تفسير ابن كثير
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96)
قال ابن أبي طلحة: عن ابن عباس في رواية عنه، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير وغيرهم، في قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} يعني: ما يصطاد منه طريًا {وَطَعَامُهُ} ما يتزود منه مليحًا يابسًا ¬أخرجه عبد الرزاق عن ابن عيينة به (المصنف 4/ 505 رقم 8661) وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن عيينة به، وسنده ضعيف؛ لأن عكرمة لم يسمع من أبي بكريته، ويشهد له سابقه.¥.
وقال ابن عَبَّاس في الرواية المشهورة عنه: صيده ما أخذ منه حيًا ¬قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي وليس من طريق ابن أبي طلحة، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عثمان بن سعد عن عكرمة عن ابن عباس، وعثمان ضعيف. ويتقوى بقول سعيد بن جبير وابن المسيب، أما قول ابن جبير فأخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عنه، وأما قول ابن المسيب فقد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم لإسنادين يقوي أحدهما الآخَر.¥ {وَطَعَامُهُ} ما لفظه ميتًا، وهكذا روي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو وأبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه -، وعكرمة وأبي سلمة بن عبد الرحمن وإبراهيم النخعي والحسن البصري ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي مجلز عن ابن عباس بنحوه.¥.
قال سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن أبي بكر الصديق أنه قال: {طَعَامُهُ} كل ما فيه ¬هذه الأقوال ذكرها ابن أبي حاتم بحذف السند، وأخرج بعضها الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا، وأخرج البخاري عن عمر نحوه تعليقًا ووصله الحافظ ابن حجر من قول ابن عباس وأبي هريرة وعكرمة. (تغليق التعليق 4/ 505 - 507).¥، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن حميد، حَدَّثَنَا جرير، عن مغيرة، عن سماك قال: حُدثت عن ابن عباس قال: خَطب أبو بكر الناس، فقال: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ} وطعامه ما قذف ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه إبهام شيخ سماك وقد توبع كما يلي:¥.
قال: وحدثنا يعقوب، حَدَّثَنَا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن ابن عباس في قوله: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} قال: {وَطَعَامُهُ} ما قذف ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.¥.
وقال عكرمة، عن ابن عباس، قال: طعامه ما لفظ من ميتة ¬أخرجه الطبري من طريق سماك عن عكرمة به، وسنده حسن بما تقدم.¥، ورواه ابن جرير أيضًا. وقال سعيد بن المسيب: طعامه ما لفظه حيًا أو حسر عنه فمات، رواه ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الرحمن بن حرملة عن ابن المسيب.¥ ابن أبي حاتم.
وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا عبد الوهاب، حَدَّثَنَا أيوب، عن نافع أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر، فقال: إن البحر قد قذف حيتانًا كثيرة ميتة، أفنأكلها؟ فقال: لا تأكلوها، فلما رجع عبد الله إلى أهله، أخذ المصحف فقرأ سورة المائدة فأتى هذه {مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} فقال: اذهب فقل له: فليأكله فإنه طعامه ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام مالك عن نافع به (الموطأ، الصيد، باب ما جاء في صيد البحر ح 494)، وفي سنده عبد الرحمن بن أبي هريرة لم أجد من وثقه سوى ابن حبان في الثقات.¥.
وهكذا اختار ابن جرير أن المراد بطعامه ما مات فيه. وقد روي في ذلك خبر، وإن بعضهم يرويه موقوفًا، حَدَّثَنَا هناد بن السري قال: حَدَّثَنَا عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، حَدَّثَنَا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ} قال: "طعامه ما لفظه ميتًا".
ثم قال: وقد وقف بعضهم هذا الحديث على أبي هريرة. حَدَّثَنَا هناد، حَدَّثَنَا ابن أبي زائدة عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة في قوله: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} قال: طعامه ما لفظه ميتًا ¬أخرجه الطبري بسنديه موقوفًا ومرفوعًا، وفي سنديهما محمد بن عمرو وهو ابن علقمة الليثي صدوق له أوهام فتاره يرفعه وتارة يوقفه، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريقه موقوفًا، وهو أصح وسنده حسن.¥.
وقوله: {مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} أي: منفعة وقوتًا لكم أيها المخاطبون {وَلِلسَّيَّارَةِ} وهم جمع سيار، قال عكرمة: لمن كان بحضرة البحر والسفر ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي إسحاق الكوفي عن عكرمة، وأبو إسحاق هو عبد الله بن ميسرة: ضعيف كما في التقريب.¥. وقال غيره: الطري منه لمن يصطاده من حاضرة البحر، وطعامه ما مات فيه أو اصطيد منه وملح وقدد، زادًا للمسافرين والنائين عن البحر.
وقد روي نحوه عن ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم ¬قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.¥.
وقد استدل الجمهور على حلّ ميتته بهذه الآية الكريمة، وبما رواه الإمام مالك بن أنس عن ابن وهب وابن كيسان، عن جابر بن عبد الله قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثًا قبل الساحل، فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاثمائة وأنا فيهم، قال فخرجنا حتَّى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش، فجمع ذلك كله فكان مزودي تمر، قال: فكان يقوتنا كل يوم قليلًا قليلًا حتَّى فني، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة، فقال: فقد وجدنا فقدها حين فُنيت، قال: ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت مثل الظرب ¬الظرب: أي كالجبل الصغير (ينظر النهاية 3/ 156).¥، فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا، ثم أمر براحلة فرحلت ومرت تحتهما، فلم تصبهما، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وله طرق عن جابر ¬الموطأ، صفة النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - 2/ 709 ح 24 وصحيح البخاري، الشركة، باب الشركة في الطعام (ح 2483)، وصحيح مسلم، الصيد، باب إباحة ميتات البحر (ح 1935).¥.
وفي صحيح مسلم من رواية أبي الزبير عن جابر، فإذا على ساحل البحر مثل الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا بدابة يقال لها: العنبر، قال: قال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا، نحن رسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليه شهرًا ونحن ثلاثمائة حتَّى سمنّا، ولقد رأيتنا نغترف من وقب ¬الوقب أي النقرة.¥ عينيه بالقلال الدهن، ويقتطع منه الفِدْر ¬الفِدْر: جمع فدرة: وهي القطعة من اللحم.¥ كالثور، قال: ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلًا فأقعدهم في وقب عينيه، وأخذ ضلعًا من أضلاعه فأقامها ثم رحل أعظم بعير معنا، فمرّ من تحته، وتزودنا من لحمه وشائق ¬الوشائق: جمع وشيقه وهي اللحم يقدد ويحمل في الأسفار.¥، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرنا ذلك له، فقال: "هو رزق أخرجه الله لكم هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ " قال: فأرسلنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه، فأكله ¬صحيح مسلم، الصيد، باب إباحة ميتات البحر (ح 1935/ 17).¥.
وفي بعض روايات مسلم أنهم كانوا مع النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - حين وجدوا هذه السمكة، فقال بعضهم: هي واقعة أخرى، وقال بعضهم: بل هي قضية واحدة، ولكن كانوا أولًا مع النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -، ثم بعثهم سرية مع أبي عبيدة فوجدوا هذه في سريتهم تلك مع أبي عبيدة، واللّه أعلم. وقال مالك عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق: أن المغيرة بن أبي بردة وهو من بني عبد الدار، أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" ¬تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية 173.¥، وقد روى هذا الحديث الإمامان الشافعي وأحمد بن حنبل وأهل السنن الأربع، وصححه البخاري والترمذي وابن حبان وغيرهم، وقد روي عن جماعة من الصحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه.
وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من طرق عن حماد بن سلمة، حدثنا أبو المُهزِّم - هو يزيد بن سفيان - سمعت أبا هريرة يقول: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حج أو عمرة، فاستقبلنا جراد، فجعلنا نضربهن بعصينا وسياطنا، فنقتلهن، فسقط في أيدينا، فقلنا: ما نصنع ونحن محرمون؟ فسألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "لا بأس بصيد البحر" ¬المسند 2/ 306 وسنن أبي داود، المناسك، باب في الجراد للمحرم (ح 1854) وضعفه، وسنن الترمذي، الحج، باب ما جاء في صيد البحر للمحرم (ح 850) وقال: غريب. وسنن ابن ماجه، الصيد، باب صيد الحيتان والجراد (ح 3222) وسنده ضعيف جدًّا لأن أبا المُهزِّم يزيد بن سفيان: متروك (التقريب ص 676).¥ أبو المهزم ضعيف، والله أعلم.
وقال ابن ماجه: حدثنا هارون بن عبد الله الحمال، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زياد بن عبد الله بن علاثة، عن موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جابر وأنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دعا على الجراد قال: "اللهم أهلك كباره، واقتل صغاره، وأفسد بيضه، واقطع دابره، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا، إنك سميع الدعاء"، فقال خالد: يا رسول الله، كيف تدعو على [جند] ¬كذا في (مح) والتخريج، وفي الأصل: "أجناد".¥ من أجناد الله بقطع دابره؟ فقال: "إن الجراد نثرة الحوت: في البحر" قال هاشم: قال زياد: فحدثني من رأى الحوت ينثره ¬أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (المصدر السابق ح 3221)، وسنده ضعيف لضعف موسى بن محمد بن إبراهيم (مصباح الزجاجة 3/ 64).¥، تفرد به ابن ماجه.
وقد روى الشافعي عن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس أنه أنكر على من يصيد الجراد في الحرم ¬لم أعرف من هو سعيد شيخ الشافعي.¥.
وقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من الفقهاء إلى أنه تؤكل دواب البحر ولم يستثن من ذلك شيئًا، قد تقدم عن الصديق أنه قال: طعامه كل ما فيه.
وقد استثنى بعضهم الضفادع وأباح ما سواها، لما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من رواية ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن قتل الضفدع ¬المسند 3/ 453، وسنن أبي داود، الطب، باب في الأدوية المكروهة (ح 3871)، وسنن النسائي، الصيد والذبائح باب الضفدع 7/ 210، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 4/ 410)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 3279).¥، وللنسائي عن عبد الله بن عمرو قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قتل الضفدع، وقال: نقيقها تسبيح ¬هذا الحديث شطره الأول صحيح كسابقه، الشطر الثاني ضعيف. أخرجه الطبراني بسند ضعيف عن
عبد الله بن عمرو (المعجم الصغير 1/ 189) وفي سنده: المسيب بن واضح صدوق يخطئ كثيرًا (ميزان الاعتدال 4/ 241)، وذكر ابن عدي هذا الحديث من الأحاديث التي أنكرت على المسيب (الكامل 6/ 2384).¥. وقال آخرون: يؤكل من صيد البحر السمك، ولا يؤكل الضفدع. واختلفوا فيما سواهما، فقيل: يؤكل سائر ذلك. وقيل: لا يؤكل. وقيل: ما أكل شبهه من البر، أكل مثله في البحر. وما لا يؤكل شبهه لا يؤكل، وهذه كلها وجوه في مذهب الشافعي رحمه الله تعالى.
وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا يؤكل ما مات في البحر، كما لا يؤكل ما مات في البر، لعموم قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] وقد ورد حديث بنحو ذلك:
فقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي - هو ابن قانع -، حدثنا الحسين بن إسحاق التستري وعبد الله بن موسى بن أبي عثمان، قالا: حدثنا الحسين بن يزيد الطحان، حدثنا حفص بن غياث، عن ابن أبي ذئب، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما صدتموه وهو حي فمات فكلوه، وما ألقى البحر ميتًا طافيًا فلا تأكلوه" ¬ضعفه الحافظ ابن كثير بقوله: "وهو منكر".¥، ثم رواه من طريق إسماعيل بن أمية ويحيى بن أبي أنيسة عن أبي الزبير عن جابر به، وهو منكر.
وقد احتج الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل بحديث العنبر المتقدم ذكره، وبحديث "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" ¬تقدم تخريجه في بداية تفسير هذه الآية.¥، وقد تقدم أيضًا.
وروى الإمام أبو عبد الله الشافعي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال" ورواه أحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وله شواهد، وروي موقوفًا ¬تقدم تخريجه في بداية تفسير هذه الآية (3) من هذه السورة.¥، والله أعلم.
وقوله: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} أي: في حال إحرامكم يحرم عليكم الاصطياد، ففيه دلالة على تحريم ذلك فإذا اصطاد المحرم الصيد متعمدًا، أثم وغرم، أو مخطئًا، غرم وحرم عليه أكله، لأنه في حقه كالميتة، وكذا في حق غيره من المحرمين والمحلين، عند مالك والشافعي في أحد قوليه، وبه يقول عطاء والقاسم وسالم وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وغيرهم، فإن أكله أو شيئًا منه فهل يلزمه جزاء ثانٍ؟ فيه قولان للعلماء.
(أحدهما): نعم، قال عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء قال: إن ذبحه ثم أكله فكفارتان ¬أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف رقم 8362) وسنده صحيح.¥، وإليه ذهب طائفة.
(والثاني): لا جزاء عليه في أكله، نص عليه مالك بن أنس.
قال أبو عمر بن عبد البر: وعلى هذا مذاهب فقهاء الأمصار وجمهور العلماء، ثم وجهه أبو عمر بما لو وطئ، ثم وطئ، ثم وطئ قبل أن يُحَدّ، فإنما عليه حد واحد ¬الاستذكار 11/ 312.¥. وقال أبو حنيفة: عليه قيمة ما أكل. وقال أبو ثور: إذا قتل المحرم الصيد فعليه جزاؤه وحلال أكل ذلك الصيد، إلا أنني أكرهه للذي قتله للخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم" ¬أخرجه الإمام أحمد (المسند 3/ 362)، وأبو داود (السنن، الحج باب لحم الصيد) والترمذي (السنن، الحج، باب ما جاء في أكل الصيد للمحرم ح 846)، وغيرهم كلهم من طريق المطلب بن حنطب عن جابر وهو لم يسمع منه (المراسيل لابن أبي حاتم ص 210)، وسنده ضعيف.¥ وهذا الحديث سيأتي بيانه، وقوله بإباحته للقاتل غريب. وأما لغيره ففيه خلاف قد ذكرنا المنع عمن تقدم، وقال آخرون بإباحته لغير القاتل سواء المحرمون والمحلون لهذا الحديث، والله أعلم.
وأما إذا صاد حلال صيدًا، فأهداه إلى محرم، فقد ذهب ذاهبون إلى إباحته مطلقًا، ولم يستفصلوا بين أن يكون قد صاده من أجله أم لا، حكى هذا القول أبو عمر بن عبد البر، عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة والزبير بن العوام وكعب الأحبار ومجاهد وعطاء في رواية، وسعيد بن جبير، وبه قال الكوفيون.
قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا سعيد، عن قتادة أن سعيد بن المسيب حدثه عن أبي هريرة أنه سئل عن لحم صيد صاده حلال، أيأكله المحرم؛ قال: فأفتاهم بأكله، ثم لقي عمر بن الخطاب فأخبره بما كان من أمره، فقال: لو أفتيتهم بغير هذا لأوجعت لك رأسك ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه من طريق هشام بن يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة بنحوه، وسنده صحيح.¥.
وقال آخرون: لا يجوز أكل الصيد للمحرم بالكلية، ومنعوا من ذلك مطلقًا لعموم هذه الآية الكريمة.
وقال عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاوس، وعبد الكريم عن ابن أبي أُمية عن طاوس، عن ابن عباس أنه كره أكل الصيد للمحرم، وقال: هي مبهمة ¬أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه به (المصنف رقم 8329).¥. يعني قوله: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} قال: وأخبرني معمر عن الزهري، عن ابن عمر أنه كان يكره للمحرم أن يأكل من لحم الصيد على كل حال. قال معمر: وأخبرني أيوب عن نافع، عن ابن عمر مثله ¬أخرجه عبد الرزاق من الطريقين عن ابن عمر (المصنف رقم 8314 و 8315) وسنده صحيح.¥.
قال ابن عبد البر: وبه قال طاوس وجابر بن زيد، وإليه ذهب الثوري وإسحاق بن راهوبه في رواية، وقد روي نحوه عن علي بن أبي طالب، رواه ابن جرير من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب أن عليًا كره أكل لحم الصيد للمحرم على كل حال ¬أخرجه الطبري من طريق بشر بن المفضل عن سعيد بن أبي عروبة به، وسنده صحيح إن سمع سعيد من علي - رضي الله عنه -.¥. وقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه في رواية والجمهور: إن كان الحلال قد قصد المحرم بذلك الصيد لم يجز للمحرم أكله لحديث الصعب بن جثامة أنه أهدى للنبي - صلى الله عليه وسلم - حمارًا وحشيًا وهو بالأبواء ¬الأبواء: جبل في منطقة الفرع (ينظر فتح الباري 4/ 33) والفرع تقع جنوب المدينة.¥ أو بِودّان ¬ودّان: موضع بقرب الجحفة، وهي أقرب إلى الجحفة من الأبواء فإن من الأبواء إلى الجحفة للآتي من المدينة ثلاثة وعشرين ميلًا (ينظر المصدر السابق) والميل يعادل 1848 م.¥، فردّه عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: "إنا لم نردّه عليك إلا أنا حرم" ¬أخرجه البخاري من حديث ابن عباس (الصحيح، جزاء الصيد، باب إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًا. . . ح 1825)، وأخرجه مسلم أيضًا (الصحيح، الحج، باب تحريم الصيد للمحرم ح 1193).¥ وهذا الحديث مخرج في الصحيحين، وله ألفاظ كثيرة، قالوا: فوجهه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ظن أن هذا إنما صاده من أجله، فرده لذلك، فأما إذا لم يقصده بالاصطياد فإنه يجوز له الأكل منه لحديث أبي قتادة حين صاد حمار وحش، وكان حلالًا لم يحرم، وكان أصحابه محرمين، فتوقفوا في أكله ثم سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "هل كان منكم أحد أشار إليها أو أعان في قتلها؟ " قالوا: لا. قال: "فكلوا" وأكل منها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ¬صحيح البخاري، جزاء الصيد، باب إذا صاد الحلال فأهدي للمحرم. . . (ح 1821) وصحيح مسلم، الحج، باب تحريم الصيد للمحرم 1196.¥. وهذه القصة ثابتة أيضًا في الصحيحين بألفاظ كثيرة.
وقال الإمام أحمد: حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد، قالا: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال قتيبة في حديثه: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "صيد البر لكم حلال" قال سعيد: " - وأنتم حرم - ما لم تصيدوه أو يصد لكم"، وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي، جميعًا عن قتيبة. وقال الترمذي: لا نعرف للمطلب سماعًا من جابر ¬تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.¥، ورواه الإمام محمد بن إدريس الشافعي - رضي الله عنه - من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن مولاه المطلب، عن جابر، ثم قال: وهذا أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيس. وقال مالك - رضي الله عنه -، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: رأيت عثمان بن عفان بالعرج ¬العَرج: منزل بطريق مكة (حاشية الموطأ).¥ وهو محرم في يوم صائف قد غطى وجهه بقطيفة أرجوان ¬أي صوف أحمر (حاشية الموطأ).¥، ثم أتى بلحم صيد، فقال لأصحابه: كلوا، فقالوا: أو لا تأكل أنت؟ فقال: إني لست كهيئتكم إنما صيد من أجلي ¬أخرجه مالك بسنده ومتنه (الموطأ، الحج، باب ما لا يحل للمحرم من الصيد (ح 84). وسنده صحيح.¥ ¬لم يشرح الحافظ ابن كثير الآيات الثلاث رقم 97 - 99 في النسخ الثلاث وكذا النسخة الأزهرية ودار الكتب حسب ما نبه محققو طبعة الشعب. وقد قاموا بالاستدراك نقلًا من تفسير الطبري، وهو نقل مفيد لكن لو وضعوه في الحاشية لكان أفضل. لأن بعض الطبعات ظن أصحابها أنه سقط، وقد ورد فيها هذه الزيادة منقولة من طبعة الشعب.¥.