تفسير ابن كثير
{فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143)}
وقوله: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144)} قيل: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء قاله الضحاك بن قيس وأبو العالية ووهب بن منبه وقتادة ¬قول الضحاك بن قيس أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف 13/ 375)، والطبري كلاهما من طريق جعفر عن ميمون بن مهران عنه، وجعفر لم يتبين لي من هو، وقول أبي العالية أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.¥ وغير واحد، واختاره ابن جرير، وقد ورد في الحديث الذي سنورده إن شاء الله تعالى ما يدل على ذلك إن صحَّ الخبر، وفي حديث ابن عباس: "تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة" ¬أخرجه الإمام أحمد بلفظه وأطول (المسند 5/ 19 ح 2803)، وصحح سنده محققوه. وهو حسن الإسناد.¥.
وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك وعطاء بن السائب والسدي والحسن وقتادة: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143)} يعني: المصلين ¬قول ابن عباس أخرجه عبد الرزاق والبُستي والطبري بسند حسن من طريق أبي رزين عنه، وقول سعيد بن جبير، أخرجه الطبري من طريق أبي الهيثم عنه ويشهد له سابقه ولاحقه، وقول السدي، أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول الحسن، أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عمران القطان عنه.¥، وصرح بعضهم بأنه كان من المصلين قبل ذلك، وقال بعضهم: كان من المسبحين في جوف أبويه، وقيل: المراد {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143)} هو قوله: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)} [الأنبياء]، قاله سعيد بن جبير ¬ينظر تفسير سورة الأنبياء آية 87، 88.¥ وغيره.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي بن وهب، حدثنا عمي، حدثنا أبو صخر، أن يزيد الرقاشي حدثه أنه سمع أنس بن مالك - رضي الله عنه -، ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن يونس النبي عليه الصلاة والسلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت فقال: اللَّهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فأقبلت الدعوة تحفُّ بالعرش، قالت الملائكة: يا ربِّ هذا صوت ضعيف معروف من بلاد بعيدة غريبة، فقال الله تعالى: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: يا ربِّ ومن هو؟ قال: عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مستجابة. قالوا: يا ربِّ أولا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه في البلاء، قال: بلى فأمر الحوت فطرحه بالعراء" ¬تقدم تخريجه في تفسير الأنبياء آية 87، 88.¥ ورواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب به، زاد ابن أبي حاتم قال أبو صخر حُميد بن زياد: فأخبرني ابن قُسَيط وأنا أحدثه هذا الحديث أنه سمع أبا هريرة - رضي الله عنه - يقول: طرح بالعراء وأنبت الله عليه اليقطينة قلنا: يا أبا هريرة وما اليقطينة؟ قال: شجرة الدباء. قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: وهيأ الله له أروية وحشية تأكل من حشائش الأرض، قال فتتفشح عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى [نبت] ¬كذا في (حم) و (مح)، وفي الأصل صحف إلى: "ثبت".¥ وقال أُمية بن أبي الصلت في ذلك بيتًا من شعره وهو:
فأنبت يقطينًا عليه برحمة ... من الله لولا الله ألقى ضاحيا ¬أخرجه الطبري من طريق ابن وهب عن أبي صخر به، وأخرجه عبد الرزاق عن أبي صخر به، وسنده حسن.¥
وقد تقدم حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مسندًا مرفوعًا في تفسير سورة الأنبياء ¬تقدم في سورة الأنبياء آية 87، 88، ولكن بدون ذكر الشعر وبلفظ آخر.¥، ولهذا قال تعالى: {فَنَبَذْنَاهُ}.