تفسير ابن كثير
قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68)
لما دحضت حجتهم وبان عجزهم وظهر الحق واندفع الباطل، عدلوا إلى استعمال جاه ملكهم، فقالوا: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} فجمعوا حطبًا كثيرًا جدًا، قال السدي: حتى إن كانت المرأة تمرض فتنذر إن عوفيت أن تحمل حطبًا لحريق إبراهيم، ثم جعلوه في جوبَة ¬أي: حفرة.¥ من الأرض وأضرموها نارًا، فكان لها شرر عظيم ولهب مرتفع لم توقد نار قط مثلها، وجعلوا إبراهيم - عليه السلام - في كفة المنجنيق بإشارة رجل من أعراب فارس من الأكراد. قال شعيب الجبائي: اسمه هيزن: فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ¬أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف.¥، فلما ألقوه قال: حسبي الله ونعم الوكيل. كما رواه البخاري، عن ابن عباس: أنه قال: حسبي الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] ¬صحيح البخاري، التفسير، باب {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران: 173] (ح 4563).¥. وروى الحافظ أبو يعلى: حدثنا [أبو هشام] ¬كذا في (ح) و (حم)، وفي الأصل صُحف: "ابن هشام".¥، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي جعفر، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لما ألقي إبراهيم - عليه السلام - في النار، قال: اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في أرض واحد أعبدك" ¬أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح 2349)، وأبو نعيم (الحلية 1/ 19) كلاهما من طريق أبي هشام الرفاعي به، وسنده ضعيف لضعف عاصم، وهو ابن عمر بن حفص العمري (التقريب ص 286)، ومتنه يخالف ما تقدم في الصحيح.¥. ويروى أنه لما جعلوا يوثقونه قال: لا إله إلا أنت، سبحانك لك الحمد، ولك الملك لا شريك لك ¬أخرجه الطبري بسند فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف، ومتنه يخالف ما تقدم في الصحيح عن ابن عباس - رضي الله عنهما -.¥. وقال شعيب الجبائي: كان عمره إذ ذاك ست عشرة سنة ¬أخرجه الطبري بسند فيه الحسين، وهو ابن داود، وهو ضعيف.¥، فالله أعلم. وذكر بعض السلف أنه عرض له جبريل وهو في الهواء فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، وأما من الله فبلى. وقال سعيد بن جبير - ويروى عن ابن عباس أيضًا - قال: لما ألقي إبراهيم، جعل خازن المطر يقول: متى أومر بالمطر فأرسله؟ قال: فكان أمر الله أسرع من أمره.