تفسير هذه الآية

السورة 5 : الآية 118

السورة 5 : الآية 118

إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

تفسير ابن كثير

إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)

وقوله: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)} هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى الله عز وجل، فإنه الفعال لما يشاء، الذي لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، ويتضمن التبري من النصارى الذين كذبوا على الله وعلى رسوله، وجعلوا لله ندًا وصاحبة وولدًا، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، وهذه الآية لها شأن عظيم، ونبأ عجيب، وقد ورد في الحديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام بها ليلة حتى الصباح يرددها ¬وهو حديث حسن كما سيأتي.¥.

قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل، حدثني فليت العامري، [عن جسرة العامرية] ¬كذا في (مح) ومسند أحمد وسقط من الأصل.¥، عن أبي ذر - رضي الله عنه -، قال: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة، فقرأ بآية حتى أصبح، يركع بها ويسجد بها {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)} فلما أصبح، قلت: يا رسول الله ما زلت تقرأ هذه الآية، حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها؟ قال: "إني سألت ربي عز وجل الشفاعة لأمتي فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئًا" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وحسنه محققوه (المسند 35/ 256، 257 ح 21328)، وأخرجه ابن ماجه (السنن، إقامة الصلاة، باب ما جاء في القراءة في صلاة الليل ح 1350)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 1/ 241)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح 1110) وصححه البوصيري في مصباح الزجاجة.¥.

(طريق أخرى وسياق آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، حدثنا قدامة بن عبد الله، حدثتني جسرة بنت دجاجة أنها انطلقت معتمرة، فانتهت إلى الربَذة ¬مُعنقا: قال السندي: اسم فاعل من الإعناق. . . والاسم منه العَنَق، وهو نوع من السير سريع.¥، فسمعت أبا ذر يقول: قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة من الليالي في صلاة العشاء، فصلى بالقوم، ثم تخلف أصحاب له يصلون، فلما رأى قيامهم وتخلفهم، انصرف إلى رحله، فلما رأى القوم قد أخلوا المكان، رجع إلى مكانه يصلي، فجئت فقمت خلفه، فأومأ إليّ بيمينه، فقمت عن يمينه، ثم جاء ابن مسعود فقام خلفي وخلفه، فأومأ إليه بشماله فقام عن شماله، فقمنا ثلاثتنا. يصلي كل واحد منا بنفسه، ونتلو من القرآن ما شاء الله أن نتلو، وقام بآية من القرآن يرددها حتى صلى الغداة، فلما أصبحنا أومأت إلى عبد الله بن مسعود، أن سله ما أراد إلى ما صنع البارحة، فقال ابن مسعود بيده: لا أسأله عن شيء، حتى يحدث إليّ، فقلت: بأبي وأمي، قمت بآية من القرآن ومعك القرآن! لو فعل هذا بعضنا لوجدنا عليه، قال: "دعوت لأمتي"، قلت: فماذا أجبت أو ماذا رد عليك؟ قال: "أجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم طلعة تركوا الصلاة" قلت: أفلا أبشر الناس؟ قال: "بلى" فانطلقت مُعنقًا ¬مُعنقا: قال السندي: اسم فاعل من الإعناق. . . والاسم منه العَنَق، وهو نوع من السير سريع.¥، قريبًا من قذفة بحجر، فقال عمر: يا رسول الله إنك إن تبعث إلى الناس بهذا نكلوا عن العبادات، فناداه أن "ارجع" فرجع، وتلك الآية {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)} ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وحسنه محققوه (المسند 35/ 390 ح 21495).¥.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكر بن سوادة حدثه، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تلا قول عيسى: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)} فرفع يديه، فقال: "اللهم أمتي" وبكى، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فسأله ما يبكيه، فأتاه جبريل فسأله، فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه مسلم بسنده نحوه (الصحيح، الإيمان، باب دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته. . . ح 202).¥.

وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن قال: حدثنا ابن لهيعة، حدثنا ابن هبيرة، أنه سمع أبا تميم الجيشاني يقول: حدثني سعيد بن المسيب، سمعت حذيفة بن اليمان يقول: غاب عنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا، فلم يخرج حتى ظننا أن لن يخرج، فلما خرج سجد سجدة ظننا أن نفسه قد قبضت فيها، فلما رفع رأسه قال: "إن ربي عز وجل استشارني في أمتي ماذا أفعل بهم؟ فقلت: ما شئت أي رب، هم خلقك وعبادك، فاستشارني الثانية فقلت له كذلك، فقال لي: لا أخزيك في أمتك يا محمد، وبشرني أن أول من يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا، مع كل ألف سبعون ألفًا ليس عليهم حساب. ثم أرسل إليّ فقال: ادع تجب وسل تعط، فقلت لرسوله: أَوَ معطيّ ربي سؤلي؟ فقال: ما أرسلني إليك إلا ليعطيك، ولقد أعطاني ربي ولا فخر، وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وأنا أمشي حيًا صحيحًا، وأعطاني أن لا تجوع أمتي ولا تغلب، وأعطاني الكوثر، وهو نهر في الجنة يسيل في حوضي، وأعطاني العز والنصر والرعب يسعى بين يدي أمتي شهرًا، وأعطاني أني أول الأنبياء يدخل الجنة، وطيب لي ولأمتي الغنيمة، وأحلّ لنا كثيرًا مما شدّد على من قبلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 38/ 361 - 362 ح 23336)، وضعفه محققوه بسبب ابن لهيعة، وذكروا لبعضه شواهد.¥.

تفاسير بلغات أخرى · 6