تفسير ابن كثير
{قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ(27)}
قال: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} أي: طلب إليه هذا الرجل الشيخ الكبير أن يرعى غنمه ويزوجه إحدى ابنتيه هاتين.
قال شعيب الجبائي: وهما صفوريا وليا ¬أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود ولقبه: سُنيد وهو ضعيف.¥.
وقال محمد بن إسحاق: صفورا وشرفا، ويقال: ليا ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق.¥.
وقد استدل أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية على صحة البيع فيما إذا قال بعتك أحد هذين العبدين بمائة، فقال: اشتريت، أنه يصح، والله أعلم.
وقوله: {عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ} أي: على أن ترعى غنمي ثماني سنين، فإن تبرعت بزيادة سنتين فهو إليك، وإلا ففي الثمان كفاية {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} أي: لا أشاقك ولا أؤذيك ولا أماريك، وقد استدلوا بهذه الآية الكريمة لمذهب الأوزاعي فيما إذا قال: بعتك هذا بعشرة نقدًا أو بعشرين نسيئة أنه يصح، ويختار المشتري بأيهما أخذه صح، وحمل الحديث المروي في سنن أبي داود: "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما ¬الوكس هو: هو النقص، ومعنى أوكسهما أي: أنقصهما.¥ أو الربا" ¬أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - (السنن، البيوع، باب فيمن باع بيعتين ح 3461)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 2955).¥ على هذا المذهب، وفي الاستدلال بهذه الآية وهذا الحديث على هذا المذهب نظر ليس هذا موضع بسطه لطوله، والله أعلم.
ثم قد استدل أصحاب الإمام أحمد ومن تبعهم في صحة استئجار الأجير بالطعمة والكسوة، بهذه الآية، واستأنسوا في ذلك بما رواه أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في كتابه السنن حيث قال: باب استئجار الأجير على طعام بطنه، حدثنا محمد بن الحمصي، حدثنا بَقية بن الوليد، عن مسلمة بن علي، عن سعيد بن أبي أيوب، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح قال: سمعت عتبة بن [النُّدَّر] ¬كذا في سنن ابن ماجه وفي النسخ الخطية صحف إلى: "المنذر".¥ السُّلمي يقول: كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأ طسم حتى إذا بلغ قصة موسى قال: "إن موسى آجر نفسه ثماني سنين أو عشر سنين على عِفَّة فرجه وطعام بطنه" ¬أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الرهون، باب إجارة الأجير على طعام بطنه ح 2444)، وسنده
ضعيف جدًا لأن مسلمة بن علي متروك (التقريب ص 530)، وفيه بقية لم يصرح بالسماع، وضعفه الحافظ ابن كثير، ولكنه يتقوى برواية البخاري التالية.¥.
وهذا الحديث من هذا الوجه ضعيف، لأن مسلمة بن علي وهو: الخشني الدمشقي البلاطي ضعيف الرواية عند الأئمة، ولكن قد روي من وجه آخر، وفيه نظر أيضًا.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن علي بن رباح اللخمي قال: سمعت عتبة بن الندّر السلمي صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن موسى -عليه السلام- آجر نفسه بعفة فرجه وطعمة بطنه" ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وأطول، وفي سنده ابن لهيعة فيه مقال.¥.