تفسير هذه الآية

السورة 5 : الآية 107

السورة 5 : الآية 107

فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْمًا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْأَوْلَيَـٰنِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَـٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَـٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّآ إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ

تفسير ابن كثير

فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107)

ثم قال تعالى: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا} أي: فإن اشتهر وظهر وتحقق من الشاهدين الوصيين أنهما خانا أو غلَّا شيئًا من المال الموصى به إليهما، وظهر عليهما بذلك {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ} هذه قراءة الجمهور وروي عن علي وابي والحسن البصرى أنهم قرؤوها {اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلِيَانِ} ¬وهاتان قراءتان متواترتان "بضم التاء وفتحها".¥.

وروى الحاكم في المستدرك من طريق إسحاق بن محمد الفروي، عن سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ {مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ}، ثم قال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه ¬أي بالرفع "الأوليان" ووافقه الذهبي (المستدرك 2/ 237).¥. وقرأ بعضهم ومنهم ابن عباس {من الذين استحق عليهم الأولين} ¬وكلا القراءتين متواترة بالرفع {الأَوْلَيَانُ} وبالنصب {الأَوْلَيَانَ}.¥. وقرأ الحسن {من الذين استحق عليهم الأولان} حكاه ابن جرير ¬ذكره الطبري معلقًا والقراءة شاذة.¥، فعلى قراءة الجمهور يكون المعنى بذلك أي متى تحقق ذلك بالخبر الصحيح على خيانتهما، فليقم اثنان من الورثة المستحقين للتركة، وليكونا من أولى من يرث ذلك المال {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا} أي: لقولنا أنهما خانا، أحق وأصح وأثبت من شهادتهما المتقدمة {وَمَا اعْتَدَيْنَا} أي: فيما قلنا فيهما من الخيانة.

{إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} أي: إن كنا قد كذبنا عليهما، وهذا التحليف للورثة والرجوع إلى قولهما والحالة هذه، كما يحلف أولياء المقتول إذا ظهر لوث في جانب القاتل، فيقسم المستحقون على القاتل فيدفع برمته إليهم كما هو مقرر في باب القسامة من الأحكام.

وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن زياد، حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن [أبي النضر] ¬كذا في (مح) وتفسير ابن أبي حاتم وهو محمد بن السائب الكلبي كما قرر الحافظ ابن كثير وفي الأصل: "النضر".¥، عن باذان - يعني أبا صالح مولى أُم هانئ بنت أبي طالب -، عن ابن عباس، عن تميم الداري في هذه الآية {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} قال: برئ الناس منها غيري وغير عَدي بن بدّاء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام لتجارتهما، وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له بُديل بن أبي مريم بتجارة، معه جام من فضة يريد به الملك، وهو أعظم تجارته، فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله. قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم، واقتسمناه أنا وعدي، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام، فسألونا عنه، قلنا: ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره. قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، تأثمت من ذلك، فأتيت أهله، فأخبرتهم الخبر، ودفعت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فوثبوا عليه، فأمرهم النبي أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف، فنزلت {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} إلى قوله: {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا} فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم، فحلفا، فنزعت الخمسمائة من عَدي بن بدّاء ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده ضعيف كما قرر الترمذي. وأصل هذه القصة وردت في صحيح البخاري كما سيأتي.¥.

وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي وابن جرير، كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق به، فذكره، وعنده: فأتوا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألهم البينة، فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: {أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا، فنزعت الخمسمائة من عَدي بن بدّاء، ثم قال: هذا حديث غريب، وليس إسناده بصحيح، وأبو النضر الذي روى عنه محمد بن إسحاق هذا الحديث، هو عندي محمد بن السائب الكلبي، يكنى أبا النضر، وقد تركه أهل العلم بالحديث، وهو صاحب التفسير، سمعت محمد بن إسماعيل يقول: محمد بن السائب الكلبي يكنى أبا النضر، ثم قال: ولا نعرف لأبي النضر رواية عن أبي صالح مولى أم هانئ ¬أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه. (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة ح 3059)، وأخرجه البخاري عن علي بن عبد الله عن يحيى بن آدم عن ابن أبي زائدة به (الصحيح، الوصايا، باب قول الله عز وجل: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ} [المائدة: 106]).¥، وقد روي عن ابن عباس شيء من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه، حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن أبي زائدة، عن محمد بن أبي القاسم، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعَدي بن بَدّاء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته، فقدوا جامًا من فضة مخوّصًا بالذهب، فأحلفهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ووجد الجام بمكة، فقيل: اشتريناه من تميم وعَدي، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأن الجام لصاحبهم، وفيهم نزلت {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} الآية، وكذا رواه أبو داود عن الحسن بن علي، عن يحيى بن آدم به، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وهو حديث ابن أبي زائدة ¬أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (المصدر السابق ح 3060)، وفي سنده سفيان بن وكيع: ضعيف وقد توبع فقد أخرجه البخاري عن علي بن عبد الله المديني، عن يحيى بن آدم به (الصحيح، كتاب الوصايا، باب قول الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ. . .} [المائدة: 106] ح 2780)، وحسنه علي بن المديني كما نقله المزي في (تهذيب الكمال 18/ 312)، ولم يقف الحافظ ابن كثير على رواية البخاري لأنه حاول تخريجه من مصادر كثيرة وطرق غزيرة.¥، وأحمد بن أبي القاسم الكوفي، قيل: إنه صالح الحديث. وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من التابعين منهم عكرمة ومحمد بن سيرين وقتادة، وذكروا أن التحليف كان بعد صلاة العصر، رواه ابن جرير، وكذا ذكرها مرسلة مجاهد والحسن والضحاك ¬وهذه المراسيل يقوي بعضها بعضًا.¥، وهذا يدل على اشتهارها في السلف وصحتها، ومن الشواهد لصحة هذه القصة أيضًا ما رواه أبو جعفر بن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا هشيم قال: أخبرنا زكريا، عن الشعبي أن رجلًا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا هذه، قال: فحضرته الوفاة ولم يجد أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، قال: فقدما الكوفة، فأتيا الأشعري يعني أبا موسى الأشعري - رضي الله عنه -، فأخبراه، وقدما الكوفة بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا، ولا كذبا، ولا بدلا، ولا كتما، ولا غيرا، وأنها لوصية الرجل وتركته. قال: فأمضى شهادتهما.

ثم رواه عن عمرو بن علي الفلاس، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن مغيرة الأزرق، عن الشعبي أن أبا موسى قضى بدقوقا، وهذان إسنادان صحيحان إلى الشعبي، عن أبي موسى الأشعري ¬أخرجه الطبري بطريقيه ومتنه وسنده صحيح لكنه مرسل ويتقوى بما سبق.¥، فقوله: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظاهر - والله أعلم - أنه إنما أراد بذلك قصة تميم وعدي بن بَدّاء، وقد ذكروا أن إسلام تميم بن أوس الداري - رضي الله عنه -، كان سنة تسع من الهجرة، فعلى هذا يكون هذا الحكم متأخرًا يحتاج مدعي نسخه إلى دليل فاصل في هذا المقام، والله أعلم.

وقال أسباط، عن السدي في الآية {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} قال: هذا في الوصية عند الموت، يوصي ويشهد رجلين من المسلمين على ماله وما عليه، قال: هذا في الحضر {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} في السفر {إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ} هذا الرجل يدركه الموت في سفره، وليس بحضرته أحد من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس، فيوصي إليهما ويدفع إليهما ميراثه، فيقبلان به، فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا ما لصاحبهم، تركوهما، وإن ارتابوا، رفعوهما إلى السلطان، فذلك قوله تعالى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ} قال عبد الله بن عباس - رضي الله عنه -: كأني انظر إلى العلجين حتى انتهى بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره، ففتح الصحيفة، فأنكر أهل الميت وخوفوهما، فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر، فقلت: إنهما لا يباليان صلاة العصر، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما، فيوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما فيحلفان بالله لا نشتري به ثمنًا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله إنا إذًا لمن الآثمين، أن صاحبهم بهذا أوصى، وأن هذه لتركته، فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: إنكما إن كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما، ولم تجز لكما شهادة وعاقبتكما، فإذا قال لهما ذلك فإن {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا} رواه ابن ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده ضعيف للانقطاع بين السدي وابن عباس فإنه لم يسمع من ابن عباس ويشهد لمعظمه سوابقه من الصحيح وغيره.¥ جرير.

وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا هشيم، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم وسعيد بن جبير أنهما قالا في هذه الآية {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} الآية، قالا: إذا حضر الرجل الوفاة في سفر فليشهد رجلين من المسلمين، فإن لم يجد رجلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب، فإذا قدما بتركته فإن صدقهما الورثة قبل قولهما، وإن اتهموهما حلفا بعد صلاة العصر بالله ما كتمنا ولا كذبنا ولا خنا ولا غيرنا ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده ضعيف ومرسل ويشهد له سابقه ولاحقه.¥.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: فإن ارتيب في شهادتهما استحلفا بعد العصر: بالله ما اشترينا بشهادتنا ثمنًا قليلًا، فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما قام رجلان من الأولياء فحلفا: بالله أن شهادة الكافرين باطلة وأنا لم نعتد، فذلك قوله تعالى: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا} يقول: إن اطلع على أن الكافرين كذبا {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا} يقول من الأولياء فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة، وأنا لم نعتد، فترد شهادة الكافرين وتجوز شهادة الأولياء. وهكذا روى العوفي عن ابن عباس، رواهما ابن جرير ¬أخرجه الطبري من الطريقين بمتنه، ورواية ابن أبي طلحة تقوي رواية العوفي.¥، وهكذا قرر هذا الحكم على مقتضى هذه الآية غير واحد من أئمة التابعين والسلف - رضي الله عنهم -، وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

تفاسير بلغات أخرى · 6