تفسير ابن كثير
{وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)}.
يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصعق؛ إذ سألتم رؤيتي جهرةً عيانًا مما لا يستطاع لكم، ولا لأمثالكم. كما قال ابن جريج ¬أخرجه ابن جرير (947) وسنده ضعيف لإعضاله.¥: قال ابن عباس في هذه الآية: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} قال: علانيةً.
وكذا قال إبراهيم ¬أخرجه ابن أبي حاتم (538) وفي سنده ضعف.¥ بن طهمان، عن عباد بن إسحاق، عن أبي الحويرث، عن ابن عباس - أنه قال في قول الله تعالى: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} أي: علانيةً؛ أي: حتى نرى الله.
وقال قتادة ¬أخرجه ابن جرير (950) بسند صحيح، وهو عند ابن أبي حاتم (539) بسند فيه سعيد بن بشير. وهو ضعيف في قتادة، ولكنه متابع.¥، والربيع بن أنس: {حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} أي: عيانًا.
وقال أبو جعفر ¬أخرجه ابن جرير (452)؛ وابن أبي حاتم (543). [وسنده جيد].¥: عن الربيع بن أنس: هم السبعون الذين اختارهم موسى، فساروا معه؛ قال: فسمعوا كلامًا، فقالوا: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} قال: فسمعوا صوتًا فصعقوا، يقول: ماتوا.
وقال مروان ¬أخرجه ابن أبي حاتم (545) من طريق ابن محيصن، عن أبيه قال: رأيت مروان بن الحكم على منبر مكة ... فذكره. وابن محيصن هو عمر بن عبد الرحمن، كذا سماه في "تهذيب الكمال" (21/ 429) وقال البخاري: ومنهم من قال: محمد بن عبد الرحمن. وبه ترجمه الذهبي في "معرفة القراء الكبار" (1/ 98) وهو ثقة احتج به مسلم ولكني لم أجد لأبيه ترجمة. فالله أعلم.¥ بن الحكم فيما خطب به على منبر مكة: الصاعقة صيحة من السماء.
وقال السدي ¬أخرجه ابن جرير (953)؛ وابن أبي حاتم (544). [وسنده حسن].¥ في قوله: {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ} الصاعقة: نار.
وقال عروة ¬أخرجه ابن أبي حاتم (540، 546) بسند جيد.¥ بن رويم في قوله: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} قال: صعق بعضهم، وبعض ينظرون؛ ثم بُعث هؤلاء، وصُعق هؤلاء.
وقال السدي ¬أخرجه ابن جرير (958)؛ وابن أبي حاتم (549) وسياق الطبري أطول. [وسنده حسن].¥: {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ} فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رب، ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم، وقد أهلكت خيارهم؟ {لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَافَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف: 155] فأوحى الله إلى موسى: إن هؤلاء السبعين ممن (اتخذ) ¬في (ز) و (ن): "اتخذوا"؛ وفي (ك): "اتخذتهم"!¥ العجل؛ ثم إن الله أحياهم، فقاموا (وعاش) ¬في (ز) و (ض) و (ن) و (هـ): "عاشوا".¥ رجل رجل، ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون؟ قال: فذلك قوله (تعالى) ¬من (ز) و (ن).¥: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)}.
وقال الربيع ¬أخرجه ابن جرير (961) بسياق أطول؛ وابن أبي حاتم (548). [وسنده جيد].¥ بن أنس: كان موتهم عقوبةً لهم، فبعثوا من بعد الموت، ليستوفوا آجالهم. وكذا قال قتادة ¬أخرجه ابن جرير (960)؛ وابن أبي حاتم (547). [وسنده صحيح].¥.
وقال ابن ¬في "تفسيره" (957) وسنده ضعيف.¥ جرير: حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق؛ قال: لما رجع موسى إلى قومه، فرأى ما هم عليه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحرق العجل وذراه في اليم، اختار موسى منهم سبعين رجلًا الخير فالخير، وقال: انطلقوا إلى الله، وتوبوا إلى الله مما صنعتم، (وسلوه) ¬في (ن): "واسألوه".¥ التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا، وطهروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقَّته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم؛ فقال له السبعون - فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمروا به، وخرجوا للقاء الله - قالوا: يا موسى، اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا. فقال: أفعل.
فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل - كله، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا، وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه؛ فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودًا، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل، ولا تفعل، فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم، فقالوا لموسى: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} فأخذتهم الرجفة، وهي: الصاعقة، فماتوا جميعًا.
وقام موسى يناشد ربه، ويدعوه، ويرغب إليه، ويقول: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ} [الأعراف: 155] قد سفهوا؛ أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما يفعل السفهاء منا؟ أي: إن هذا لهم هلاك، واخترت منهم سبعين رجلًا الخير فالخير، أرجع إليهم؛ وليس معي منهم رجل واحد؟ فما الذي يصدقوني به، ويأمنوني عليه بعد هذا؟ {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: 156] فلم يزل موسى يناشد ربه - عز وجل -، ويطلب إليه حتى رد إليهم أرواحهم، ¬ساقط من (ج).¥ [(فطلب) ¬كذا في (ك) و (ل) و (هـ) و (ى) وهو الموافق لما في "تفسير الطبري"؛ وفي (ز) و (ن): "وطلب".¥ إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل؛ فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم] (8).
(هذا سياق محمد بن إسحاق) ¬ساقط من (ك).¥.
(وقال) ¬بياض في "ض".¥ (إسماعيل بن عبد الرحمن) ¬ساقط من (ك).¥ السدي (الكبير) ¬ساقط من (ك).¥: لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل، وتاب الله عليهم بقتل بعضهم لبعض، كما أمرهم الله به، أمر الله موسى أن يأتيه في كل أُناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل؛ (ووعدهم) ¬كذا في (ج) و (ض) و (هـ) و (ى). وفي (ن): "وواعدهم"؛ وفي (ل): "وعدهم".¥ موسى؛ فاختار موسى (قومه) ¬ساقط من (ن).¥ سبعين رجلًا على عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا .. وساق البقية.
[وهذا السياق يقتضي أن الخطاب توجه إلى بني إسرائيل في قوله: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} والمراد: السبعون المختارون منهم، ولم يحك كثير من المفسرين سواه] ¬ساقط من (ز) و (ض).¥.
[وقد أغرب (فخر الدين) ¬ساقط من (ن) و (هـ).¥ الرازي في "تفسيره" حين حكى في قصة هؤلاء السبعين أنهم بعد إحيائهم قالوا: يا موسى؛ إنك لا تطلب من الله شيئًا إلا أعطاك، فادعه أن يجعلنا أنبياء، فدعا بذلك، فأجاب الله (عز وجل) ¬من (ج).¥ دعوته.
وهذا غريب جدًّا؛ إذ لا يعرف في زمان موسى نبي سوى هارون، ثم يوشع بن نون.
وقد غلط أهل الكتاب أيضًا في دعواهم أن هؤلاء رأوا الله - عز وجل -؛ فإن موسى الكليم (عليه السلام) ¬من (ن).¥ قد سأل ذلك، فمنع منه، فكيف يناله هؤلاء السبعون؟
القول الثاني في الآية] ¬ساقط من (ز) و (ض).¥: قال عبد الرحمن ¬أخرجه ابن جرير (959).¥ بن زيد بن أسلم في تفسير هذه الآية: قال لهم موسى لما رجع من عند ربه بالألواح قد كُتب فيها التوراة، فوجدهم يعبدون العجل، فأمرهم بقتل أنفسهم، ففعلوا؛ فتاب الله عليهم؛ فقال: إن هذه الألواح فيها كتاب الله فيه أمركم الذي أمركم به، ونهيكم الذي نهاكم عنه؛ فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا، والله حتى نرى الله جهرةً حتى يطلع الله علينا فيقول: هذا كتابي فخذوه؛ فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى؟ وقرأ قول الله: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} قال: فجاءت غضبة من الله؛ فجاءتهم صاعقة بعد التوبة، فصعقتهم فماتوا أجمعون.
قال: ثم أحياهم الله من بعد موتهم، وقرأ قول الله: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)} فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله؛ فقالوا: لا. فقال: أي شيء أصابكم؟ فقالوا: أصابنا أنا متنا ثم أحيينا، قال: خذوا كتاب الله. قالوا: لا. فبعث الله ملائكةً فنتقت الجبل فوقهم.
[وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعد ما أحيوا.
وقد حكى الماوردي ¬لم أجد قوله هذا في "تفسيره" (1/ 123) عند تفسير هذه الآية، فلعله ذكره في موضع آخر أو في كتاب آخر. وقوله هذا نقله القرطبي في "تفسيره" عنه.¥ في ذلك قولين:
أحدهما: أنه سقط التكليف عنهم لمعاينتهم الأمر جهرةً حتى صاروا مضطرين إلى التصديق] ¬ساقط من (ز) و (ض).¥.
[والثاني: أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف. قال القرطبي ¬في "تفسيره" (1/ 405).¥: وهذا هو الصحيح؛ لأن معاينتهم للأمور (القطعية) ¬في (ل) و (هـ) و (ن): "الفظيعة".¥ لا تمنع تكليفهم؛ لأن بني إسرائيل قد شاهدوا أمورًا عظامًا من خوارق العادات، وهم في ذلك مكلفون. وهذا واضح ¬في حاشية (ج): "أخر الجزء الخامس من أجزاء المؤلف".¥. والله أعلم] ¬ساقط من (ز) و (ض).¥.