تفسير ابن كثير
قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26)
يخبر تعالى عن نوح -عليه السلام- حين بعثه إلى قومه لينذرهم عذاب اللَّه وبأسه الشديد، وانتقامه ممن أشرك به وخالف أمره وكذب رسله {فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} أي: ألا تخافون من اللَّه في إشراككم به؟ {فَقَالَ الْمَلَأُ} وهم السادة والأكابر منهم: {مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} يعنون يترفع عليكم، ويتعاظم بدعوى النبوة، وهو بشر مثلكم، فكيف أوحي إليه دونكم؟ {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً} أي: لو أراد أن يبعث نبيًا لبعث ملكًا من عنده ولم يكن بشرًا {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا}؛ أي ببعثة البشر {فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ}، يعنون بهذا أسلافهم وأجدادهم في الدهور الماضية. وقوله: {إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} أي: مجنون فيما يزعمه من أن الله أرسله إليكم واختصه من بينكم بالوحي {فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ} أي: انتظروا به ريب المنون، واصبروا عليه مدة حتَّى تستريحوا منه.
فعند ذلك أمره اللَّه تعالى بصنعة السفينة وإحكامها وإتقانها، وأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين؛ أي ذكرًا وأنثى من كل صنف من الحيوانات والنباتات والثمار وغير ذلك، وأن يحمل فيها أهله {إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} أي: من سبق عليه القول من اللَّه بالهلاك، وهم الذين لم يؤمنوا به من أهله كابنه وزوجته، والله أعلم.
وقوله: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} أي: عند معاينة إنزال المطر العظيم لا تأخذنك رأفة بقومك وشفقة عليهم، وطمع في تأخيرهم لعلهم يؤمنون، فإني قد قضيت أنهم مغرقون على ما هم عليه من الكفر والطغيان، وقد تقدمت القصة مبسوطة في سورة هود بما يغني عن إعادة ذلك ههنا.