تفسير ابن كثير
{وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12)}.
لما أمر تعالى عباده المؤمنين بالوفاء بعهده وميثاقه الذي أخذه عليهم على لسان عبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأمرهم بالقيام بالحق، والشهادة بالعدل، وذكرهم نعمه عليهم الظاهرة والباطنة فيما هداهم له من الحق والهدى، شرع يبين لهم كيف أخذ العهود والمواثيق على من كان قبلهم من أهل الكتابين: اليهود والنصارى، فلما نقضوا عهوده ومواثيقه أعقبهم ذلك لعنًا منه لهم، وطردًا عن بابه وجنابه، وحجابًا لقلوبهم عن الوصول إلى الهدى ودين الحق، وهو العلم النافع، والعمل الصالح، فقال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا} يعني: عرفاء على قبائلهم بالمبايعة والسمع والطاعة لله ولرسوله ولكتابه.
وقد ذكر ابن عباس وابن إسحاق وغير واحد أن هذا كان لما توجه موسى - عليه السلام - لقتال الجبابرة، فأمر بأن يقيم نقباء من كل سبط نقيب، قال محمد بن إسحاق: فكان من سبط [روبيل] ¬كذا في (حم) و (مح)، وفي الأصل: "روميل"، وهو تصحيف.¥: شامون بن ركون، ومن سبط شمعون: شافاط بن حُرّي، ومن سبط يهوذا: كالب بن يوفنا، ومن سبط أتين: ميخائيل بن يوسف، ومن سبط يوسف - وهو: سبط إفرايم -: يوشع بن نون، ومن سبط بنيامين: فلطم بن دفون، ومن سبط زبولون: جدي بن شورى، ومن سبط منشأ بن يوسف: جدي بن سوسى، ومن سبط دان: حملائيل بن جمل، ومن سبط أشار: ساطور بن ملكيل، ومن سبط نفثالي: بحر بن وقسي، ومن سبط يساخر: لايل بن مكيد ¬قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، بدون ذكر الأسماء. وقول ابن إسحاق أخرجه الطبري من طريق ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق، وهذه الأسماء يقع فيها بعض الاختلاف، وقد ضبطها الأستاذ أحمد شاكر من التوراة التي وقف عليها.¥.
وقد رأيت في السفر الرابع من التوراة تعداد النقباء على أسباط بني إسرائيل وأسماء مخالفة لما ذكره ابن إسحاق، والله أعلم، قال فيها: فعلى بني روبيل: اليصوني بن شادون، وعلى بني شمعون: شموال بن صورشكي، وعلى بني يهوذا: الحشون بن عمياذاب، وعلى بني يساخر شال بن صالحون، وعلى بني زبولون: الياب بن حالوب، وعلى بني إفرايم: منشا بن عمنهود، وعلى بني منشا: حمليائيل بن يرصون، وعلى بني بنيامين: أبيدن بن جدعون، وعلى بني دان: جعيذر بن عميشذي، وعلى بني أشار: نحايل بن عجران، وعلى بني حاد: السيف بن دعواييل، وعلى بني نفتالي: أجذع بن عمينان ¬لقد وجه الخلاف الأستاذ أحمد شاكر بين هذا الذي وقف عليه الحافظ وبين رواية ابن إسحاق بأن التوراة التي كانت في يد الحافظ ابن كثير هي غير التي في أيدينا. (حاشية تفسير الطبري 10/ 116).¥.
وهكذا لما بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأنصار ليلة العقبة، كان فيهم اثنا عشر نقيبًا: ثلاثة من الأوس: وهم أسيد بن الحضير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر، ويقال بدله أبو الهيثم بن التيهان - رضي الله عنه -، وتسعة من الخزرج وهم: أبو أُمامة أسعد بن زراة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك بن العجلان، والبراء بن معرور، وعبادة بن الصامت، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن عمرو بن حرام، والمنذر بن عمرو بن [خُنيس] ¬كذا في (حم) و (مح)، وفي الأصل: "حبيش".¥ - رضي الله عنهم -، وقد ذكرهم كعب بن مالك في شعر له، كما أورده ابن إسحاق رحمه الله ¬السيرة النبوية لابن هشام 1/ 443.¥، والمقصود أن هؤلاء كانوا عرفاء على قومهم ليلتئذ عن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم بذلك، وهم الذين ولوا المعاقدة والمبايعة عن قومهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة.
قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن زيد، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق قال: كنا جلوسًا عند عبد الله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثم قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل" ¬أخرجه الإمام أحمد بسند ومتنه (المسند 1/ 398)، وفي سنده مجالد وهو ابن سعيد ليس بالقوي وتغير في آخر عمره كما في التقريب وأصل الحديث في الصحيحين كما يلي.¥ هذا حديث غريب من هذا الوجه، وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من حديث جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يزال أمر الناس ماضيًا ما وليهم اثنا عشر رجلًا" ثم تكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - بكلمة خفيت علي، فسألت أبي ماذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: "كلهم من قريش" وهذا لفظ مسلم ¬صحيح البخاري، الأحكام، بدون عنوان للباب (ح 7222)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب الناس تبع لقريش (ح 1821).¥.
ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحًا يقيم الحق ويعدل فيهم، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم، بل وقد وجد منهم أربعة على نسق وهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي - رضي الله عنه -، ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة وبعض بني العباس، ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة، والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره، فذكر أنه يواطئ اسمه اسم النبي - صلى الله عليه وسلم - واسم أبيه اسم أبيه، فيملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما ملئت جورًا وظلمًا، وليس هذا بالمنتظر الذي تتوهم الرافضة وجوده ثم ظهوره من سرداب سامراء ¬مدينة تقع شمال بغداد في العراق.¥، فإن ذلك ليس له حقيقة ولا وجود بالكلية، بل هو من هوس العقول السخيفة، وتوهم الخيالات الضعيفة، وليس المراد بهؤلاء الخلفاء الاثني عشر الأئمة الاثني عشر الذين يعتقد فيهم الاثنا عشرية من الروافض لجهلهم وقلة عقلهم.
وفي التوراة البشارة بإسماعيل - السلام عليه -، وإن الله يقيم من صلبه اثني عشر عظيمًا، وهم هؤلاء الخلفاء الاثنا عشر المذكورون في حديث ابن مسعود وجابر بن سمرة، وبعض الجهلة ممن أسلم من اليهود إذا اقترن بهم بعض الشيعة يوهمونهم أنهم الأئمة الاثني عشر، فيتشيع كثير منهم جهلًا وسفهًا لقلة علمهم وعلم من لقنهم ذلك بالسنن الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقوله تعالى: {وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ} أي: بحفظي وكلاءتي ونصري {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي} أي: صدّقتموهم فيما يجيئونكم به من الوحي، {وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} أي: نصرتموهم ووازرتموهم على الحق {وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} وهو الإنفاق في سبيله وابتغاء مرضاته، {لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} أي: ذنوبكم أمحوها وأسترها ولا أؤاخذكم بها، {وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} أي: أدفع عنكم المحذور وأحصل لكم المقصود.
وقوله: {فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} أي: فمن خالف هذا الميثاق بعد عقده وتوكيده وشدّه وجحده، وعامله معاملة من لا يعرفه، فقد أخطأ الطريق الواضح، وعدل عن الهدى إلى الضلال.