تفسير ابن كثير
{فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} أي: تنزه وتقدس الملك الحق الذي هو حق ووعده حق، ووعيده حق ورسله حق، والجنة حق، والنار حق وكل شيء منه حق، وعدله تعالى أن لا يعذب أحدًا قبل الإنذار وبعثة الرسل، والإعذار إلى خلقه لئلا يبقى لأحد حجة ولا شبهة.
وقوله: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ}، كقوله تعالى في سورة {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1)}: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)} [القيامة]، وثبت في الصحيح عن ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كان يعالج من الوحي شدة، فكان مما يحرك به لسانه، فأنزل الله هذه الآية ¬أخرجه البخاري (الصحيح، التفسير، باب سورة القيامة (ح 4927)).¥؛ يعني: أنه - عليه السلام - كان إذا جاءه جبريل بالوحي، كلما قال جبريل آية، قالها معه من شدة حرصه على حفظ القرآن، فأرشده الله تعالى إلى ما هو الأسهل والأخف في حقه لئلا يشق عليه، فقال: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17)} [القيامة] أي: أن نجمعه في صدرك، ثم تقرأه على الناس من غير أن تنسى منه شيئًا {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)} [القيامة]، وقال في هذه الآية: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} أي: بل أنصت، فإذا فرغ الملك من قراءته عليك فاقرأه بعده {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} أي: زدني منك علمًا.
قال ابن عيينة - رحمه الله -: ولم يزل - صلى الله عليه وسلم - في زيادة حتى توفاه الله - عز وجل -.
ولهذا جاء في الحديث: "إن الله تابع الوحي على رسوله، حتى كان الوحي أكثر ما كان يوم توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" ¬أخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -، (صحيح البخاري، فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي .. ح 4982)، وصحيح مسلم، التفسير (ح 3016).¥.
وقال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا، والحمد لله على كل حال" ¬أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، المقدمة، باب اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ح 251) وفي سنده موسى بن عبيدة وهو الربذي ضعيف، ولشطر الأول شواهد، ولهذا صححه الألباني دون قوله: "والحمد لله على كل حال" (صحيح سنن ابن ماجه ح 203).¥. وأخرجه الترمذي، عن أبي كريب، عن عبد الله بن نمير، به. وقال: غريب من هذا الوجه ¬أخرجه الترمذي من طريق موسى بن عبيدة به، ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه (السنن، الدعوات، باب في العفو والعافية ح 3599).¥. ورواه البزار، عن عمرو بن علي الفلاس، عن أبي عاصم، عن موسى بن عبيدة، به. وزاد في آخره: "وأعوذ بالله من حال أهل النار".