تفسير ابن كثير
{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)}
وقوله: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} قال مجاهد: أي أصناف مصنفة تُعرف بأسمائها ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.¥.
وقال قتادة: الطير أُمة، والإنس أُمة، والجن أُمة ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.¥. وقال السدي: {إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} أي: خلق أمثالكم ¬أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.¥.
وقوله: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} أي: الجميع علمهم عند الله، ولا ينسى واحدًا من جميعها من رزقه وتدبير، سواء كان بريًا أو بحريًا، كقوله: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6)} [هود] أي: مفصح بأسمائها وأعدادها ومظانها، وحاصر لحركاتها وسكناتها، وقال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (60)} [العنكبوت].
وقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبيد بن واقد القيسي أبو عباد، حدثني محمد بن عيسى بن كيسان، حدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قلّ الجراد في سنة من سني عمر - رضي الله عنه - التي ولي فيها، فسأل عنه فلم يخبر بشيء، فاغتمّ لذلك، فأرسل راكبًا إلى كذا، وآخر إلى الشام، وآخر إلى العراق، يسأل هل رؤي من الجراد شيء أم لا؟ قال: فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من جراد، فألقاها بين يديه، فلما رآها كبر ثلاثًا، ثم قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "خلق الله - عز وجل - ألف أمة منها ستمائة في البحر وأربعمائة في البر وأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد فإذا هلكت تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه" ¬ضعفه الحافظ ابن كثير (البداية والنهاية 1/ 30)، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (3/ 13).¥.
وقوله: {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} قال: حشرها الموت ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.¥، وكذا رواه ابن جرير من طريق إسرائيل، عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: موت البهائم حشرها، وكذا رواه العوفي عنه ¬أخرجه الطبري من الطريقين، وطريق عكرمة يقوي طريق العوفي.¥، قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد والضحاك مثله ¬ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند.¥.
(والقول الثاني): إن حشرها هو يوم بعثها يوم القيامة، لقوله: {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5)} [التكوير: 5] وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سليمان، عن منذر الثوري، عن أشياخ لهم، عن أبي ذر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى شاتين تنتطحان، فقال: "يا أبا ذر هل تدري فيم تنتطحان؟ " قال: لا، قال: "لكن الله يدري وسيقضي بينهما" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وحسنه محققوهُ بالمتابعة (المسند 35/ 345 ح 21438).¥ ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الأعمش، عمن ذكره، عن أبي ذر، قال: بينا نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إذ انتطحت عنزان، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أتدرون فيم انتطحتا؟ " قالوا: لا ندري، قال: "لكن الله يدري وسيقضي بينهما" رواه ابن جرير ¬أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وأخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به.¥، ثم رواه من طريق منذر الثوري، عن أبي ذر، فذكره، وزاد: قال أبو ذر: ولقد تركنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما يقلب طائر جناحيه في السماء، إلا ذكر لنا منه علمًا.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدثني عباس بن محمد، وأبو يحيى البزار، قالا: حدثنا [حجاج بن نُصير] ¬كذا في المسند، وفي الأصل: و (مح) و (حم) و (عش): حجاج بن نصر، وحجاج بن نصير مترجم في "التقريب" وهو ضعيف.¥ حدثنا شعبة، عن العوام بن مُزاحم من بني قيس بن ثعلبة، عن أبي عثمان النهدي، عن عثمان - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة" ¬أخرجه عبد الله في زوائده على المسند بسنده ومتنه، وقال محققوه: حسن لغيره (المسند 1/ 542 ح 520).¥.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، في قوله: {إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} قال: يحشر الخلق كلهم يوم القيامة، البهائم والدواب والطير وكل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذٍ، أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول كوني ترابًا، فلذلك يقول الكافر {يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} [النبأ: 40] ¬أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.¥ وقد روي هذا مرفوعًا في حديث الصور.