تفسير ابن كثير
{لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28)}.
يقول له أخوه الرجل الصالح الذي تقبل الله قربانه لتقواه، حين توعده أخوه بالقتل على غير ما ذنب منه إليه {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ} أي: لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} أي: من أن أصنع كما تريد أن تصنع بل أصبر وأحتسب.
قال عبد الله بن عمرو: وايمُ الله إن كان لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج يعني الورع ¬تقدم بيان ضعفه قبل ثلاث صفحات.¥،
ولهذا ثبت في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا تواجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار" قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" ¬صحيح البخاري، الفتن، باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما (ح 7083)، وصحيح مسلم، الفتن، باب إذا تواجه المسلمان (ح 2888).¥.
وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث بن سعد، عن [عياش بن عباس] ¬كذا في المسند وفي الأصل: عياش بن عياش، وفي (حم) و (مح): عباس بن عباس.¥، عن بكير بن عبد الله، عن بُسر بن سعيد أن سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان: أشهد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي" قال: أفرأيت إن دخل عليّ بيتي فبسط يده إليّ ليقتلني فقال: "كن كابن آدم" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 1/ 185)، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند، وصححه الألباني كما يلى.¥.
وكذا رواه الترمذي عن قتيبة بن سعيد وقال: هذا حديث حسن، وفي الباب عن أبي هريرة وخباب بن الأرت وأبي بكر وابن مسعود وأبي واقد وأبي موسى وخرشة، ورواه بعضهم عن الليث بن سعد وزاد في الإسناد رجلًا ¬سنن الترمذي، الفتن، باب ما جاء تكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم (ح 2194).¥.
قال الحافظ ابن عساكر: الرجل هو حسين الأشجعي.
قلت: وقد رواه أبو داود من طريقه فقال: حدثنا يزيد بن خالد الرملى، حدثنا الفضل، عن عياش بن عباس، عن [بكير] ¬كذا في (حم) و (مح)، وفي الأصل: "بكير بن بكر". ولم أثبته بهذا الاسم لأن اسم أبيه عبد الله.¥ عن بُسْر بن سعيد، عن حسين بن عبد الرحمن الأشجعي أنه سمع سعد بن أبي وقاص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث قال: فقلت: يا رسول الله أرأيت إن دخل بيتي وبسط يده ليقتلني؟ قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كن كابن آدم" وتلا {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} ¬أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الفتن، باب النهي عن السعي في الفتنة ح 4257)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 3581).¥.
قال أيوب السختياني: إن أول من أخذ بهذه الآية من هذه الأمة {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} لعثمان بن عفان - رضي الله عنه -، رواه ابن أبي حاتم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا مرحوم، حدثني أبو عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذرٍّ، قال: ركب النبي - صلى الله عليه وسلم - حمارًا أردفني خلفه وقال: "يا أبا ذرٍّ، أرأيت إن أصاب الناس جوع شديد لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك كيف تصنع؟ " قال: قال الله ورسوله أعلم، قال: "تعفف" قال: "يا أبا ذرٍّ، أرأيت إن أصاب الناس موت شديد يكون البيت فيه بالعبد يعني: القبر كيف تصنع؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "اصبر" قال: "يا أبا ذر، أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضًا، يعني حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء كيف تصنع؟ " قال: الله ورسوله أعلم، قال: "اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك" قال: فإن لم أترك، قال: "فأت من أنت منهم فكن منهم" قال: فآخذ سلاحي، قال: "فإذًا تشاركهم فيما هم فيه ولكن إذا خشيت أن يردعك شعاع السيف فألق طرف ردائك على وجهك كي يبوء بإثمه وإثمك" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 5/ 149)، وأخرجه أبو داود من طريق أبي عمران الجوني به (المصدر السابق ح 4261)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 3583).¥، ورواه مسلم وأهل السنن سوى النسائي، من طرق عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت به ¬لم أجده في صحيح مسلم وإنما فيه من طريق حماد وبسنده واقتصر على ذكر الصلاة لوقتها. وورد في سنن أبي داود كما تقدم.¥، ورواه أبو داود وابن ماجه من طريق حماد بن زيد عن أبي عمران، عن المشعث بن طريف، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر بنحوه، قال أبو داود: ولم يذكر المشعث في هذا الحديث غير حماد بن زيد ¬ما ورد فيه هو حديث مسلم المتقدم.¥.
وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان، عن منصور، عن ربعي، قال: كنا في جنازة حذيفة فسمعت رجلًا يقول: سمعت هذا يقول في ناس، مما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لئن اقتتلتم لأنظرن إلى أقصى بيت في داري فلألجنه، فلئن دخل على فلان لأقولن ها، بؤ بإثمي وإثمك فأكون كخير ابني آدم" ¬رجاله ثقات إلا قبيصة صدوق ربما وهم وسنده حسن، ويشهد له حديث أبي ذرٍّ السابق.¥.