تفسير ابن كثير
{فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83)}.
يقول تعالى آمرًا لرسوله عليه الصلاة والسلام: {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ} أي: ردَّك الله من غزوتك هذه {إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ} قال قتادة: ذُكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلًا ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه وزيادة: من المنافقين، ورجاله ثقات لكنه مرسل.¥ {فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ} أي: معك إلى غزوة أخرى {فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا} أي: تعزيرًا لهم وعقوبة، ثم علَّل ذلك بقوله: {إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} وهذا كقوله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 110]، فإن جزاء السيئة السيئة بعدها كما أن ثواب الحسنة الحسنة بعدها، كما قال في عمرة الحديبية: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ} [الفتح: 15].
وقوله تعالى: {فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} قال ابن عباس: أي الرجال الذين تخلفوا عن الغزاة ¬أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.¥.
وقال قتادة: {فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} أي: مع النساء ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وردّه الطبري ورجح قول ابن عباس -رضي الله عنهما-.¥.
قال ابن جرير: وهذا لا يستقيم لأن جمع النساء لا يكون بالياء والنون، ولو أريد النساء لقال: فاقعدوا مع الخوالف أو الخالفات، ورجح قول ابن عباس -رضي الله عنهما-.