تفسير البغوي (معالم التنزيل)
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ} يَعْنِي: جِبْرِيلَ {نَزَّلَهُ} يَعْنِي: الْقُرْآنَ، كِنَايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ {عَلَى قَلْبِكَ} يَا مُحَمَّدُ {بِإِذْنِ اللَّهِ} بِأَمْرِ اللَّهِ {مُصَدِّقًا} مُوَافِقًا {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ {وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ مِنْ جُمْلَةِ الْمَلَائِكَةِ مَعَ دُخُولِهِمَا فِي قَوْلِهِ {وَمَلَائِكَتِهِ} تَفْضِيلًا وَتَخْصِيصًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى "فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ" (68 - الرَّحْمَنِ) خَصَّ النَّخْلَ وَالرُّمَّانَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِمَا فِي ذِكْرِ الْفَاكِهَةِ، وَالْوَاوُ فِيهِمَا بِمَعْنَى: أَوْ، يَعْنِي مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِأَحَدِ هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُ عَدُوٌّ لِلْكُلِّ، لِأَنَّ الْكَافِرَ بِالْوَاحِدِ كَافِرٌ بِالْكُلِّ {فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} قال عكرمة: جير وَمِيكُ وَإِسْرَافُ هِيَ الْعَبْدُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ، وَإِيلُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَعْنَاهُمَا عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ جَبْرِيلَ بِفَتْحِ الْجِيمِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ بِوَزْنِ فَعْلِيلَ قَالَ حَسَّانٌ:
وَجَبْرِيلٌ رَسُولُ اللَّهِ فِينَا ... وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَهُ كَفَاءُ
وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالْهَمْزِ وَالْإِشْبَاعِ بِوَزْنِ سَلْسَبِيلَ، وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ بِالِاخْتِلَاسِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِ الْجِيمِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، وَمِيكَائِيلُ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ وَحَفْصٌ مِيكَالَ بِغَيْرِ هَمْزٍ قَالَ جَرِيرٌ: عَبَدُوا الصَّلِيبَ وكذبوا بمحمد ... وبجبرائيل وَكَذَّبُوا مِيكَالَا ¬البيت لجرير، وهو في ديوانه ص 450، ونقائض جرير والأخطل ص (87)، وانظر: تفسير الطبري: 2/ 388، تفسير الواحدي: 1/ 159.¥
وَقَالَ آخَرُ: وَيَوْمَ بَدْرٍ لَقِينَاكُمْ لَنَا مَدَدٌ ... فِيهِ مَعَ النَّصْرِ جِبْرِيلٌ وَمِيكَالُ ¬انظر: تفسير القرطبي: 2/ 38، تفسير الواحدي: 1/ 159.¥
وَقَرَأَ نَافِعٌ: بِالْهَمْزَةِ وَالِاخْتِلَاسِ، بِوَزْنٍ مِيفَاعِلَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: بِالْهَمْزِ وَالْإِشْبَاعِ بِوَزْنِ مِيكَائِيلَ، وَقَالَ ابْنُ صُورِيَا: مَا جِئْتِنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ¬الأثر أخرجه الطبري: 2/ 398 من طريق ابن إسحاق: وهو في السيرة النبوية لابن هشام: 2/ 196، مع شرحها الروض الأنف. وانظر: الكافي الشاف ص (9). الفتح السماوي 1/ 179.¥