تفسير ابن كثير
{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76)}.
{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا [وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ] ¬من (ن).¥ ... } الآية.
قال محمد بن ¬أخرجه ابن جرير (1337، 1340). [وسنده حسن].¥ إسحاق: حدثنا محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا} أي: (بصاحبكم) ¬في (ن): "إن صاحبكم".¥ رسول الله ولكنه إليكم خاصةً؛ وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: لا تحدثوا العرب بهذا؛ فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم؛ فكان منهم؛ فأنزل الله: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} أي: تقرون بأنه نبي؛ وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي (كنا ننتظر) ¬في (ج) و (ل): "كان ينتظر".¥، ونجد في كتابنا، اجحدوه ولا تقروا به؛ يقول الله تعالى: {أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)}.
وقال الضحاك ¬أخرجه ابن جرير (1336) بسند ضعيف.¥، عن ابن عباس: يعني: المنافقين من اليهود؛ كانوا إذا لقوا أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - قالوا: آمنا.
وقال السدي ¬أخرجه ابن جرير (1338)؛ وابن أبي حاتم (784) بسند حسن.¥: هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا؛ وكذا قال الربيع ¬أخرجه ابن أبي حاتم (783). [وسنده جيد].¥ بن أنس، وقتادة ¬أخرجه عبد بن حميد، كما في "الدر المنثور" (1/ 81).¥، وغير واحد من السلف والخلف، حتى قال عبد الرحمن ¬أخرجه ابن جرير (1349) وسنده ضعيف جدًّا، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم تالف، ثم هو معضل.¥ بن زيد بن أسلم فيما رواه ابن وهب عنه: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قال: "لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن "؛ فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق: اذهبوا فقولوا: آمنا، واكفروا إذا رجعتم إلينا؛ فكانوا يأتون المدينة بالبُكر، ويرجعون إليهم بعد العصر. وقرأ قول الله تعالى: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72)} [آل عمران: 72] وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة: نحن مسلمون، ليعلموا خبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمره؛ فإذا رجعوا رجعوا إلى الكفر؛ فلما أخبر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - قطع ذلك عنهم، فلم يكونوا يدخلون؛ وكان المؤمنون يظنون أنهم مؤمنون، فيقولون: أليس قد قال الله لكم كذا وكذا؟ فيقولون: بلى؛ فإذا رجعوا إلى قومهم (يعني: الرؤساء) ¬ساقط من (ز) و (ض).¥؛ فقالوا: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ... } الآية.
وقال أبو العالية ¬أخرجه ابن جرير (1341)؛ وابن أبي حاتم (786). [وسنده جيد].¥: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} يعني: بما أنزل عليكم في كتابكم من نعت محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وقال عبد الرزاق ¬في "تفسيره" (1/ 50) ومن طريقه ابن جرير (1343) قال: أخبرنا معمر، عن قتادة؛ وأخرجه ابن جرير (1342) من طريق يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. وكلاهما صحيح.¥، عن معمر، عن قتادة: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} قال: كانوا يقولون: سيكون نبي. فخلا بعضهم ببعض، فقالوا: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ}.
قول آخر في المراد بالفتح: قال ابن جريج ¬أخرجه ابن جرير (1347) وهو مرسل صحيح الإسناد.
وأخرجه مجاهد في "تفسيره" (ص 207) ومن طريقه ابن جرير (1345، 1346)؛ وابن أبي حاتم (787) من طرق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله.¥: حدثني القاسم بن أبي (بزة) ¬في (ن): "برزة"! وهو خطأ.¥، عن مجاهد في قوله تعالى: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} قال: قام النبي - صلى الله عليه وسلم - قريظة تحت حصونهم؛ فقال: يا إخوان القردة والخنازير، ويا عبدة الطاغوت فقالوا: من أخبر بهذا الأمر محمدًا؟ ما خرج هذا (الأمر) ¬في (ز) و (ن): "القول" ولا توجد هذه الكلمة في "تفسير الطبري".¥ إلا منكم؛ {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} بما حكم الله للفتح؛ ليكون لهم حجةً عليكم.
قال ابن جريج، عن مجاهد: هذا حين أرسل إليهم عليًا، فآذوا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ¬[أخرجه الطبري وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من مجاهد].¥.
وقال السدي ¬أخرجه ابن جرير (1348)؛ وابن أبي حاتم (788) وسنده حسن.¥: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} من العذاب {لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} هؤلاء ناس من اليهود آمنوا، ثم نافقوا؛ فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به؛ فقال بعضهم لبعض: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} من العذاب، ليقولوا: نحن أحب إلى الله منكم، وأكرم على الله منكم.
وقال عطاء الخراساني ¬أخرجه ابن أبي حاتم (789) وسنده ضعيف.¥: {أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} يعني: بما قضى لكم وعليكم.
وقال الحسن البصري ¬أخرجه ابن أبي حاتم (790) وسنده ضعيف.¥: هؤلاء اليهود كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قال بعضهم: لا تحدثوا أصحاب محمد بما فتح الله عليكم، مما في كتابكم ليحاجوكم به عند ربكم فيخصموكم.