تفسير البغوي (معالم التنزيل)
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ} خِيَارِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمُجَاهِدٌ: مِنْ حَلَالَاتِ {مَا كَسَبْتُمْ} بِالتِّجَارَةِ وَالصِّنَاعَةِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى إِبَاحَةِ الْكَسْبِ وَأَنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى طِيِّبٍ وَخَبِيثٍ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَانِيُّ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِنَّ أَطْيَبَ مَا يَأْكُلُ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ" ¬رواه النسائي: في البيوع - باب الحث على الكسب: 7/ 240، وابن ماجه: في التجارات - باب الحث على الكسب: 2/ 723، والدارمي: بيوع - باب الكسب وعمل الرجل بيده: 2/ 247، وأحمد: 6/ 31،42 عن عائشة رضي الله عنها، وابن حبان: في صحيحه، موارد الظمآن (1091) ص 268، والمصنف في شرح السنة: 9/ 329 وإسناده صحيح.¥.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَانِيُّ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ بْنُ صَالِحٍ عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَكَانَ دَاوُدُ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ" ¬رواه البخاري: في البيوع - باب كسب الرجل وعمله بيده: 4/ 303. والمصنف في شرح السنة: 8/ 6.¥.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ يَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكُشْمِيهَنِيُّ، أَخْبَرَنَا نَجَاحُ بْنُ يَزِيدَ الْمُحَارِبِيُّ بِالْكُوفَةِ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عُبَيْدٍ، أَخْبَرَنَا أَبَانُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَكْتَسِبُ عَبْدٌ مَالًا حَرَامًا فَيَتَصَدَّقُ مِنْهُ فَيَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ، وَلَا يُنْفِقُ مِنْهُ فَيُبَارِكُ لَهُ فِيهِ وَلَا يَتْرُكُهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إِلَّا كَانَ زَادُهُ إِلَى النَّارِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئِ، وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالْحَسَنِ، إِنَّ الْخَبِيثَ لَا يَمْحُو الْخَبِيثَ" ¬رواه أحمد: 1/ 387 جزء من حديث عبد الله بن مسعود، والبغوي في شرح السنة 8/ 10، وأخرج بعضه الحاكم في المستدرك: 1/ 24، 2/ 447، وذكره الهيثمي في المجمع: 10/ 90 وقال: رواه الطبراني موقوفا ورجاله رجال الصحيح، وضعفه الألباني في السلسة الضعيفة برقم (2822). المشكاة برقم (2771،2994). وفي إسناده الصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي: ضعيف أفرط فيه ابن حبان - التقريب.¥.
وَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِي مَالِ التِّجَارَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَبَعْدَ الْحَوْلِ يُقَوِّمُ الْعُرُوضَ فَيُخْرِجُ مِنْ قِيمَتِهَا رُبْعَ الْعُشْرِ إِذَا كان قيمتها عشرون دِينَارًا أَوْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، قَالَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نَعُدُّهُ لِلْبَيْعِ" ¬رواه أبو داود: في الزكاة - باب العروض إذا كانت للتجارة 2/ 175 وسكت عنه المنذري والبيهقي: في السنن 4/ 146 قال ابن حجر في التلخيص الحبير: أخرجه الدارقطني والبزار من حديث سليمان بن سمرة عن أبيه وفي إسناده جهالة.¥.
وَعَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ حِمَاسٍ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: مَرَرْتُ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَلَى عُنُقِي أَدَمَةٌ ¬جلد.¥
أَحْمِلُهَا فَقَالَ عُمَرُ: أَلَا تُؤَدِّي زَكَاتَكَ يَا حِمَاسُ؟ فَقُلْتُ: مَا لِي غَيْرُ هَذَا وَأَهَبُ ¬جمع إهاب وهو الجلد قبل أن يدبغ.¥ فِي الْقَرَظِ ¬القرظ: حب معروف يخرج من شجر العضاة تدبغ به الجلود.¥، فَقَالَ ذَاكَ مَالٌ، فَضَعْ، فَوَضَعْتُهَا فَحَسَبَهَا فَأَخَذَ مِنْهَا الزَّكَاةَ ¬أخرجه الشافعي في مسنده: 1/ 229 - 230، والبيهقي في السنن: 4/ 147. والدارقطني: 2/ 125. وعزاه الحافظ ابن حجر للإمام أحمد وابن أبي شيبة وعبد الرزاق وسعيد بن منصور عن سفيان عن يحيى بن سعيد، انظر التلخيص الحبير: 2/ 180. وضعفه الألباني في إرواء الغليل: 3/ 311 لأن أبا عمرو بن حماس "مجهول" كما قال الذهبي في الميزان.¥.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} قِيلَ هَذَا بِإِخْرَاجِ الْعُشُورِ مِنَ الثِّمَارِ والحبوب واتفق أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إِيجَابِ الْعُشْرِ فِي النَّخِيلِ وَالْكُرُومِ وَفِيمَا يُقْتَاتُ مِنَ الْحُبُوبِ إِنْ كَانَ مَسْقِيًّا بِمَاءِ السَّمَاءِ أَوْ مِنْ نَهْرٍ يَجْرِي الْمَاءُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مُؤْنَةٍ، وَإِنْ كَانَ مَسْقِيًّا بِسَاقِيَةٍ أَوْ بِنَضْحٍ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا ¬الزرع لا يسقيه إلا ماء المطر.¥ الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ" ¬رواه البخاري: في الزكاة - باب: العشر فيما يسقى من ماء السماء وبالماء الجاري 3/ 437. ومسلم: في الزكاة - باب: ما فيه العشر أو نصف العشر برقم (981) 2/ 675 عن جابر بلفظ آخر. والمصنف في شرح السنة: 6/ 42.¥.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ التَّمَّارِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عَتَّابِ بْنِ أُسَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي زَكَاةِ الْكَرْمِ "يُخْرَصُ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ ثُمَّ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ زبيبا كما يؤدي زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا" ¬الشافعي: 1/ 243. رواه النسائي: زكاة - باب شراء الصدقة 5/ 109. وابن ماجه: زكاة - باب خرص النخل والعنب 2/ 210 - 211. وأبو داود: في الزكاة - باب في خرص العنب 2/ 210 - 211. والترمذي: زكاة - باب ما جاء في الخرص 3/ 306 وقال حديث حسن غرب. والبيهقي: 4/ 122. والدارقطني: 2/ 132. والمصنف في شرح السنة: 6/ 37. وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير 2/ 171 (ومداره على سعيد بن المسيب عن عتاب وقال أبو داود لم يسمع منه، وقال ابن القانع: لم يدركه، وقال المنذري: انقطاعه ظاهر لأن مولد سعيد في خلافه عمر ومات عتاب يوم مات أبو بكر وسبقه إلى ذلك ابن عبد البر وقال أبو حاتم الصحيح عن سعيد بن المسيب: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر عتابا: مرسل وهذه رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري قال النووي: هذا الحديث وإن كان مرسلا لكنه اعتضد بقول الأئمة).¥.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا سِوَى النَّخْلِ وَالْكُرُومِ، وَفِيمَا سِوَى مَا يُقْتَاتُ بِهِ مِنَ الْحُبُوبِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا عُشْرَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: يَجِبُ فِي الزَّيْتُونِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَجِبُ الْعُشْرُ فِي جَمِيعِ الْبُقُولِ وَالْخَضْرَوَاتِ كَالثِّمَارِ إِلَّا الْحَشِيشَ وَالْحَطَبِ، وَكُلُّ ثَمَرَةٍ أَوْجَبْنَا فِيهَا الزَّكَاةَ فَإِنَّمَا يَجِبُ بِبُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَوَقْتُ الْإِخْرَاجِ بَعْدَ الِاجْتِنَاءِ وَالْجَفَافِ، وَكُلُّ حَبٍّ أَوْجَبْنَا فِيهِ الْعُشْرَ فَوَقْتُ وُجُوبِهِ اشْتِدَادُ الْحَبِّ وَوَقْتُ الْإِخْرَاجِ بَعْدَ الدِّيَاسَةِ وَالتَّنْقِيَةِ، وَلَا يَجِبُ الْعُشْرُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ ¬جمع وسق: وهو ستون صاعا بصاع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.¥ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ مِنْهَا، وَاحْتَجَّ مَنْ شَرَطَ النِّصَابَ بِمَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ" ¬رواه مسلم: في الزكاة - برقم (979) 2/ 673. والمصنف: في شرح السنة: 5/ 499.¥.
وَرَوَى يَحْيَى بْنُ عُبَادَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَيْسَ فِي حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ" ¬رواه مسلم: في الزكاة - برقم (979) 2/ 674. والمصنف: في شرح السنة: 5/ 500.¥، وَقَالَ قَوْمٌ: الْآيَةَ فِي صَدَقَاتِ التَّطَوُّعِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أخبرنا أبو جفر الرَّيَانِيُّ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ طَيْرٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ" ¬رواه البخاري: في الحرث والمزارعة - باب فضل الزرع والغرس 5/ 3 بلفظ ما من مسلم - وفي الأدب أيضا. والمصنف: في شرح السنة: 6/ 149.¥.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَيَمَّمُوا} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ بِرِوَايَةِ الْبَزِّيِّ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ فِي الْوَصْلِ فِيهَا وَفِي أَخَوَاتِهَا وَهِيَ وَاحِدٌ وَثَلَاثُونَ مَوْضِعًا فِي الْقُرْآنِ، لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ تَاءَانِ أُسْقِطَتْ إِحْدَاهُمَا فَرَدَّ هُوَ السَّاقِطَةَ وَأَدْغَمَ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ وَمَعْنَاهُ لَا تَقْصِدُوا {الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ}
رُوِيَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَتِ الْأَنْصَارُ تُخْرِجُ إِذَا كَانَ جُذَاذُ النَّخْلِ أَقْنَاءً ¬جمع قنو: وهو عذق النخل.¥ مِنَ التَّمْرِ وَالْبُسْرِ فَيُعَلِّقُونَهُ عَلَى حَبْلٍ بَيْنَ الْأُسْطُوَانَتَيْنِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَأْكُلُ مِنْهُ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ، فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَعْمِدُ فَيُدْخِلُ قِنْوَ الْحَشَفِ ¬أردأ التمر.¥ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ جَائِزٌ عَنْهُ فِي كَثْرَةِ مَا يُوضَعُ مِنَ الْأَقْنَاءِ، فَنَزَلَ فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ} أَيِ الْحَشَفَ وَالرَّدِيءَ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: كَانُوا يَتَصَدَّقُونَ بِشَرَارِ ثِمَارِهِمْ وَرَذَالَةِ أَمْوَالِهِمْ وَيَعْزِلُونَ الْجَيِّدَ نَاحِيَةً لِأَنْفُسِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ} الرَّدِيءَ {مِنْهُ تُنْفِقُونَ} {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ} يَعْنِي الْخَبِيثَ {إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} الْإِغْمَاضُ غَضُّ الْبَصَرِ، وَأَرَادَ هَاهُنَا التَّجَوُّزَ وَالْمُسَاهَلَةَ، مَعْنَاهُ لَوْ كَانَ لِأَحَدِكُمْ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَجَاءَهُ بِهَذَا لَمْ يَأْخُذْهُ إِلَّا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ قَدْ أَغْمَضَ لَهُ عَنْ حَقِّهِ وَتَرَكَهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: لَوْ وَجَدْتُمُوهُ يُبَاعُ فِي السُّوقِ مَا أَخَذْتُمُوهُ بِسِعْرِ الْجَيِّدِ.
وَرُوِيَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: لَوْ أُهْدِيَ ذَلِكَ لَكُمْ مَا أَخَذْتُمُوهُ إِلَّا عَلَى اسْتِحْيَاءٍ مِنْ صَاحِبِهِ وَغَيْظٍ، فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ مَا لَا تَرْضَوْنَ لِأَنْفُسِكُمْ؟ هَذَا إِذَا كَانَ الْمَالُ كُلُّهُ جَيِّدًا فَلَيْسَ لَهُ إِعْطَاءُ الرَّدِيءِ، لِأَنَّ أَهْلَ السُّهْمَانِ شُرَكَاؤُهُ فِيمَا عِنْدَهُ، فَإِنْ كَانَ كُلُّ مَالِهِ رَدِيئًا فَلَا بَأْسَ بِإِعْطَاءِ الرَّدِيءِ، {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ} عَنْ صَدَقَاتِكُمْ {حَمِيدٌ} مَحْمُودٌ فِي أَفْعَالِهِ.