تفسير البغوي (معالم التنزيل)
{كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} أَيْ: فَعَلْتُمْ كَفِعْلِ الَّذِينَ مِنْ قبلكم بالعدول من أَمْرِ اللَّهِ، فَلُعِنْتُمْ كَمَا لُعِنُوا {كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً} بَطْشًا وَمَنَعَةً، {وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ} فَتَمَتَّعُوا أَوِ انْتَفَعُوا بِخَلَاقِهِمْ؛ بِنَصِيبِهِمْ مِنَ الدُّنْيَا بِاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ وَرَضُوا بِهِ عِوَضًا عَنِ الْآخِرَةِ، {فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ} أَيُّهَا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ، {كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ} وَسَلَكْتُمْ سَبِيلَهُمْ، {وَخُضْتُمْ} فِي الْبَاطِلِ وَالْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَتَكْذِيبِ رُسُلِهِ، وَبِالِاسْتِهْزَاءِ بِالْمُؤْمِنِينَ، {كَالَّذِي خَاضُوا} أَيْ: كَمَا خَاضُوا. وَقِيلَ: كَالَّذِي يَعْنِي كَالَّذِينِ خَاضُوا، وَذَلِكَ أَنَّ "الَّذِي" اسْمٌ نَاقِصٌ، مِثْلُ "مَا" وَ"مَنْ" يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْوَاحِدِ وَالْجَمِيعِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: "كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا" ثُمَّ قَالَ: "ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ" (الْبَقْرَةِ -17).
{أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} أَيْ: كَمَا حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَخَسِرُوا كَذَلِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُكُمْ وَخَسِرْتُمْ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الصَّنْعَانِيُّ مِنَ الْيَمَنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ"، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: "فَمَنْ"؟ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "فَهَلِ النَّاسُ إِلَّا هُمْ"، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنْتُمْ أَشْبَهُ الْأُمَمِ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ سَمْتًا وَهَدْيًا تَتَّبِعُونَ عَمَلَهُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ غَيْرَ أَنِّي لَا أَدْرِي أَتَعْبُدُونَ الْعِجْلَ أَمْ لَا؟ " ¬أخرجه البخاري في الاعتصام، باب قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم .. " 13/ 300، ومسلم في العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى، برقم (2669): 4/ 2054، والمصنف في شرح السنة: 14/ 392.¥.