تفسير ابن كثير
{فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89)}
فقال: {إِنِّي سَقِيمٌ} أي: ضعيف، فأما الحديث الذي رواه ابن جرير ههنا، حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أُسامة، حدثني هشام، عن محمد، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لم يكذب إبراهيم عليه الصلاة والسلام غير ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله تعالى ¬تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنبياء آية رقم 62 - 63.¥. وقوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63] وقوله في سارة: هي أُختي" فهو حديث مخرج في الصحاح والسنن من طرق ولكن ليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يذمُّ فاعله حاشا وكلَّا ولمّا، وإنما أطلق الكذب على هذا تجوزًا وإنما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني كما جاء في الحديث: "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" ¬ذكره البخاري في صحيحه في كتاب الأدب مبوبًا بعنوان: باب المعاريض مندوحة عن الكذب، وقد صح موقوفًا على عمران بن الحصين (ينظر السنن الكبرى للبيهقي 10/ 199 وفتح الباري 10/ 594).¥.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كلمات إبراهيم عليه الصلاة والسلام الثلاث التي قال ما منها كلمة إلا ما حلَّ بها عن دين الله تعالى: {فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89)} وقال: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63] وقال للملك: حين أراد امرأته هي أختي" ¬أخرجه البستي عن ابن أبي عمر العدني به، وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان.¥.
قال سفيان في قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} يعني: طعين وكانوا يفرون من المطعون فأراد أن يخلو بآلهتهم ¬أخرجه البستي عن ابن أبي عمر عن سفيان، وسنده صحيح.¥، وكذا قال العوفي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: في قوله تعالى: {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89)} فقالوا له: وهو في بيت آلهتهم: أخرج فقال إني مطعون فتركوه مخافة الطاعون ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به.¥.
وقال قتادة، عن سعيد بن المسيب: رأى نجمًا طلع فقال: {إِنِّي سَقِيمٌ} كايد نبي الله عن دينه {فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89)} ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به.¥.
وقال آخرون: {فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89)} بالنسبة إلى ما يستقبل يعني مرض الموت ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه مجهولان عن سعيد بن جبير بنحوه.¥، وقيل: أراد {إِنِّي سَقِيمٌ} أي: مريض القلب من عبادتكم الأوثان من دون الله تعالى.
وقال الحسن البصري: خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم فأرادوه على الخروج فاضطجع على ظهره وقال: {إِنِّي سَقِيمٌ} وجعل ينظر في السماء فلما خرجوا أقبل إلى آلهتهم فكسرها ¬عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥. ورواه ابن أبي حاتم، ولهذا قال تعالى: {فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90)}.