تفسير ابن كثير
{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)}.
قال السدي ¬أخرجه ابن أبي حاتم (97) عن السدي، عن أبي مالك قوله. وسنده حسن.¥: {خَتَمَ اللَّهُ} أي: طبع الله. وقال قتادة في هذا الآية: استحوذ عليهم الشيطان؛ إذ أطاعوه، فختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة؛ فهم لا يبصرون هدًى، ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون ¬[أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة].¥.
وقال ابن جريج ¬أخرجه ابن جرير (302)؛ وابن أبي حاتم (99) من طريق حجاج بن محمد، ثنا ابن جريج، عن مجاهد. وابن جريج مدلسٌ، ولم يسمع من مجاهد إلا حرفًا واحدًا.¥: قال مجاهد: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} قال (الطبع) ¬ساقط من (ز).¥ ثبتت الذنوب على القلب، فحفت به من كل نواحيه حتَّى تلتقى عليه، فالتقاؤها عليه: الطبع. والطبع: الختم.
قال ابن جريج ¬أخرجه ابن جرير (302 - 306).¥: الختم على القلب والسمع.
قال ابن جريج ¬أخرجه ابن جرير (303) وسندهُ قويٌّ.¥: وحدثني عبد الله بن كثير: أنه سمع مجاهدًا يقول: الران أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشد (من) ¬من (ن).¥ ذلك كله.
وقال الأعمش ¬أخرجه ابن جرير (300) من طريق يحيى بن عيسى، عن الأعمش. وسنده حسن.¥: أرانا مجاهد بيده؛ فقال: كانوا يرون أن القلب في مثل هذه - يعني: الكف، فإذا أذنب العبد ذنبًا ضم منه، وقال بإصبعه الخنصر هكذا، فماذا أذنب ضم، وقال بإصبع أخرى، فإذا أذنب ضم، وقال بإصبع أخرى هكذا، حتَّى ضم أصابعه كلها، قال: ثم يطبع عليه بطابع.
وقال مجاهد: كانوا يرون أن ذلك الرين. ورواه ابن جرير ¬في "تفسيره" (301).¥، عن أبي كريب، عن وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، بنحوه.
قال ابن جرير ¬في "تفسيره" (1/ 260).¥: وقال بعضهم: إنما معنى قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} إخبار من الله عن تكبرهم، وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا إليه من الحق؛ كما يقال: إن فلانًا (لأصم) ¬كذا في (ج) و (ز) و (ع) و (ل) و (هـ) و (ي) وهو الموافق لما في "تفسير الطبري"؛ وفي (ن): "أصم"؛ وفي (ك): "لأهتم"!!¥ عن هذا الكلام، إذا امتنع من سماعه، ورفع نفسه عن تفهمه تكبرًا؛ قال: وهذا يصح؛ لأن الله (تعالى) ¬من (ن).¥ قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم وأسماعهم.
[قلت: وقد أطنب الزمخشري ¬في "الكشاف" (1/ 21).¥ في تقرير ما رده ابن جرير هاهنا، وتأول الآية من خمسة أوجه؛ وكلها ضعيفة جدًّا، وما (حداه) ¬كذا في (ج) و (ع) و (ك) و (ل) و (هـ) و (ي)؛ وفي (ن): "جرأه".¥ على ذلك إلا اعتزاله؛ لأن الختم على قلوبهم ومنعها عن وصول الحق إليها قبيح عنده، يتعالى الله عنه في اعتقاده؛ ولو فهم قوله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] وقوله: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110)} [الأنعام: 110] وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى إنما ختم على قلوبهم، وحال بينهم وبين الهدى جزاءً وفاقًا على تماديهم في الباطل، وتركهم الحق؛ وهذا عدل منه تعالى حسن، وليس بقبيح، فلو أحاط علمًا بهذا لما قال ما قال واللّه أعلم.
قال القرطبي ¬في "تفسيره" (1/ 187).¥: وأجمعت الأمة على أن الله (تعالى) ¬كذا في (ك) وهو الموافق لما في "القرطبي"، ووقع في (ن): " - عَزَّ وَجَلَّ - " ولم يذكر لا هذا ولا ذاك في (ج) و (ع) و (ل) و (هـ) و (ي).¥ قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاةً لكفرهم، كما] ¬ساقط من (ز).¥ [قال: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء: 155] وذكر حديث تقليب القلوب ¬يعني حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا: "مثل القلب مثل ريشة، تقلبها الرياح بفلاة". أخرجه ابن ماجة (88)؛ وابن أبي عاصم في "السنة" (228) من طريق يزيد الرقاشي، عن غنيم بن قيس، عن أبي موسى.
ويزيد الرقاشي واه، وخالفه سعيد الجريري، فرواه عن غنيم بن قيس قال: قال أبو موسى فذكره موقوفًا.
أخرجه أحمد في "الزهد" (ص 199) قال: حَدَّثَنَا إسماعيل، عن الجريري. وهذا سند جيد، وإسماعيل بن علية سمع من الجريري قبل الاختلاط، وخالفه يزيد بن هارون فرواه عن الجريري به مرفوعًا. أخرجه أحمد (4/ 419)؛ وابن أبي عاصم (227) ورواية إسماعيل أصح ويزيد سمع من الجريري في الاختلاط، ومما يؤيد رواية الْوَقْف أن علي بن مسهر رواه عن عاصم الأحول، عن أبي كبشة السدوسي، عن أبي موسى قال: "إنما سمى القلب لتقلبه ... إلخ". أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (1/ 263) وتوبع علي بن مسهر. تابعه عبد الله بن المبارك في "الزهد" (358)، وعزاه السيوطي في "الجامع الصغير" للطبراني في "الكبير" وصححه قال الشارح المناوي في "فيض القدير" (3/ 2): "قال العراقي: إسناده حسن".¥، و"يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك" ¬أخرجه النسائي في "النعوت" (4/ 414 - الكبرى)؛ وابن ماجة (199)؛ وأحمد (4/ 182)؛ وابن أبي عاصم في "السنة" (219 - 230)؛ وابن حبان (2419 - موارد)؛ والحاكم (2/ 289 و 4/ 321)؛ والطبراني في "الدعاء" (1262)؛ والآجري في "الشريعة" (ص 317) من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، سمعت بسر بن عبيد الله، قال: سمعت أبا إدريس الخولاني يقول: حدثني النواس بن سمعان مرفوعًا: "ما من قلب إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه" وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك" قال: "والميزان بيد الرحمن يرفع أقوامًا ويخفض آخرين إلى يوم القيامة".
قال البوصيري في "الزوائد" (87/ 1): "هذا إسناد صحيح" ونقل المناوي في "فيض القدير" (5/ 493) عن العراقي أنه قال: "إسناده جيد" وللحديث شواهد عن جماعة من الصحابة يأتي تخريجها إن شاء الله تعالى في تفسير سورة الأنفال الآية [24].¥] ¬ساقط من (ز).¥.
[وذكر حديث حذيفة الذي في "الصحيح" ¬يعني: "صحيح مسلم" وهو في "كتاب الإيمان" (144/ 231).¥ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ قال: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا؛ فأي قلب أُشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتَّى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مرباد كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا ... " الحديث] ¬ساقط من (ز).¥.
قال (ابن جرير) ¬أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (304)؛ وأخرجه الترمذي (3334)؛ والنسائي في "التفسير" (678)، وفي "اليوم والليلة" (418)؛ وابن ماجة (4244)؛ وأحمد (2/ 297)؛ وابن حبان (1771 - موارد)؛ وابن جرير (30/ 62)؛ والآجري في "الشريعة" (111)؛ والحاكم (2/ 517)؛ والبيهقي في "الكبرى" (10/ 188) وفي "الشعب" (6808)، وفي "الآداب" (1179)؛ والبغوي في "شرح السنة" (5/ 88، 89) من طرق عن محمد بن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا. وسنده جيد.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح" وصححه الحاكم على شرط مسلم وفيه نظر، فإن مسلمًا لم يحتج بابن عجلان.¥: والحق عندي في ذلك ما صح بنظيره الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وهو ما حدّثنا به محمد بن بشار، حَدَّثَنَا صفوان بن عيسى، حَدَّثَنَا ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -؛ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتةٌ سوداءُ في قلبه، فإن تاب ونزع (واستغفر) ¬كذا في "تفسير الطبري" وسائر الكتب التي خرجت هذا الحديث، ووقع في سائر "الأصول": "واستعتب".¥ صقل قلبه، وإن زاد زادت حتَّى تعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)} [المطففين: 14].
وهذا الحديث من هذا الوجه قد رواه الترمذي، والنسائي، عن قتيبة (عن) ¬في (ن): "و" وهو خطأ فاحش.¥ الليث بن سعد؛ وابن ماجة، عن هشام بن عمار، عن حاتم بن إسماعيل، والوليد بن مسلم، ثلاثتهم عن محمد بن عجلان، به. وقال الترمذي: " (حديث) ¬من (ج).¥ حسن صحيح".
ثم قال ابن جرير ¬في "تفسيره" (1/ 261).¥: فأخبر (رسول الله) ¬من (ز) و (ن)، ووقع في (ك): "النَّبِيّ" وضرب عليها الناسخ.¥ - صلى الله عليه وسلم - أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذٍ الختم من قبل الله تعالى والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلك، ولا للكفر (منها) ¬في (ز) و (ن): و"عنها".¥ مخلص؛ فذلك هو الختم والطبع ¬ساقط من (ك).¥ [الذي (ذكره الله في قوله) ¬كذا في (ج) و (ل) و (ى) وفي (ز) و (ن): "ذكر في قوله تعالى"؛ وفي (هـ): "قال الله".¥: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ (وَعَلَى سَمْعِهِمْ)} ¬من (ن).¥ نظير الختم والطبع] (2) على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف التي لا يوصل إلى ما فيها إلا (بفض) ¬في (ل): "بنقض".¥ ذلك عنها ثم حلها؛ فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلا بعد (فضه) ¬كذا في (ج) و (ي)؛ وفي (ز) و (هـ): "فض"؛ وفي (ك) "فض به"؛ وفي (ن): "فظ"؛ وفي (ل): "نقض".¥ خاتمه وحله رباطه (عنها) ¬ساقط من (ز).¥.
واعلم أن الْوَقْف التام على قوله (تعالى) ¬من (ز) و (ن).¥: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ} وقوله: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} جملة تامة؛ فإن الطبع يكون على القلب وعلى السمع، والغشاوة - وهي الغطاء - تكون على البصر، كما قال السدي في "تفسيره" ¬أخرجه ابن جرير (308)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (95) عن السدي قوله.¥، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود؛ وعن أناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ} يقول: فلا يعقلون ولا يسمعون. ويقول: "وجعل على أبصارهم غشاوة" يقول: على أعينهم فلا يبصرون.
وقال ابن جرير ¬في "تفسيره" (305) وسنده ضعيف ...¥: حدثني محمد بن سعد، حَدَّثَنَا أبي، حدثني عمي الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس: ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، والغشاوة على أبصارهم.
قال ¬يعني: ابن جرير. وهو في "تفسيره" (306).¥: وحدثنا القاسم، حَدَّثَنَا الحسين: يعني: ابن داود، وهو سُنيد، حدثني حجاج، وهو ابن محمد الأعور، حدثني (ابن) ¬ساقط من (ج). [وسنده ضعيف لضعف سُنيد].¥ جريج؛ قال: الختم على القلب والسمع، والغشاوة على البصر؛ قال الله تعالى: {فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ} [الشورى: 24] وقال: {وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [الجاثية: 23].
قال ابن جرير: (ومن) ¬ساقط من (ج). [وسنده ضعيف لضعف سُنيد].¥ نُصِبَ "غشاوةً" من قوله تعالى: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} يحتمل أنه نصبها بإضمار فعل؛ تقديره: وجعل على أبصارهم غشاوةً. ويحتمل أن يكون نصبها على الاتباع على محل {وَعَلَى سَمْعِهِمْ} كقوله تعالى: {وَحُورٌ عِينٌ (22)} [الواقعة: 22].
وقول الشاعر:
(علفتها) ¬في (ج) و (ك) و (ل) و (ي): "فعلفتها".¥ تبنًا وماء باردًا ... حتَّى شتت همالةً عيناها
وقال الآخر ¬نسبه القرطبي إلى عبد الله بن الزبعري، وهو في "الكامل" (1/ 344) أيضًا.¥:
ورأيت زوجك في الوغى ... متقلدًا سيفًا ورمحا
تقديره: وسقيتها ماءً باردًا. ومعتقلًا رمحًا.