تفسير ابن كثير
{فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)}.
{فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} هذا البعض أي شيء كان من أعضاء هذه البقرة فالمعجزة حاصلة به، وخرق العادة به كائن؛ وقد كان معينًا في نفس الأمر؛ فلو كان في تعيينه لنا فائدة تعود لنا في أمر الدين أو الدنيا لبينه الله تعالى لنا، ولكنه أبهمه، ولم يجئ من طريق صحيح عن معصوم بيانه؛ فنحن نبهمه كما أبهمه الله.
ولهذا قال ابن أبي حاتم ¬في "تفسيره" (755) وسنده جيد.¥: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا (عفان) ¬في (ز) و (ض): "عثمان"! وهو خطأ.¥ بن مسلم، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: إن أصحاب بقرة بني إسرائيل طلبوها أربعين سنةً حتى وجدوها عند رجل في بقر له، وكانت بقرة تعجبه؛ قال: فجعلوا يعطونه بها فيأبى حتى أعطوه ملء مسكها دنانير، فذبحوها فضربوه - يعني: القتيل - بعضو منها، فقام تشخب أوداجه دمًا، فقالوا له: من قتلك؟ قال: قتلني فلان.
وكذا قال الحسن ¬[أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق عباد بن منصور عن الحسن].¥، وعبد الرحمن ¬أخرجه ابن جرير (1313) وسنده صحيح.¥ بن زيد بن أسلم: إنه ضُرب ببعضها.
وفي رواية عن ابن عباس ¬أخرجه ابن أبي حاتم (756) وفي سنده قيس بن الربيع فيه مقال.
وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (1/ 79) إلى "وكيع، وابن المنذر وعبد بن حميد والفريابي".¥: أنه ضُرب بالعظم الذي يلي الغضروف.
وقال عبد ¬في "تفسيره" (1/ 49) ومن طريقه ابن جرير (1309) وسنده صحيح.¥ الرزاق: (أنبأنا) ¬في (ج): "أخبرنا".¥ معمر؛ قال: قال أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة: ضربوا القتيل ببعض لحمها.
قال معمر: قال قتادة: ضربوه بلحم فخذها، فعاش، فقال: قتلني فلان.
وقال [وكيع بن الجراح في "تفسيره":] ¬كذا في (ز) و (ض) و (ع) و (ن) و (ى)؛ وفي (ج) و (ك) و (ل): "أبو أسامة". وقد عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (1/ 79) إلى وكيع في "تفسيره" والنضر بن عربي من شيوخه [وسنده حسن]؛ وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (757) من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة عن النضر بن عربي. وأخرجه ابن جرير (1307) من طريق جابر بن نوح عن النضر بن عربي.¥ حدثنا النضر بن عربي، عن عكرمة: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} فضرب بفخذها فقام، فقال: قتلني فلان.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد ¬أخرجه ابن جرير (1305، 1306) من طريقين عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. [وسنده صحيح].¥، وقتادة ¬أخرجه ابن جرير (1310) بسند صحيح.¥ وعكرمة، نحو ذلك.
وقال السدي ¬أخرجه ابن جرير (1311). [وسنده حسن].¥: فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين، فعاش؛ فسألوه فقال: قتلني ابن أخي.
وقال أبو العالية ¬أخرجه ابن جرير (1312). [وسنده جيد].¥: أمرهم موسى عَلَيْهِ السَّلام أن يأخذوا عظمًا من عظامها فيضربوا (به) ¬من (ز) و (ن).¥ القتيل، ففعلوا؛ فرجع إليه روحه؛ فسمى لهم قاتله، ثم عاد ميتًا كما كان.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: فضربوه ببعض آرابها ¬[أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد].¥. [وقيل بلسانها. وقيل بعجب ذنبها] ¬ساقط من (ز) و (ض).¥.
وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى} أي: فضربوه فحَيِيَ؛ ونبَّه تعالى على قدرته وإحيائه الموتى بما شاهدوه من أمر القتيل؛ جعل تبارك وتعالى ذلك الصنيع حجةً لهم على المعاد، وفاصلًا ما كان بينهم من الخصومة (والعناد) ¬في (ز) و (ض): "الفساد".¥.
والله تعالى (قد) ¬ساقط من (ج).¥ ذكر في هذه السورة (ما) ¬في (ن): "مما".¥ خلقه من إحياء الموتى في خمسة مواضع: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} [البقرة: 56] وهذه القصة، وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت. وقصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها - وقصة إبراهيم (عَلَيْهِ السَّلام) ¬من (ن).¥ والطيور الأربعة.
(وينبه) ¬في (ز) و (ن): "نبه"؛ وفي (ك): "وبينه".¥ تعالى بإحياء الأرض بعد موتها على إعادة الأجسام بعد صيرورتها رميمًا؛ كما قال أبو داود الطيالسي ¬في "مسنده" (1089) ومن طريقه البيهقي في "الأسماء والصفات" (2/ 274)؛ وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (639)؛ والطبراني في "الكبير" (ج 19/ رقم 470)؛ وأحمد في "المسند" (4/ 11، 12) من طريق محمد بن جعفر غندر، زاد أحمد: وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: ثنا شعبة بإسناده سواء؛ وأخرجه أحمد (4/ 11) من طريق حماد بن سلمة أنا يعلى بن عطاء به وزاد البيهقي: "وذلك آيته في خلقه". وهو حديث طويل عند أبي داود وابن ماجه بعضه. وسنده ضعيف، ووكيع بن حدس، بالحاء المهملة، ويقال: عدس، بالعين المهملة، وصوب الإمام أحمد في "المسند" (4/ 11) أنه بالحاء المهملة. وكذلك ترجمة الطبراني في "الكبير" (19/ 204) قال: ويقال: عدس. ووكيع هذا قال الذهبي: "لا يعرف".¥: حدثنا شعبة، أخبرني يعلى بن عطاء؛ قال: سمعت وكيع بن عبدس يحدث عن أبي رزين العقيلي - رضي الله عنه -؛ قال: قلت: يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ قال: "أما مررت بواد ممحل، ثم مررت به خضرًا"؟ قال: بلى. قال: "كذلك النشور". أو قال: {كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى}.
وشاهد هذا قوله تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35)} [يس: 33 - 35].
***
[(مسألة):
استدل لمذهب الإمام مالك في كون قول الجريح: فلان قتلني لوثًا ¬اللوث: أن يشهد شاهد واحد على إقرار المقتول قبل أن يموت أن فلانًا قتلني أو يشهد شاهدان على عداوة بينهما، أو تهديد منه له، أو نحوه.¥ بهذه القصة؛ لأن القتيل لما حيي سئل عمن قتله، فقال: فلان قتلني؛ فكان ذلك مقبولًا منه؛ لأنه لا يخبر حينئذٍ إلا بالحق، ولا يتهم والحالة هذه. ورجحوا ذلك؛ لحديث ¬أخرجه البخاري (5/ 71، 371 و 12/ 198، 213، 214)؛ ومسلم (1672/ 17)؛ وأبو داود (4527)؛ والنسائي (8/ 22)؛ والترمذي (1394)؛ وابن ماجه (2665)؛ والدارمي (2/ 110)؛ والطيالسي (1986)؛ وأحمد (3/ 183، 193، 262، 269)؛ وابن الجارود (837، 838)؛ وابن أبي عاصم في "الديات" (ص 175)؛ والطحاوي في "شرح المعاني" (3/ 179)؛ والبيهقي (8/ 28) من طرق عن قتادة، عن أنس.
وقال الترمذي: "حسن صحيح" وله طريقان آخران عن أنس.¥ أنس أن يهوديًا قتل جاريةً على أوضاح ¬الأوضاح: حلي من قطع الفضة.¥ لها، فرضخ رأسها بين حجرين؛ فقيل: من فعل بك هذا، أفلان؟ أفلان؟ حتى ذكروا اليهودي؛ فأومأت برأسها؛ فأخذ] ¬ساقط من (ز) و (ض).¥ [اليهودي، فلم يزل به حتى اعترف؛ فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرض رأسه بين حجرين.
وعند مالك إذا كان لوثًا حلف أولياء القتيل قسامةً، وخالف الجمهور في ذلك ولم يجعلوا قول القتيل في ذلك لوثًا] ¬ساقط من (ز) و (ض).¥.