تفسير ابن كثير
{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253)}.
يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [الإسراء: 55]، وقال ههنا: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ} يعني موسى ومحمد - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك آدم كما ورد به الحديث المروي في صحيح ابن حبان عن أبي ذرٍّ - رضي الله عنه - ¬سيأتي تخريجه في مطلع سورة الإسراء آية 55.¥.
{وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} كما ثبت في حديث الإسراء حين رأى النبي - صلى الله عليه وسلم -، الأنبياء في السماوات بحسب تفاوت منازلهم عند الله - عز وجل - ¬سيأتي ذكره في مطلع سورة الإسراء بعدة روايات.¥، (فإن قيل): فما الجمع بين هذه الآية وبين الحديث الثابت في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال اليهودي في قسم يقسمه: لا والذي اصطفى موسى على العالمين. فرفع المسلم يده، فلطم بها وجه اليهودي، فقال: أي خبيث، وعلى محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ فجاء اليهودي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فاشتكى على المسلم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تفضلوني على الأنبياء، فإن الناس يُصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشًا بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟ فلا تفضلوني على الأنبياء" وفي رواية: "لا تفضلوا بين الأنبياء؟ " ¬صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب وفاة موسى، وذكره بعد (ح 3408)، وصحيح مسلم، كتاب الفضائل (ح 2373).¥.
فالجواب من وجوه:
(أحدها): أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل، وفي هذا نظر.
(الثاني): أن هذا قاله من باب الهضم والتواضع.
(الثالث): أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر.
(الرابع): لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية.
(الخامس): ليس مقام التفضيل إليكم، وإنما هو إلى الله - عز وجل -، وعليكم الانقياد والتسليم له، والإيمان به.
وقوله: {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ} أي: الحجج والدلائل القاطعات على صحة ما جاء بني إسرائيل به من أنه عبد الله ورسوله إليهم {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} يعني: أن الله أيده بجبريل - عليه السلام -، ثم قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا} أي: بل كل ذلك عن قضاء الله وقدره، لهذا قالوا: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ}.