) و (حم) والتخريج.¥ إن لم آتك غدًا، فهو هذا ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من عدة طرق وبعدة ألفاظ.¥.

قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا مسدد بن خالد، حدثنا عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده حسن.¥. وأخبرني أبي: حدثنا أبو الجماهر، حدثنا سعيد بن بشير، حدثني أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لغو اليمين أن تحرم ما أحل اللّه لك فذلك ما ليس عليك فيه كفارة ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سعيد بن بشير.¥، وكذا روي عن سعيد بن جبير ¬ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.¥.

وقال أبو داود: (باب اليمين في الغضب) حدثنا محمد بن المنهال، أنبأنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب: أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة، فقال: إن عدت تسألني عن القسمة فكل ما لي في رتاج الكعبة، فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك، كفِّر عن يمينك، وكلم أخاك، سمعت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب عز وجل، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما لا تملك" ¬أخرجه أبو داود بسنده ومتنه ولكن تحت باب اليمين في قطيعة الرحم (ح 3272)، ولم يذكره الألباني في صحيح سنن أبي داود، وأخرجه الحاكم من طريق يزيد بن زريع به وصححه ووافقه الذهبي المستدرك 4/ 300)، وصححه أحمد شاكر في (عمدة التفسير 1/ 105) ونبه على سماع ابن المسيب من عمر - رضي الله عنه -.¥.

وقوله: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: هو أن يحلف على الشي وهو يعلم أنه كاذب ¬أخرج الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس: واللغو أن يحلف الرجل على الشيء يراه حقًّا وليس بحق، وأخرج أيضًا بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: من حلف باللّه ولا يعلم إلا أنه صادق فيما حلف.¥، قال مجاهد وغيره: وهي كقوله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} الآية [المائدة: 89]. {وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} أي: غفور لعباده حليم عليهم.

تفاسير بلغات أخرى · 6