تفسير ابن كثير
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36)
لما ضرب الله تعالى مثل قلب المؤمن وما فيه من الهدى والعلم بالمصباح في الزجاجة الصافية المتوقد من زيت طيب وذلك كالقنديل، ذكر محلها وهي المساجد التي هي أحبّ البقاع إلى الله تعالى من الأرض، وهي بيوته التي يُعبد فيها ويُوحّد فقال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} أي: أمر الله تعالى بتعاهدها وتطهيرها من الدنس واللغو والأقوال والأفعال التي لا تليق فيها. كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية الكريمة {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} قال نهى الله سبحانه عن اللغو فيها ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي وزيادة: و"هي المساجد تُكرم. . .".¥، وكذا قال عكرمة وأبو صالح والضحاك ونافع بن جبير وأبو بكر بن سليمان بن أبي خيثمة وسفيان بن حسين وغيرهم من العلماء المفسرين ¬ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.¥.
وقال قتادة: هي هذه المساجد أمر الله - سبحانه وتعالى - ببنائها وعمارتها ورفعها وتطهيرها. وقد ذُكر لنا أن كعبًا كان يقول: مكتوب في التوراة ألا إن بيوتي في الأرض المساجد، وإنه من توضأ فأحسن وضوءه ثم زارني في بيتي أكرمته، وحقٌّ على المزور كرامة الزائر. رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأما الشطر الآخر عن كعب الأحبار ففيه انقطاع لأن قتادة لم يسمع من كعب.¥.
وقد وردت أحاديث كثيرة في بناء المساجد واحترامها وتوقيرها وتطييبها وتبخيرها وذلك له محل مفرد يذكر فيه، وقد كتبت في ذلك جزءًا على حدة، ولله الحمد والمنّة، ونحن بعون الله تعالى نذكر ها هنا طرفًا من ذلك، إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان؛ فعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من بنى مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة"، أخرجاه في الصحيحين ¬صحيح البخاري، الصلاة، باب من بنى مسجدًا (ح 450)، وصحيح مسلم، المساجد، باب فضل بناء المساجد والحث عليها (ح 533).¥.
وروى ابن ماجه عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من بنى مسجدًا يذكر فيه اسم الله بنى الله له بيتًا في الجنة" ¬سنن ابن ماجه، المساجد، باب من بنى مسجدًا (ح 735)، وسنن النسائي، المساجد، باب الفضل في بناء المساجد 2/ 31، وسند ابن ماجه منقطع؛ لأنه رواه من طريق عثمان بن عبد الله عن عمر، وعثمان لم يسمع من عمر (ينظر: مصباح الزجاجة 1/ 260)، ويشهد له حديث عمرو بن عنبسة والحديث السابق.¥، وللنسائي عن عمرو بن عنبسة مثله ¬سنن النسائي، المساجد، باب الفضل في بناء المساجد 2/ 31.¥، والأحاديث في هذا كثيرة جدًا.
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب. رواه أحمد وأهل السنن إلا النسائي ¬(المسند 43/ 397 ح 26386)، وصححه محققوه بشواهده، وسنن أبي داود، الصلاة، باب اتخاذ المساجد في الدور (ح 455)، وسنن الترمذي، أبواب السفر، باب ما ذكر في تطييب المساجد (ح 594) وسنن ابن ماجه، المساجد، باب تطهير المساجد وتطييبها (ح 758)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 436).¥، ولأحمد وأبي داود عن سَمُرة بن جندب نحوه ¬(المسند 5/ 17)، وسنن أبي داود، الباب السابق (ح 456)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 437).¥.
وقال البخاري: قال عمر: ابنِ للناس ما يكنُّهم، وإياكَ أن تحمِّر أو تصفِّر فتفتن الناس ¬صحيح البخاري، الصلاة، باب بنيان المسجد بعد حديث 445.¥.
وروى ابن ماجه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم" وفي إسناده ضعف ¬سنن ابن ماجه، المساجد، باب تشييد المساجد (ح 741)، وسنده موضوع؛ لأن فيه جبارة بن المغلس وهو كذاب.¥.
وروى أبو داود، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما أمرت بتشييد المساجد" قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى ¬سنن أبي داود، الصلاة، باب في بناء المساجد (ح 448)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 431).¥.
وعن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد". رواه أحمد وأهل السنن إلا الترمذي ¬(المسند 3/ 134)، وسنن أبي داود، الصلاة، باب ما جاء في المساجد (ح 449)، وسنن النسائي، المساجد، باب المباهاة في المساجد 2/ 32، وسنن ابن ماجه، المساجد، باب تشييد المساجد (ح 739)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 432).¥.
وعن بُريدة: أن رجلًا أنشد في المسجد فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له" رواه مسلم ¬صحيح مسلم، المساجد، باب النهي عن نشد الضالة في المسجد (ح 569).¥.
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن البيع والابتياع وعن تناشد الأشعار في المساجد. رواه أحمد وأهل السنن وقال الترمذي: حسن ¬المسند 2/ 179، وسنن أبي داود، الصلاة، باب التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة (ح 1079)، وسنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في كراهية البيع والشراء ... (ح 322)، وسنن النسائي، المساجد، باب النهي عن البيع والشراء في المسجد 2/ 47، وسنن ابن ماجه، المساجد والجماعات (ح 749)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 956).¥.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالَّة في المسجد فقولوا: لا ردَّ الله عليك". رواه الترمذي وقال: حسن غريب ¬سنن الترمذي، أبواب البيوع، باب النهي عن البيع في المسجد (ح 1321)، ويشهد له حديث بريدة - رضي الله عنه - المتقدم في صحيح مسلم.¥.
وقد روى ابن ماجه وغيره من حديث ابن عمر مرفوعًا قال: خصال لا تنبغي في المسجد: لا يتخذ طريقًا، ولا يشهر فيه سلاح، ولا ينبض ¬أي: لا يشد فيه.¥ فيه بقوس، ولا ينثر فيه نبل، ولا يمر فيه بلحم نيء، ولا يضرب فيه حدّ، ولا يقتص فيه أحد، ولا يتخذ سوقًا ¬سنن ابن ماجه، المساجد والجماعات، باب ما يكره في المساجد (ح 748)، وسنده ضعيف فيه زيد بن جبيرة وهو ضعيف كما في التقريب.¥.
وعن واثلة بن الأسقع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "جنبوا المساجد صبيانكم ومجانينكم، وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسلَّ سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها في الجمع" ¬سنن ابن ماجه، المساجد، باب ما يكره في المساجد (ح 748)، قال البوصيري: فيه زيد بن جبيرة، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ضعيف (مصباح الزجاجة 1/ 264).¥ ورواه ابن ماجه أيضًا وفي إسنادهما ضعف.
أما أنه لا يتخذ طريقًا فقد كره بعض العلماء المرور فيه إلا لحاجة إذا وجد مندوحة عنه، وفي الأثر: إن الملائكة لتتعجب من الرجل يمر بالمسجد لا يصلي فيه. وأما أنه لا يشهر فيه السلاح ولا ينبض فيه بقوس ولا ينثر فيه نبل، فلما يخشى من إصابة بعض الناس به لكثرة المصلين فيه، ولهذا أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا مرّ أحد بسهام أن يقبض على نصالها لئلا يؤذي أحدًا، كما ثبت ذلك في الصحيح ¬صحيح مسلم، البر والصلة (ح 2615).¥، وأما النهي عن المرور باللحم النيء فيه فلما يخشى من تقاطر الدم منه، كما نهيت الحائض عن المرور فيه إذا خافت التلويث، وأما أنه لا يضرب فيه حدّ أو يقتص فلما يخشى من إيجاد النجاسة فيه من المضروب أو المقطوع، وأما أنه لا يتخذ سوقًا، فلما تقدم من النهي عن البيع والشراء فيه، فإنه إنما بني لذكر الله والصلاة فيه، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد: "إن المساجد لم تبنَ لهذا، إنما بنيت لذكر الله والصلاة فيها" ثم أمر بسجل من ماء فأهريق على بوله ¬ينظر: صحيح البخاري، الوضوء، باب صبّ الماء على البول في المسجد (ح 220).¥.
وفي الحديث الثاني: "جنّبوا مساجدكم صبيانكم" وذلك لأنهم يلعبون فيه ولا يناسبهم، وقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذا رأى صبيانًا يلعبون في المسجد ضربهم بالمخفقة وهي الدُرَّة، وكان يعسُّ ¬أي: يطوف بالليل ساهرًا.¥ المسجد بعد العشاء فلا يترك فيه أحدًا.
"ومجانينكم" يعني: لأجل ضعف عقولهم وسخر الناس بهم، فيؤدي إلى اللعب فيها، ولما يخشى من تقذيرهم المسجد، ونحو ذلك.
"وبيعكم وشراءكم" كما تقدم "وخصوماتكم" يعني: التحاكم والحكم فيه، ولهذا نص كثير من العلماء على أن الحاكم لا ينتصب لفصل الأقضية في المسجد؛ بل يكون في موضع غيره لما فيه من كثرة الحكومات والتشاجر العياط ¬أي: الصراخ والصياح.¥ التي لا يُناسبه، ولهذا قال بعده: "ورفع أصواتكم".
وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا [الجعيد بن عبد الرحمن قال: حدثني يزيد بن حصيفة] ¬كذا في (ح) و (حم) وصحيح البخاري، وفي الأصل صُحفت إلى: "عبد الرحمن بن يزيد بن خصيف".¥، عن السائب بن يزيد الكندي قال: كنت قائمًا في المسجد فحصبني رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال: اذهب فائتني بهذين فجئته بهما فقال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ¬صحيح البخاري، الصلاة، باب رفع الصوت في المسجد (ح 470).¥.
وقال النسائي: حدثنا سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: سمع عمر صوت رجل في المسجد فقال: أتدري أين أنت؟ ¬ينظر: تحفة الأشراف 8/ 4، وصححه الحافظ ابن كثير.¥. وهذا أيضًا صحيح.
وقوله: "إقامة حدودكم وسلّ سيوفكم" تقدما.
وقوله: "واتخذوا على أبوابها المطاهر" يعني: المراحيض التي يستعان بها على الوضوء وقضاء الحاجة. وقد كانت قريبًا من مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آبار يستقون منها فيشربون ويتطهرون ويتوضؤون وغير ذلك.
وقوله: "وجمروها في الجمع" يعني: بخروها في أيام الجمع لكثرة اجتماع الناس يومئذٍ.
وقد قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبيد الله، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن عمر كان يجمر مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل جمعة ¬أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند 1/ 170 ح 1190)، وضعفه محققه لضعف عبد الله بن عمر العمري، ونقل عن الهيثمي أنه مختلف فيه (مجمع الزوائد 2/ 11)، وحسنه الحافظ ابن كثير.¥. إسناده حسن لا بأس به، والله أعلم.
وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن وضوءه ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحطَّ عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تَزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللَّهم صلِّ عليه، اللَّهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة" ¬صحيح البخاري، الأذان، باب فضل صلاة الجماعة (ح 647)، وصحيح مسلم، المساجد، باب فضل صلاة الجماعة (ح 649).¥.
وعند الدار قطني مرفوعًا: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" ¬أخرجه الدار قطني بسند فيه سليمان بن داود اليمامي (السنن، الصلاة، باب الحث لجار المسجد على الصلاة فيه إلا من عذر 1/ 420)، وسنده ضعيف لضعف سليمان (ينظر: العلل المتناهية لابن الجوزي ح 693)، وأخرجه الحاكم من طريق سليمان بن داود به (المستدرك 1/ 246)، وأخرجه الدار قطني من حديث جابر - رضي الله عنه - وفي سنده محمد بن مسكين (المصدر السابق)، وقال الذهبي: محمد بن مسكين لا يعرف وخبره منكر (ميزان الاعتدال 3/ 567).¥.
وفي السنن: "بشر المشّائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة" ¬سنن أبي داود، الصلاة، باب ما جاء في المشي إلى الصلاة في الظلم (ح 561)، وسنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في فضل العشاء والفجر في الجماعة (ح 223)، وسنن ابن ماجه، المساجد، باب المشي إلى الصلاة (ح 779)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح 632).¥.
ويستحب لمن دخل المسجد أن يبدأ برجله اليمنى وأن يقول، كما ثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان إذا دخل المسجد يقول: "أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم" قال: "فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم" ¬أخرجه أبو داود وليس البخاري (السنن، الصلاة، باب ما يقول الرجل عند دخوله المسجد ح 466)،
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 441).¥.
وروى مسلم بسنده عن أبي حميد أو أبي أُسيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللَّهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فليقل: اللَّهم إني أسألك فضلك" ¬صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب ما يقول إذا دخل المسجد (ح 713).¥، ورواه النسائي عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وليقل: اللَّهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فليسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وليقل: اللَّهم اعصمني من الشيطان الرجيم". ورواه ابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما ¬سنن النسائي، المساجد، باب القول عند دخول المسجد 2/ 53، وسنن ابن ماجه، المساجد، باب الدعاء عند دخول المسجد (ح 772)، وصحيح ابن خزيمة (ح 452)، والإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (ح 2048)، وصححه البوصيري (مصباح الزجاجه 1/ 97)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح 627)، وأخرجه الحاكم وصححه و وافقه الذهبي (المستدرك 1/ 207).¥.
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا ليث بن أبي سليم، عن عبد الله بن حسين، عن أُمه فاطمة بنت حسين، عن جدتها فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل المسجد - صلى الله عليه وسلم - صلى على محمد وسلّم ثم قال: "اللَّهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك" وإذا خرج صلى على محمد وسلّم ثم قال: "اللَّهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 44/ 13 ح 26416)، وقال محققوه: صحيح لغيره، دون قوله: "اللهم اغفر لي ذنوبي" فحسن.¥. ورواه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي، هذا حديث حسن، وإسناده ليس بمتصل؛ لأن فاطمة بنت حسين الصغرى لم تدرك فاطمة الكبرى ¬سنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء ما يقول عند دخوله المسجد (ح 314)، وسنن ابن ماجه، المساجد، باب الدعاء عند دخول المسجد (ح 771)، وحسنه الحافظ ابن حجر (نتائج الأفكار 1/ 284)، ويشهد له حديث مسلم عن أبي أُسيد أو أبي حميد المتقدم.¥، فهذا الذي ذكرناه مع ما تركناه من الأحاديث الواردة في ذلك كله لحال الطول، داخل في قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ}.
وقوله: {وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} أي: اسم الله، كقوله: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31]، وقوله: {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [الأعراف: 29]، وقوله: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18)} [الجن]، [وقوله تعالى: {وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}] ¬كذا في (ح) و (حم)، وفي الأصل سقط.¥ قال ابن عباس: يعني فيها يتلى كتابه ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.¥.
وقوله تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} أي: في البكرات والعشيات. والآصال: جمع أصيل، وهو آخر النهار.
وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كل تسبيح في القرآن هو الصلاة ¬أخرجه الفريابي من طريق عمار الدهني عن سعيد بن جبير به (ينظر: تغليق التعليق 4/ 239)، وسنده حسن، وأخرجه الطبري من طريق عمار به.¥.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني بالغدوّ: صلاة الغداة، ويعني بالآصال: صلاة العصر، وهما أول ما افترض الله من الصلاة فأحب أن يذكرهما وأن يذكر بهما عباده ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.¥. وكذا قال الحسن والضحاك: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} يعني: الصلاة، ومن قرأ من القراء {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} بفتح الباء ¬قول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن، وقول الضحاك أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.¥ من "يسبح" ¬قراءة متواترة.¥ على أنه مبني لما لم يسم فاعله وقف على قوله: {وَالْآصَالِ} وقفًا تامًا وابتدأ بقوله: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} وكأنه مفسر للفاعل المحذوف، كما قال الشاعر:
ليبكَ يزيد ضارع ¬أي: ذليل.¥ لخصومة ... ومختبطٌ مما تطيح الطوائح ¬ذكره ابن هشام في مغني اللبيب 2/ 648.¥
كأنه قال: من يبكيه؟ قال: هذا يبكيه؟ وكأنه قيل: من يسبح له فيها؟ قال: رجال. وأما على قراءة من قرأ {يُسَبِّحُ} بكسر الباء فجعله فعلًا وفاعله {رِجَالٌ} فلا يحسن الوقف إلا على الفاعل؛ لأنه تمام الكلام فقوله تعالى: {رِجَالٌ} فيه إشعار بهممهم السامية ونياتهم وعزائمهم العالية التي بها صاروا عمّارًا للمساجد التي هي بيوت الله في أرضه ومواطن عبادته وشكره وتوحيده وتنزيهه ، كما قال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23]، وأما النساء فصلاتهن في بيوتهن أفضل لهن، لما رواه أبو داود عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها ¬أي: صحن الدار الذي تكون أبواب البيوت إليها.¥، وصلاتها في مخدعها ¬أي: البيت الصغير الذي يكون داخل البيت يحفظ فيه الأمتعة النفيسة.¥ أفضل من صلاتها في بيتها" ¬سنن أبي داود، الصلاة، باب التشديد في ذلك (ح 580)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 533).¥.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين، حدثني عمرو، عن أبي السمح، عن السائب مولى أُم سلمة، عن أُم سلمة - رضي الله عنها -، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "خير مساجد النساء قعر بيوتهن" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 44/ 164 ح 26542)، وحسن سنده محققوه بالشواهد.¥.
وقال أحمد أيضًا: حدثنا هارون، أخبرني عبد الله بن وهب، حدثنا داود بن قيس، عن عبد الله بن سويد الأنصاري، عن عمته أُم حميد امرأة أبي حميد الساعدي أنها جاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك. قال: "قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي" قال: فأمرت فبني لها مسجد في أقصى بيت من بيوتها وأظلمه فكانت واللهِ تصلي فيه حتى لقيت الله تعالى ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 44/ 37 ح 27090)، وحسن سنده محققوه، وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن سويد الأنصاري وثقه ابن حبان (مجمع الزوائد 2/ 33، 34)، وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري 2/ 350).¥. لم يخرجوه.
هذا ويجوز لها شهود جماعة الرجال بشرط أن لا تؤذي أحدًا من الرجال بظهور زينة ولا ريح طيب، كما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" رواه البخاري ومسلم ¬صحيح البخاري، الجمعة، باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل من النساء والصبيان؟ (ح 900)، وصحيح مسلم، الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد ... (ح 442).¥، ولأحمد وأبي داود: "وبيوتهن خير لهن" ¬المسند 2/ 76، وسنن أبي داود، الصلاة، باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد (ح 567)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 530).¥. وفي رواية: "وليخرجن وهن تفلات" ¬المصدر السابق (ح 565)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 529).¥؛ أي: لا ريح لهن.
وقد ثبت في صحيح مسلم، عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبًا" ¬صحيح مسلم، الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد (ح 443).¥.
وفي الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: كان نساء المؤمنين يشهدن الفجر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم يرجعن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس ¬صحيح البخاري، مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة الفجر (ح 578)، وصحيح مسلم، المساجد، باب استحباب التبكير بالصبح (ح 645).¥.
وفي الصحيحين عنها أيضًا أنها قالت: لو أدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أحدث النساء لمنعهن من المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل ¬صحيح البخاري، الأذان، باب انتظار الناس قيام الإمام (ح 869)، وصحيح مسلم، الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد (ح 445).¥.