تفسير ابن كثير
حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ(96)
وقوله: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} قد قدمنا أنهم من سلالة آدم - عليه السلام -؛ بل هم من نسل نوح أيضًا من أولاد يافث؛ أي أبي الترك، والترك شرذمة منهم تركوا من وراء السد الذي بناه ذو القرنين، وقال: {هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99)} [الكهف]، وقال في هذه الآية الكريمة: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96)} أي: يسرعون في المشي إلى الفساد، والحدب: هو المرتفع من الأرض، قاله ابن عباس وعكرمة وأبو صالح والثوري وغيرهم ¬قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه.¥، وهذه صفتهم في حال خروجهم كأن السامع مشاهد لذلك {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14] هذا إخبار عالم ما كان وما يكون، الذي يعلم غيب السماوات والأرض لا إله إلا هو. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: رأى ابن عباس صبيانًا ينزو بعضهم على بعض يلعبون، فقال ابن عباس: هكذا يخرج يأجوج ومأجوج ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.¥. وقد ورد ذكر خروجهم في أحاديث متعددة من السنة النبوية. فالحديث الأول: قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمرو بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "تفتح يأجوج ومأجوج، فيخرجون على الناس، كما قال الله - عز وجل -: {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} " فيغشون الناس وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم، ويضمون إليهم مواشيهم، ويشربون مياه الأرض حتى إن بعضهم ليمرّ بالنهر فيشربون ما فيه حتى يتركوه يابسًا، حتى أن مَن بعدهم ليمرّ بذلك النهر فيقول: قد كان ههنا ماء مرة، حتى إذا لم يبق من الناس أحد إلا أحد في حصن أو مدينة، قال قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم بقي أهل السماء، قال: ثم يهزُ أحدهم حربته، ثم يرمي بها إلى السماء فترجع إليه مخضبة دمًا للبلاء والفتنة، فبينما هم على ذلك إذ بعث الله - عز وجل - دودًا في أعناقهم كنغف ¬النغف: دود يكون في أنوف الإبل والغنم (النهاية 5/ 87).¥ الجراد الذي يخرج في أعناقه، فيصبحون موتى لا يسمع لهم حس، فيقول المسلمون: ألا رجل يشري لنا نفسه فينظر ما فعل هذا العدو؟ قال: فيتجرد رجل منهم محتسبًا نفسه قد أوطنها على أنه مقتول فينزل فيجدهم موتى بعضهم على بعض، فينادي: "يا معشر المسلمين ألا أبشروا إن الله - عز وجل - قد كفاكم عدوكم، فيخرجون من مدائنهم وحصونهم، ويسرحون مواشيهم، فما يكون لهم رعي إلا لحومهم، فتشكر عنهم كأحس ما شكرت عن شيء من النبات أصابته قط" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسّن سنده محققوه (المسند 18/ 256 - 258 ح 11731).¥، ورواه ابن ماجه من حديث يونس بن بكير، عن ابن إسحاق [به] ¬زيادة من (ح) و (حم).¥ ¬سنن ابن ماجه، الفتن، باب طلوع الشمس من مغربها (ح 4079)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن ابن ماجه (ح 3307).¥. (الحديث الثاني): قال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا الوليد بن مسلم أبو العباس الدمشقي، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني يحيى بن جابر الطائي قاضي حمص، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي، عن أبيه: أنه سمع النواس بن سمعان الكلابي قال: ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك في وجوهنا، فسألناه فقلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال الغداة فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل؟ فقال: "غير الدجال أخوفني عليكم. فإن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، وإنه شاب جعد قطط عينه طافية ¬أي: مرتفعة عن محلها.¥، وإنه يخرج خلة بين الشام والعراق فعاث يمينًا وشمالًا يا عباد الله اثبتوا، قلنا: يا رسول الله ما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعون يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، يوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم" قلنا: يا رسول الله فذاك اليوم الذي هو كسنة، أيكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: "لا اقدروا له قدره" قلنا: يا رسول الله فما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث اشتد به الريح، قال: فيمر بالحيّ فيدعوهم فيستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، وتروح عليهم سارحتهم ¬أي: ماشيتهم.¥ وهي أطول ما كانت ذرى ¬جمع ذروة، وهي: أعلى سنام البعير.¥، أمده خواصر، وأسبغه ضروعًا، ويمر بالحي فيدعوهم فيردون عليه قوله، فتتبعه أموالهم فيصبحون ممحلين ¬أي: مجدبين.¥ ليس لهم من أموالهم شيء، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل ¬جمع يعسوب، وهو: أمير النحل؛ أي تظهر له وتجتمع عنده كما تجتمع النحل على يعاسيبها.¥، قال: ويأمر برجل فيقتل، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين ¬أي: قطعتين.¥ رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل إليه، فبينما هم على ذلك إذ بعث الله - عز وجل - المسيح عيسى ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين ¬أي: بين حُلّتين شبيهتين بالمصبوغ بالهرد، والهرد: عرق، وقيل: الثوب المهرود الذي يصبغ بالورس ثم بالزعفران.¥ واضعًا يديه على أجنحة ملكين، فيتبعه فيدركه فيقتله عند باب لُّد الشرقي، قال: فبينما هم كذلك إذ أوحى الله - عز وجل - إلى عيسى ابن مريم - عليه السلام - أني قد أخرجت عبادًا من عبادي لا يدان لك بقتالهم، فحوّز عبادي إلى الطور، فيبعث الله - عز وجل - يأجوج ومأجوج، كما قال تعالى: {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله - عز وجل -، فيرسل عليهم نغفًا في رقابهم فيصبحون موتى كموت نفس واحدة، فيهبط عيسى وأصحابه فلا يجدون في الأرض بيتًا إلا قد ملأه زهمهم ¬أي: دسمهم.¥ ونتنهم، فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله - عز وجل -، فيرسل الله عليهم طيرًا كأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله". قال ابن جابر: فحدثني عطاء بن يزيد السكسكي عن كعب أو غيره قال: فتطرحهم بالمهبل ¬أي: الهوة الذاهبة في الأرض.¥. قال ابن جابر: فقلت: يا أبا يزيد وأين المهبل؟ قال: مطلع الشمس. قال: "ويرسل الله مطرًا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر أربعين يومًا، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة؛ ويقال للأرض: أنبتي ثمرك ودرِّي بركتك، قال: فيومئذٍ يأكل النفر من الرمانة فيستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر تكفي الفخذ، والشاة من الغنم تكفي أهل البيت، قال: فبينما هم على ذلك إذ بعث الله - عز وجل - ريحًا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مسلم - أو قال: كل مؤمن - ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر وعليهم تقوم الساعة" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند 29/ 172 - 175).¥. انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري، ورواه مع بقية أهل السنن من طرق عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر به. وقال الترمذي: حسن صحيح ¬صحيح مسلم، الفتن، باب ذكر الدجال وصفته (ح 2137)، وسنن الترمذي، الفتن (ح 2240).¥. (الحديث الثالث): قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا محمد بن عمرو، [عن] ¬كذا في (ح) و (حم) المسند، وفي الأصل صحفت إلى: "بن".¥ ابن حرملة، عن خالته قالت: خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عاصب أصبعه من لدغة عقرب، فقال: "إنكم تقولون لا عدو لكم، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوًا حتى يأتي يأجوج ومأجوج: عراض الوجوه، صغار العيون، صهب الشعاف ¬أي: شُقر الشعور.¥، من كل حدب ينسلون؛ كأن وجوههم المجان المطرقة" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه (المسند 37/ 19 ح 22331).¥. وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث محمد بن عمرو، عن خالد بن عبد الله بن حرملة المدلجي، عن خالة له، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ... فذكره مثله سواء ¬سنده ضعيف كسابقه.¥. (الحديث الرابع): قد تقدم في آخر تفسير سورة الأعراف من رواية الإمام أحمد عن هشيم، عن العوام، عن جبلة بن سحيم، عن مؤثر بن عفازة، عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى - عليهم السلام - قال: فتذاكروا أمر الساعة فردُّوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها، فردُّوا أمرهم إلى موسى، فقال: لا علم لي بها، فردُّوا أمرهم إلى عيسى، فقال: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إليَّ ربي أن الدجال خارج ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله إذا رآني حتى إن الحجر والشجر يقول: يا مسلم إن تحتي كافرًا، فتعال فاقتله، قال: فيهلكهم الله ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، قال: فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيطئون بلادهم، ولا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرُّون على ماء إلا شربوه، قال: ثم يرجع الناس إليّ يشكونهم فأدعو الله عليهم فيهلكهم ويميتهم حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم، وينزل الله المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إليَّ ربي أن ذلك إذا كان كذلك أن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولدها ليلًا أو نهارًا" ¬تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية 187.¥. ورواه ابن ماجه، عن محمد بن بشار، عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب به نحوه، وزاد: قال العوام: ووجد تصديق ذلك في كتاب الله - عز وجل -: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96)}، ورواه ابن جرير ههنا من حديث جبلة به ¬تقدم تخريجه كسابقه.¥. والأحاديث في هذا كثيرة جدًا والآثار عن السلف كذلك. وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث معمر، عن غير واحد، عن حميد بن هلال، عن أبي الضيف قال: قال كعب: إذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج، حفروا حتى يسمع الذين يلونهم قرع فؤوسهم، فإذا كان الليل ألقى الله على لسان رجل منهم يقول: نجيء غدًا فنخرج، فيعيده الله كما كان، فيجيئون من الغد فيجدونه قد أعاده الله كما كان، فيحفرونه حتى يسمع الذين يلونهم قرع فؤوسهم، فإذا كان الليل ألقى الله على لسان رجل منهم يقول: نجيء غدًا فنخرج إن شاء الله، فيجيئون من الغد فيجدونه كما تركوه، فيحفرون حتى يخرجوا، فتمرُّ الزمرة الأولى بالبحيرة فيشربون ماءها، ثم تمرُّ الزمرة الثانية فيلحسون طينها، ثم تمرُّ الزمرة الثالثة فيقولون: قد كان ههنا مرة ماء، فيفر الناس منهم فلا يقوم لهم شيء، ثم يرمون بسهامهم إلى السماء فترجع إليهم مخضبة بالدماء، فيقولون: غلبنا أهل الأرض وأهل السماء، فيدعو عليهم عيسى ابن مريم - عليه السلام -، فيقول: اللَّهم لا طاقة ولا يد لنا بهم، فاكفناهم بما شئت، فيسلط الله عليهم دودًا يقال له: النغف، فيفرس رقابهم، ويبعث الله عليهم طيرًا تأخذهم بمناقيرها فتلقيهم في البحر، ويبعث الله عينًا يقال لها: الحياة، يطهر الله الأرض وينبتها، حتى إن الرمانة ليشبع منها السكن، وقيل: وما السكن يا كعب؟ قال: أهل البيت، قال: فبينما الناس كذلك إذ أتاهم الصريخ أن ذا السويقتين يريده، قال: فيبعث عيسى ابن مريم طليعة سبعمائة أو بين السبعمائة والثمانمائة حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله ريحًا يمانية طيبة فيقبض فيها روح كل مؤمن، ثم يبقى عجاج الناس، فيتسافدون كما تتسافد البهائم، فمثل الساعة كمثل رجل يطيف حول فرسه متى تضع، قال كعب: فمن قال بعد قولي هذا شيئًا أو بعد علمي هذا شيئًا فهو المتكلف ¬أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي الضيف به، وأخرجه الطبري من طريق معمر عن غير واحد عن أبي الضيف به، وفي الحالتين الخبر من الإسرائيليات ولبعضه شواهد.¥، وهذا من أحسن سياقات كعب الأحبار لما شهد له من صحيح الأخبار. وقد ثبت في الحديث: أن عيسى ابن مريم يحج البيت العتيق، وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عمران، عن قتادة، عن عبد الله بن أبي عتبة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليحجن هذا البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 3/ 27)، وسنده صحيح.¥. انفرد بإخراجه البخاري ¬أخرجه البخاري من طريق قتادة به (الصحيح، الحج، باب قول الله تعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ. . .} بسورة المائدة 97 - ح 1593).¥.