تفسير هذه الآية

السورة 2 : الآية 49

السورة 2 : الآية 49

وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ

تفسير البغوي (معالم التنزيل)

{وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)} {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ} يَعْنِي: أَسْلَافَكُمْ وَأَجْدَادَكُمْ فَاعْتَدَّهَا مِنَّةً عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ نَجَوْا بِنَجَاتِهِمْ {مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} أَتْبَاعِهِ وَأَهْلِ دِينِهِ، وَفِرْعَوْنُ هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ الرَّيَّانِ وَكَانَ مِنَ الْقِبْطِ الْعَمَالِيقِ وَعُمِّرَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ {يَسُومُونَكُمْ} يُكَلِّفُونَكُمْ وَيُذِيقُونَكُمْ، {سُوءَ الْعَذَابِ} أَشَدَّ الْعَذَابِ وَأَسْوَأَهُ وَقِيلَ: يَصْرِفُونَكُمْ فِي الْعَذَابِ مَرَّةً هَكَذَا وَمَرَّةً هَكَذَا كَالْإِبِلِ السَّائِمَةِ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ فِرْعَوْنَ جَعْلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَدَمًا وَخَوَلًا ¬هم حشم الرجل وأتباعه، واحدهم خائل: وهو مأخوذ من التخويل: التمليك، وقيل من الرعاية.¥ وَصَنَّفَهُمْ فِي الْأَعْمَالِ فَصِنْفٌ يَبْنُونَ، وَصِنْفٌ يَحْرُثُونَ وَيَزْرَعُونَ، وَصِنْفٌ يَخْدِمُونَهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ فِي عَمَلٍ وَضَعَ عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ. وَقَالَ وَهْبٌ: كَانُوا أَصْنَافًا فِي أَعْمَالِ فِرْعَوْنَ، فَذَوُو الْقُوَّةِ يَنْحِتُونَ السَّوَارِيَ ¬الاسطوانات.¥ مِنَ الْجِبَالِ حَتَّى قُرِحَتْ ¬جرحت.¥ أَعْنَاقُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَدَبِرَتْ ¬دبرت ظهورهم، مأخوذ من دبرت الدابة: قرحت ظهرها.¥ ظُهُورُهُمْ مِنْ قَطْعِهَا وَنَقْلِهَا، وَطَائِفَةٌ يَنْقُلُونَ الْحِجَارَةَ، وَطَائِفَةٌ يَبْنُونَ لَهُ الْقُصُورَ، وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَضْرِبُونَ اللَّبِنَ وَيَطْبُخُونَ الْآجُرَّ، وَطَائِفَةٌ نَجَّارُونَ وَحَدَّادُونَ، وَالضَّعَفَةُ مِنْهُمْ يَضْرِبُ عَلَيْهِمُ الْخَرَاجَ ضَرِيبَةً يُؤَدُّونَهَا كُلَّ يَوْمٍ، فَمَنْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ ضَرِيبَتَهُ غُلَّتْ يَمِينُهُ إِلَى عُنُقِهِ شَهْرًا، وَالنِّسَاءُ يَغْزِلْنَ الْكَتَّانَ وَيَنْسِجْنَ، وقيل: تفسيره ذكرما بَعْدَهُ: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} مَذْكُورٌ عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ -يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} يَتْرُكُونَهُنَّ أَحْيَاءً، وَذَلِكَ أَنَّ فِرْعَوْنَ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ نَارًا أَقْبَلَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَحَاطَتْ بِمِصْرَ وَأَحْرَقَتْ كُلَّ قِبْطِيٍّ فِيهَا وَلَمْ تَتَعَرَّضْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَهَالَهُ ذَلِكَ وَسَأَلَ الْكَهَنَةَ عَنْ رُؤْيَاهُ؟ فَقَالُوا: يُولَدُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ غُلَامٌ يَكُونُ عَلَى يَدِهِ هَلَاكُكَ وَزَوَالُ مُلْكِكَ، فَأَمَرَ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِ كُلِّ غُلَامٍ يُولَدُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَجَمَعَ الْقَوَابِلَ فَقَالَ لَهُنَّ: لَا يُسْقَطَنَّ عَلَى أَيْدِيكُنَّ غُلَامٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا قُتِلَ وَلَا جَارِيَةٌ إِلَّا تُرِكَتْ، وَوَكَّلَ بِالْقَوَابِلِ، فَكُنَّ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ قَتَلَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ صَبِيٍّ فِي طَلَبِ مُوسَى. وَقَالَ وَهْبٌ: بَلَغَنِي أَنَّهُ ذَبَحَ فِي طَلَبِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ تِسْعِينَ أَلْفَ وَلِيدٍ. قَالُوا: وَأَسْرَعَ الْمَوْتُ فِي =مَشْيَخَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَدَخْلَ رُءُوسُ الْقِبْطِ عَلَى فِرْعَوْنَ وَقَالُوا: إِنَّ الْمَوْتَ قَدْ وَقَعَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَفَتَذْبَحُ صِغَارَهُمْ وَيَمُوتُ كِبَارُهُمْ فَيُوشِكُ أَنْ يَقَعَ الْعَمَلُ عَلَيْنَا؟ فَأَمَرَ فِرْعَوْنُ أَنْ يَذْبَحُوا سَنَةً وَيَتْرُكُوا سَنَةً، فَوُلِدَ هَارُونُ فِي السَّنَةِ الَّتِي لَا يَذْبَحُونَ فِيهَا، وَمُوسَى فِي السَّنَةِ الَّتِي يَذْبَحُونَ فِيهَا. {وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} قِيلَ: الْبَلَاءُ الْمِحْنَةُ، أَيْ فِي سَوْمِهِمْ إِيَّاكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ مِحْنَةٌ عَظِيمَةٌ، وَقِيلَ: الْبَلَاءُ النِّعْمَةُ أَيْ فِي إِنْجَائِي إِيَّاكُمْ مِنْهُمْ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، فَالْبَلَاءُ يَكُونُ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ وَبِمَعْنَى الشِّدَّةِ، فَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ يَخْتَبِرُ عَلَى النِّعْمَةِ بِالشُّكْرِ، وَعَلَى الشِّدَّةِ بِالصَّبْرِ وَقَالَ: اللَّهُ تَعَالَى "وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً" (35 - الْأَنْبِيَاءِ).
تفاسير بلغات أخرى · 6