تفسير هذه الآية

السورة 20 : الآية 132

السورة 20 : الآية 132

وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْـَٔلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ

تفسير ابن كثير

وقوله: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} أي: استنقذهم من عذاب الله بإقام الصلاة، واصبر أنت على فعلها، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6].

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب كان يبيت عنده أنا ويرفأ، وكان له ساعة من الليل يصلي فيها، فربما لم يقم، فنقول: لا يقوم الليلة كما كان يقوم، وكان إذا استيقظ أقام؛ يعني: أهله، وقال: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} ¬سنده حسن، وأخرجه الطبري من طريق هشام بن سعد به.¥.

وقوله: {لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ} يعني: إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق في حيث لا تحتسب، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق]، وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)} [الذاريات]، ولهذا قال: {لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ}.

وقال الثوري: {لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا} أي: لا نكلفك الطلب.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، عن هشام، عن أبيه: أنه كان إذا دخل على أهل الدنيا فرأى من دنياهم طرفًا، فإذا رجع إلى أهله، فدخل الدار قرأ {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} إلى قوله: {نَحْنُ نَرْزُقُكَ} ثم يقول: الصلاة، الصلاة، رحمكم الله ¬سنده حسن، وأخرجه الطبري من طريق هشام بن عروة به.¥.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا [عبد الله بن أبي زياد القطواني] ¬كذا في ترجمته في التقريب، وفي الأصل صحف إلى: "عبد الله بن زياد البطراني"، وفي (ح) و (حم): "عبد الله بن أبي زياد القطراني".¥، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، عن ثابت قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أصابه خصاصة نادى أهله: يا أهلاه صلُّوا، صلُّوا. قال ثابت: وكان الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة ¬سنده مرسل؛ لأن ثابت هو ابن أسلم البناني، وهو تابعي.¥.

وقد روى الترمذي وابن ماجه من حديث عمران بن زائدة، عن أبيه، عن أبي خالد الوالبي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يقول الله تعالى: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنًى وأسدُّ فقرك؛ وإن لم تفعل، ملأت صدرك شغلًا ولم أسدّ فقرك" ¬سنن الترمذي، صفة القيامة (ح 2466)، وسنن ابن ماجه، الزهد، باب الهمّ بالدنيا (ح 4107)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح 3315).¥.

وروى ابن ماجه من حديث الضحاك، عن الأسود، عن ابن مسعود: سمعت نبيكم - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من جعل الهموم همًّا واحدًا همّ المعاد كفاه الله همّ دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أيِّ أوديته هلك" ¬المصدر السابق (ح 4106)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح 3314).¥. وروي أيضًا من حديث شعبة، عن عمر بن سليمان، عن عبد الرحمن بن أبان، عن أبيه، عن زيد بن ثابت، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من كانت الدنيا همّه فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع له أمره وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة" ¬المصدر السابق (ح 4105)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح 3313).¥.

وقوله: {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} أي: وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة، وهي الجنة لمن اتقى الله.

وفي الصحيح: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "رأيت الليلة كأنا في دار عقبة بن رافع، وأنّا أتينا برطب ابن طاب، فأوّلت ذلك أن العاقبة لنا في الدنيا والرفعة، وأن ديننا قد طاب" ¬أخرجه مسلم من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - بلفظ: "برطب من رطب ابن طاب" (الصحيح، الرؤيا، باب رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - ح 2270)، ورطب ابن طاب: نوع من التمور.¥.

تفاسير بلغات أخرى · 6