تفسير هذه الآية

السورة 20 : الآية 124

السورة 20 : الآية 124

وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ

تفسير ابن كثير

{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} أي: خالف أمري وما أنزلته على رسولي أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} أي: ضنكًا في الدنيا، فلا طمأنينة له ولا انشرح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد فهذا من ضنك المعيشة.

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} قال: الشقاء ¬أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.¥.

وقال العوفي، عن ابن عباس: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} قال: كل ما أعطيته عبدًا من عبادي قلّ أو كثر، لا يتَّقيني فيه، فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة، ويقال أيضًا: إن قومًا ضُلّالًا أعرضوا عن الحق وكانوا في سعة من الدنيا متكبرين، فكانت معيشتهم ضنكًا، وذلك أنهم كانوا يرون أن الله ليس مخلفًا لهم معايشهم من سوء ظنهم بالله والتكذيب، فإذا كان العبد يكذب بالله ويسيء الظن به والثقة به، اشتدت عليه معيشته؛ فذلك الضنك ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بلفظه تقريبًا.¥.

وقال الضحاك: هو العمل السيء والرزق الخبيث ¬أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.¥، وكذا قال عكرمة ومالك بن دينار ¬قول عكرمة أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه محمد بن حميد، وهو الرازي، وهو ضعيف. وقول مالك بن دينار عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.¥.

وقال سفيان بن عيينة، عن أبي حازم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد في قوله: {مَعِيشَةً ضَنْكًا} قال: يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فيه ¬أخرجه البستي من طريق سفيان بن عيينة به، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق أبي حازم به (المصنف 13/ 392)، وسنده صحيح وله حكم الرفع؛ لأن أبا سعيد هو الخدري - رضي الله عنه -.¥. وقال أبو حاتم الرازي: [النعمان بن أبي عياش يكنى] ¬كذا في (ح) وترجمته، وفي (حم): "النعمان بن أبي عياض يكنى"، وفي الأصل صُحف إلى: "اليعمري أبي عباس يحيى".¥ أبا سلمة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، أنبأنا الوليد، أنبأنا عبد الله بن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قول الله - عز وجل -: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} قال: ضمة القبر له ¬سنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم.¥، والموقوف أصح. وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج أبو السمح، عن ابن حُجَيرة واسمه: عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "المؤمن في قبره في روضة خضراء، ويفسح له في قبره سبعون ذراعًا، وينور له قبره كالقمر ليلة البدر، أتدرون فيما أنزلت هذه الآية {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا}؟ أتدرون ما المعيشة الضنك؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليه تسعة وتسعون تنينًا؛ أتدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية، لكل حية سبعة رؤوس ينفخون في جسمه ويلسعونه ويخدشونه إلى يوم يبعثون" ¬أخرجه أبو يعلى من طريق دراج به (المسند 11/ 521)، وضعف متنه الحافظ ابن كثير لما فيه من الغرائب.¥، رفعه منكر جدًا.

وقال البزار: حدثنا محمد بن يحيى الأزدي: حدثنا محمد بن عمر، حدثنا هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قول الله - عز وجل -: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} قال: "المعيشة الضنك الذي قال الله أنه يسلط عليه تسعة وتسعون حية ينهشون لحمه حتى تقوم الساعة" ¬أخرجه البزار بسنده ومتنه كما في زوائد مسند البزار (2/ 94)، وسنده ضعيف جدًا؛ لأن محمد بن عمر هو الواقدي، وهو متروك.¥.

وقال أيضًا ¬القائل هو: ابن أبي حاتم.¥: [حدثنا] ¬زيادة من (ح) و (حم).¥ أبو زرعة، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} قال: "عذاب القبر" ¬جوّد سنده الحافظ ابن كثير.¥. إسناد جيد.

وقوله: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} قال مجاهد وأبو صالح والسدي: لا حجة له ¬قول مجاهد أخرجه الثوري بسند صحيح عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقول أبي صالح أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه.¥، وقال عكرمة: عمي عليه كل شيء إلا جهنم ¬عزاه السيوطي إلى هناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥، ويحتمل أن يكون المراد أنه يبعث أو يحشر إلى النار أعمى البصر والبصيرة أيضًا، كما قال تعالى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} [الإسراء: 97]، ولهذا يقول: {رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا}.

تفاسير بلغات أخرى · 6