تفسير هذه الآية

السورة 2 : الآية 9

السورة 2 : الآية 9

يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

تفسير ابن كثير

{يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)}. وقوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا} أي: بظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر، يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك، وأن ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه، كما قد يروج على بعض المؤمنين، كما قال تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (18)} [المجادلة: 18]. ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله: {وَمَا (يَخْدَعُونَ) ¬في في (ز) و (ل) و (ن) و (هـ) ووقع في (ج) و (ع) و (ك) و (ي): "يخادعون" وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو بن العلاء.¥ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}. (9) [يقول: وما يغرون بصنيعهم هذا، ولا يخدعون إلا أنفسهم، وما يشعرون] ¬ساقط من سياق (ج)، واستدركته من الحاشية.¥ بذلك من أنفسهم؛ كما قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142] ومن ¬وهم بقية السبعة دون من سميتهم آنفًا.¥ القراء من قرأ {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} وكلتا القراءتين ترجع إلى معنًى واحد. قال ابن جرير ¬في "تفسيره" (1/ 273 - شاكر).¥: فإن قال قائل: كيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مخادعًا، وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقيةً؟ قيل: لا تمنع العرب أن تسمي من أعطى بلسانه غير الذي في ضميره تقية لينجو مما هو له خائف مخادعًا، فكذلك المنافق سمي مخادعًا للّه وللمؤمنين بإظهار ما ظهره بلسانه تقية بما يخلص به من القتل (والسباء) ¬في (ك) و (ن): "السبي".¥ والعذاب العاجل، وهو لغير ما أظهره مستبطن؛ وذلك من فعله فين كان خداعًا للمؤمنين في عاجل الدنيا، فهو لنفسه بذلك من فعله خادع؛ لأنَّهُ يظهر لها بفعله ذلك بها أنه يعطيها أمنيتها، ويسقيها كأس سرورها، وهو (مُوردها) ¬في "تفسير ابن جرير": "موردها به".¥ حياض عطبها، ومجرعها به كأس عذابها، (ومُزيرها) ¬في (ك): "يزيدها" وفي "ابن جرير": "مذيقها" وأثبت الشيخ محمود شاكر حفظه الله ما أثبته هنا عن هذا الموضع وأزاره: يعني حمله على الزيارة، وهذا من باب السخرية بهم.¥ من غضب الله وأليم عقابه ما لا قبل لها به؛ فذلك خديعته نفسه ظنًّا منه، مع إساءته إليها في أمر معادها، أنه إليها محسن؛ كما قال تعالى: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} إعلامًا منه عباده المؤمنين أن المنافقين بإساءتهم إلى أنفسهم، في إسخاطهم عليها ربهم، بكفرهم وشكهم وتكذيبهم غير شاعرين ولا دارين، ولكنهم على (عمياء) ¬في (ن): "عمي".¥ من أمرهم مقيمون. ومقال ابن أبي ¬في "تفسيره" (107) وسنده جيد.¥ حاتم: أنبأنا علي بن المبارك فيما كتب إلي، حَدَّثَنَا زيد بن المبارك، حَدَّثَنَا محمد بن ثور، عن ابن جريج - في قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} - قال: يظهرون لا إله إلا الله، يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم، وفي أنفسهم غير ذلك. وقال سعيد ¬هو سعيد بن أبي عروبة، والخبر أخرجه ابن أبي حاتم (108) من طريق يزيد بن زريع، ثنا ابن أبي عروبة. وسنده صحيح.¥، عن قتادة: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)} نعت المنافق عند كثير: خنع الأخلاق، يصدق بلسانه، وينكر بقلبه، ويخالف بعمله، يصبح على حال، ويمسي على غيره، ويمسي على حال، ويصبح على غيره، ويتكفأ تكفأ السفينة كلما هبت ريح (هب) ¬في (ن): "هبت"، ووقع كذلك عند "ابن أبي حاتم"، وهو خطأ فإن هذا الفعل عائد على "المنافق" والله أعلم.¥ معها.
تفاسير بلغات أخرى · 6