تفسير ابن كثير
{ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)}.
وقوله: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} أي: إن أظهرتموها فنعم شيء هي. وقوله: {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها، لأنه أبعد عن الرياء إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة" ¬أخرجه الترمذي من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا، قال: حسن غريب (السنن، فضائل القرآن ح 2919)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح 2331).¥، والأصل أن الإسرار أفضل لهذه الآية، ولما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظلَّ إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يرجع إليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" ¬صحيح البخاري، الآذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة (ح 660)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة (ح 1031).¥. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام بن حوشب، عن سليمان بن أبي سليمان، عن أنس بن مالك، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لما خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فألقاها عليها، فاستقرت، فتعجبت الملائكة من خلق الجبال، فقالت: يا ربِّ هل في خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم الحديد. قالت: يا ربِّ فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم النار، قالت: يا ربِّ فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال: نعم الماء. قالت: يا ربِّ فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال: نعم الريح؟ قالت: يا ربِّ فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟ قال: نعم ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها من شماله" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 3/ 124)، أخرجه الترمذي من طريق يزيد بن هارون به، ثم قال؛ هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (السنن، التفسير ح 3369).¥. وقد ذكرنا في فضل آية الكرسي عن أبي ذرّ، قال: قلت: يا رسول الله، [أي الصدقة أفضل] ¬ما بين قوسين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و (ح) و (حم) والتخريج.¥؟ قال: "سر إلى فقير أو جهد من مقلّ" رواه أحمد ¬المسند 5/ 178، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 2/ 282).¥، ورواه ابن أبي "حاتم من طريق علي بن يزيد، عن القاسم، عن أُبي أمامة، عن أبي ذرّ ... فذكره وزاد: ثم نزع في هذه الآية {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ... } الآية ¬في سنده علي بن يزيد الألباني صاحب القاسم: وهو ضعيف (التقريب ص 406).¥. وفي الحديث المروي: "صدقة السر تطفئ غضب الربِّ - عز وجل - " ¬أخرجه الطبراني من طريق علي بن يزيد به (المعجم الكبير 8/ 269)، وسنده كسابقه.¥. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن زياد المحاربي مؤدب محارب، أنا موسى بن عمير، عن عامر الشعبي في قوله: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} قال: أنزلت في أبي بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما -، أما عمر فجاء بنصف ماله حتى دفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر؟ " قال: خلفت لهم نصف مالي، وأما أبو بكر فجاء بماله كله يكاد أن يخفيه من نفسه، حتى دفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما خلفت وراءك لأهلك يا أبا بكر؟ " فقال: عدة الله وعدة رسوله، فبكى عمر - رضي الله عنه - وقال: بأبي أنت وأُمي يا أبا بكر، والله ما استبقنا إلى باب خير قط إلا كنتَ سابقًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه موسى بن عمير القرشي، وهو متروك كما في التقريب، فالإسناد ضعيف جدًّا.¥. وهذا الحديث روي من وجه آخر عن عمر - رضي الله عنه -، وإنما أوردناه ههنا لقول الشعبي: إن الآية نزلت في ذلك، ثم إن الآية عامة في أن إخفاء الصدقة أفضل، سواء كانت مفروضة أو مندوبة، لكن روى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسيره هذه الآية، قال: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها، فقال: بسبعين ضعفًا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها، فقال: بخمسة وعشرين ضعفًا ¬أخرجه الطبري بسنده الثابت عنه بلفظه.¥. وقوله: {وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ} أي: بدل الصدقات ولا سيما إذا كانت سرًا، يحصل لكم الخير في رفع الدرجات ويكفر عنكم السيئات وقد قرئ: {وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ} بالضم، وقرئ: ويكفرْ بالجزم عطفًا على محل جواب الشرط وهو قوله: {فَنِعِمَّا هِيَ} كقوله: {فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ} [المنافقون: 10]، {وَأَكُنْ}. وقوله: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي: لا يخفى عليه من ذلك شيء وسيجزيكم عليه.