تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
*القولُ في تأويلِ قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا}.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأْويلِ قولِه: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا}؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: لا تقولوا خِلافًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا}. قال: لا تقولوا خِلافًا ¬تفسير الثورى 1/ 47، 48.¥.
وحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا}: لا تقولوا خِلافًا ¬تفسير مجاهد ص 210، 283، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 197، 3/ 966 (1040، 5399)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 104، 2/ 168 إلى عبد بن حميد وابن المنذر. وينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 105.¥.
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقال آخَرون: تأويلُه: أَرْعِنا سمْعَك. أي: اسْمَعْ مِنَّا ونسمَعَ منك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثني ابنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {رَاعِنَا}. أي: أرْعِنا سمْعَك ¬سيرة ابن هشام 1/ 560.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو ¬في الأصل: "عمر".¥، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا}. لا تقولوا: اسمعْ منَّا ونَسْمَعَ منك ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 104 إلى المصنف.¥.
وحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفَرَجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرَنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: {رَاعِنَا}. قال: كان الرجلُ مِن المشركين يقول: أرْعِنى سمْعَك.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي مِن أجْلِه نهَى اللهُ المؤمنين أن يقولوا: راعِنا؛ فقال بعضُهم: هي كلمةٌ كانت اليهودُ تقولُها على وجْهِ الاستهزاءِ والسبِّ ¬في م: "المسبة".¥، فنهَى الله تعالى ذكرُه المؤمنين أن يقولوا ذلك للنبىِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا}: قولٌ كانت تقولُه اليهودُ استهزاءً، فزجَر اللهُ المؤمنين أن يقولوا كقولِهم ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 104 إلى المصنف وعبد بن حميد وأبى نعيم في الدلائل.¥.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيْرِىُّ، عن فُضَيْلِ ¬في الأصل: "فضل". وينظر تهذيب الكمال 23/ 305.¥ بنِ مرزوقٍ، عن عطيةَ: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا}. قال: كان أناسٌ مِن اليهودِ يقولون: أرْعِنا سمْعَك. حتى قالها أناسٌ مِن المسلمين، فكرِه اللهُ لهم ما قالت اليهودُ، فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا}. كما قالت اليهودُ والنصارَى ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 197، 3/ 966 عقب الأثر (1038، 5398) معلقًا عن عطية، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 104 إلى المصنف وأبى نعيم في الدلائل.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا}. قال: كانوا يقولون: راعِنا سمْعَك. فكان اليهودُ يأتون فيقولون مثلَ ذلك مستهْزِئين، فقال اللهُ: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا} ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 54. وينظر ما سيأتي في 7/ 107.¥.
وحُدِّثتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بِشْرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا}. قال: كانوا يقولون للنبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: راعِنا سمْعَك. وإنما {رَاعِنَا} كقولِك: عاطِنا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 96، 3/ 966 (1038، 5398)، والطبراني في الكبير (12659) من طريق المنجاب به. وينظر الدلائل لأبى نعيم ص 44 (6)، والفتح 8/ 163.¥.
وحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ ¬في الأصل: "أبو".¥ زيدٍ في قولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا} قال: {رَاعِنَا} القولُ الذي قاله القومُ؛ قالوا: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ} [النساء: 46]. قال: قال: هذا الراعِنُ -والراعِنُ الخطأُ ¬في م: "الخطاء".¥ - قال: فقال للمؤمنين: لا تقولوا خطأً ¬في م: "خطاء".¥ كما قال القومُ، وقولوا: انظُرْنا واسْمَعوا. قال: كانوا يَنْظُرون إلى النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ويُكَلِّمونه ويَسْمَعُ منهم، ويسأَلونه ويُجِيبُهم.
وقال آخَرون: بل هي كلمةٌ كانت الأنصارُ في الجاهليَّةِ تقولُها، فنهاهم اللهُ في الإسلامِ أن يقولوها لنبيِّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "الرزاق".¥، عن عطاءٍ في قولِه: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا} قال: كانت لغةً في الأنصارِ في الجاهليَّةِ، فنزَلت هذه الآيةُ: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا} ولكن {وَقُولُوا انْظُرْنَا} إلى آخرِ الآيةِ ¬أخرجه النحاس في ناسخه ص 104 من طريق هشيم به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 197 (1039) من طريق عبد الملك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 104 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا}. قال: كانت لغةً في الأنصارِ.
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ مثلَه.
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، عن ابنِ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العالية في قولِه: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا}. قال: إن مُشرِكى العربِ كانوا إذا حدَّث بعضُهم بعضًا يقولُ أحدُهم لصاحبِه: أرْعِنى سمْعَك. فنُهُوا عن ذلك ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 197 عقب الأثر (1038) من طريق أبي جعفر به.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: {رَاعِنَا} قولُ الساخِرِ، فنَهاهم أن يَسْخَروا مِن قولِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
وقال بعضُهم: بل كان ذلك كلامَ يهودىٍّ مِن اليهودِ بعينِه، يقال له: رفاعةُ بنُ زيدٍ. كان يُكَلِّمُ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- به ¬سقط من: الأصل.¥ على وجْهِ السَّبِّ له، وكان المسلمون أخَذوا عنه ذلك، فنهَى اللهُ المؤمنين عن قِيلِه للنبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
ذكر من قال ذلك
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا}: كان رجلًا مِن اليهودِ، مِن قبيلةٍ مِن اليهودِ يقالُ لهم: بنو قَيْنُقَاعَ. كان يُدْعَى رفاعةَ بنَ زيدِ بنِ السائبِ -قال أبو جعفرٍ: هذا خطأٌ، إنما هو ابنُ التابوتِ، ليس ابنَ السائبِ- كان يأتى النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فإذا لقِيَه فكلَّمَه فقال: أرْعِنى سمْعَك، واسمَعْ غيرَ مُسْمَعٍ. فكان المسلمون يَحْسَبون أن الأنبياءَ كانت تُفَخَّمُ ¬في الأصل، ت 2، ت 3: "تعجم".¥ بهذا، فكان ناسٌ منهم يقولون: اسمعْ غيرَ مُسْمَعٍ. كقولِك: اسمعْ غيرَ صاغرٍ. هي ¬في م: "وهى".¥ التي في "النساءِ": {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ} [النساء: 46]. يقولُ: إنما يُرِيدُ بقولِه طَعْنًا في الدّينِ. ثم تقدَّم إلى المؤمنين فقال: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 104 إلى المصنف وابن المنذر، وينظر تفسير ابن كثير 1/ 214.¥.
والصوابُ مِن القولِ في نهْىِ اللهِ جلَّ ثناؤه المؤمنين أن يقولوا لنبيِّه: {رَاعِنَا} أن يقالَ: إنها كلمةٌ كرِهها اللهُ لهم أن يقولوها لنبيِّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، نظيرَ الذي ذُكِر عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: "لا تَقُولُوا للعِنَبِ الكَرْمَ، ولكِن قولوا الحَبَلَةَ" ¬أخرجه الدارمي 2/ 118، ومسلم (2248) من حديث وائل بن حجر، وأخرجه البخاريّ (6182)، ومسلم (2247)، وغيرهما من حديث أبى هريرة، دون قوله: "ولكن قولوا الحبلة".¥. و"لا تَقُولُوا عَبْدِى، ولكِنْ قُولُوا فتَأي" ¬أخرجه البخاريّ (2552)، ومسلم (2249) من حديث أبى هريرة نحوه.¥.
وما أشبهَ ذلك مِن الكلمتينِ اللَّتينِ تكونان مستعمَلتين بمعنًى واحدٍ في كلامِ العربِ، فتأتى الكراهةُ أو النهىُ باستعمالِ إحداهما، واختيارِ الأُخْرَى عليها في المخاطَباتِ.
فإن قال ¬بعده في م: "لنا".¥ قائلٌ: فإنَّا قد علِمْنا معنى نَهْىِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في العِنَبِ أن يقالَ له: كَرْمٌ. وفي العبدِ أن يقالَ له: عبدٌ. فما المعنى في قولِه: {رَاعِنَا}. حينئذٍ الذي مِن أجلِه كان النهىُ مِن اللهِ جل ثناؤه المؤمنين عن أن يقولوه، حتى أمَرَهم أن يُؤْثِروا قولَهم ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "قوله".¥: {انْظُرْنَا} عليه ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥؟
قيل: الذي فيه مِن ذلك نظيرُ الذي في قولِ القائلِ: الكَرْمُ. للعنبِ، و: العبدُ. للمملوكِ. وذلك أن قولَ القائلِ: عبدٌ. [صفةُ جميعِ] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "لجميع".¥ عبادِ اللهِ، فكرِه النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يُضَافَ بعضُ عبادِ اللهِ -بمعنى المعبودِ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "العبودية".¥ - إلى غيرِ ¬سقط من: ت 1، ت 2، ت 3.¥ اللهِ، وأمَر أنَ يُضَافَ ذلك إلى غيرِه، بغيرِ المعنى الذي يُضافُ إلى اللهِ عز وجلَّ، فيقال: [فتى اللهِ] ¬في م: "فتأي".¥. وكذلك وجهُ نهيِه في العنبِ أن يقالَ لها: كَرْمٌ. [لأن الكَرْمَ مصدرٌ من كرَم كرْمًا] ¬سقط من: ت 1، ت 2، ت 3، وفي م: "خوفًا من توهم وصفه بالكرم".¥، وإن كانت راؤُها (3) مُسَكَّنةً، فإن العربَ قد تُسَكِّنُ بعضَ الحركاتِ إذا تتابَعت على [نوعٍ واحدٍ] ¬في الأصل ك "تنوع واحدة".¥، فَكرِه أن يُوصفَ ¬في م: "يتصف".¥ بذلك العنبُ. فكذلك نهَى اللهُ عزَّ وجلَّ المؤمنين أن يقولوا: راعِنا. لما كان قولُ القائل: راعِنا. محتمِلًا أن يكونَ بمعنى: احْفَظْنا ونَحْفَظَك، وارْقُبْنا ونَرْقُبَك. مِن قولِ العربِ بعضِهم لبعضٍ: رعاك اللهُ. بمعنى: حفِظك اللهُ وكَلأك. ومحتمِلًا أن يكونَ ب
معنى: أرْعِنا سمْعَك. مِن قولِهم: أرْعَيتُ به (1) سمعِى إرعاءً. أو: راعَيْتُه سمعِى رِعاءً أو مُراعاةً. بمعنى: فرَّغْتُه لسماعِ كلامِه. كما قال الأَعْشى ميمونُ بنُ قيسٍ (2):
يُرْعِى إلى قَوْلِ ساداتِ الرِّجالِ إذَا ... أبْدَوْا لهُ الحَزْمَ أو ما شاءَه ابْتَدَعا
يعنى بقولِه يُرْعِى: يُصْغِى سمعَه إليه مُفَرِّغَه لذلك.
وكأنَّ اللهَ جل ثناؤه قد أمَر المؤمنين بتوقيرِ نبيِّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وتعظيمِه، حتى نهاهم جلّ ذكرُه فيما نهاهم عنه، عن رفعِ أصواتِهم فوقَ صوتِه، وأن يَجْهَرُوا له بالقوْلِ كجَهْرِ بعضِهم لبعضٍ، وخوَّفَهم على ذلك حبوطَ أعمالِهم، تقدَّم (3) إليهم بالزجرِ لهم عن أن يقولُوا له من القولِ ما فيه جَفاءٌ، وأمَرَهم أن يَتَخَيَّرُوا لخطابِه من الألفاظِ أحسنَها، ومن المعاني أَرَقَّها، فكان من ذلك قولُهم: {رَاعِنَا}. لِمَا فيه (4) احتمالُ معنى: ارْعَنا نَرْعَك. إذ كانت المفاعلةُ لا تكونُ إلا مِن اثنين، كما يقولُ القائلُ: عاطِنا وحادِثْنا وجالِسْنا. بمعنى: افعَلْ بنا نَفْعَلْ بك. ومعنى: أَرْعِنا سمعَك حتى نَفهمَك وتَفهمَ عنا. فنَهَى اللهُ تعالى ذكرُه أصحابَ محمدٍ أن يقولوا ذلك كذلك، وأمرَهم (5) أن يُفْرِدُوا مسألَتَه بانتظارِهم وإمهالِهم؛ ليَعْقِلوا عنه، بتَبْجِيلٍ منهم له وتعظيمٍ، وألَّا يَسألُوه ما سأَلوه من ذلك على وجهِ الجَفاءِ والتَّجَهُّمِ منهم له، ولا بالفظاظةِ والغِلْظةِ، تَشْبيهًا منهم باليهودِ في خطابِهم نبيَّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بقولِهم له: {وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاع
ِنَا} [النساء: 46]. يَدُلُّ على صحةِ ما قُلْنا في ذلك قولُه: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 105]. فدلَّ بذلك أن الذي عاتَبهم ¬في الأصل، ت 3: "عاقبهم".¥ عليه مما يَسُرُّ اليهودَ والمشركِين.
فأما التأويلُ الذي حُكِى عن مجاهدٍ في قولِه: {رَاعِنَا}. أنه بمعنى: خِلافًا. فما ¬في م، ت 1، ت 3: "فمما".¥ لا يُعْقَلُ في كلامِ العربِ، لأنَّ "رَاعَيْتُ" في كلامِ العربِ إنما هو على أحدِ وجهَيْن؛ أحدُهما، بمعنى: فاعَلْتُ، من الرِّعْيةِ، وهي [الرِّقْبةُ والكَلاءةُ] ¬في الأصل: "الوقفة والكلمة"، وفي ت 1: "الرتبة والكلية"، وفي ت 2: "الرقبة والكلية".¥. والآخرُ، بمعنى إفراغِ السمعِ، بمعنى: أَرْعَيْتُه سمعى. وأما "راعَيْتُ" بمعنى: "خالَفْتُ"، [فما لا] ¬في م: ت 1، ت 2، ت 3: "فلا".¥ وجهَ له مفهومٌ في كلامِ العربِ، إلا أن يكونَ قَرأ ذلك بالتنوينِ، ثم وَجَّهه إلى معنى الرُّعُونةِ والجهلِ والخطأ، على النحوِ الذي قال في ذلك عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ، فيكونُ لذلك -وإن كان مخالفًا قراءةَ القَرَأةِ- معنى مفهومٌ حينئذٍ.
وأما القولُ الآخرُ الذي حُكِيَ عن عطيةَ ومَن حُكِيَ ذلك عنه أن قولَه: {رَاعِنَا}. كانت كلمةً لليهودِ بمعنى السبِّ والسخريةِ، فاستعملَها المؤمنون أَخْذًا منهم ذلك عنهم، فإن ذلك غيرُ جائزٍ في صفةِ المؤمنين أن يأخُذوا مِن كلامِ أهلِ الشركِ كلامًا لا يَعْرِفون معناه، ثم يَسْتعملُونه بينهم وفي خطابِ نبيِّهم -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. ولكنه جائزٌ أن يكونَ ذلك كما ¬في م: "مما".¥ رُوِى عن قتادةَ، أنها كانت كلمةً صحيحةً مفهومةً من كلامِ العربِ، وافقَتْ كلمةً من كلامِ اليهودِ بغيرِ اللسانِ العربيِّ، هي عند اليهودِ سَبٌّ، وهي عند العربِ: أَرْعِني سمعَك وفرِّغْه لي ¬زيادة من: الأصل.¥؛ لتَفْهَمَ عني. فعلَّم اللهُ جلَّ ثناؤُه معنى اليهودِ في قيلِهم ذلك للنبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأن معناها منهم خلافُ معناها في كلامِ العربِ، فنَهَى اللهُ عزّ وجلّ المؤمنين عن قيلِها للنبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لئلا يَجْتَرِئَ مَن كان معناه في ذلك غيرَ معنى المؤمنين فيه، أن يُخاطِبَ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- به. وهذا تأويلٌ لم يَأْتِ الخبرُ بأنه كذلك مِن الوجهِ الذي تقومُ به الحجةُ. و
إذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بتأويلِ الآيةِ ما وصَفْنا، إذ كان ذلك هو الظاهرَ المفهومَ بالآيةِ دون غيرِه.
وقد حُكِيَ عن الحسنِ البصريِّ أنه كان يقرؤُه: (لا تقولوا راعنًا) ¬إتحاف فضلاء البشر ص 88.¥. بالتنوينِ، بمعنى: لا تقولوا قولًا راعنًا. من الرُّعونةِ، وهي الحُمْقُ والجهلُ.
وهذه قراءةٌ لقَرأةِ المسلمين مخالِفةٌ، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ القراءةُ بها، لشذوذِها وخروجِها من قراءةِ المتقدِّمين والمتأخِّرين، وخلافِها ما جاءت به الحجّةُ من المسلمين. ومن نَوَّن (راعنًا) نَوَّنه بقولِه: {لَا تَقُولُوا}، لأنه حينئذٍ عاملٌ فيه، ومن لم يُنَوِّنْه فإنه تَرَك تنوينَه لأنه أمرٌ مَحْكِيٌّ؛ لأن القومَ كأنهم كانوا يقولون للنبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: راعِنا. بمعنى مَسألتِه؛ إمّا أن يُرْعِيَهم سمعَه ¬سقط من: الأصل.¥؛ وإمّا أن يرعاهم ويَرْقُبَهم -على ما قد بَيَّنْتُ فيما مضَى- فقيل لهم: لا تقولُوا في مسألتِكم إياه: {رَاعِنَا}. فتكونُ الدلالةُ على معنى الأمر في {رَاعِنَا} حينئذٍ سقوطَ الياءِ التي كانت تكونُ في "راعَيتُه" ¬في م: "يراعيه"، وفي ت 1 ت 2، ت 3: "راعيه".¥، ويدلُّ عليها -أَعنى على الياءِ الساقطةِ- كسرةُ العينِ مِن {رَاعِنَا}.
وقد ذُكر أن ¬في الأصل، ت 1، ت 2، ت 3: "أنها".¥ قراءةَ ابنِ مسعودٍ: (لا تقولوا راعونا) ¬البحر المحيط 1/ 338.¥. بمعنى حكايةِ أميرٍ ¬في الأصل: "من".¥ صالحةٍ لجماعةٍ بمراعاتِهم ¬في الأصل: "مراعاتهم".¥. فإن كان ذلك من قراءتِه صحيحًا، وُجِّه ¬في الأصل: "وجب".¥ أن يكونَ القومُ كأنهم نُهُوا عن استعمالِ ذلك بينهم في خطابِ بعضِهم بعضًا، كان خطابُهم للنبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أو لغيرِه، ولا نعلمُ ذلك صحيحًا من الوجهِ الذي تصحُّ منه الأخبارُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَقُولُوا انْظُرْنَا}.
يعني بقولِه جل ثناؤُه: {وَقُولُوا انْظُرْنَا}: وقولوا أيها المؤمنون لنبيِّكم -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: انتظِرْنا وارقُبْنا، نَفْهَمْ ونتبيَّنْ ما تقولُ لنا وتُعلِّمُنا.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَقُولُوا انْظُرْنَا}: فقِّهْنا ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فهمنا".¥، بَيِّنْ لنا يا محمدُ ¬تفسير مجاهد ص 210، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 198 (1044).¥.
حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَقُولُوا انْظُرْنَا}: أفْهِمْنا، بَيِّنْ لنا يا محمدُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
يقالُ منه: نظَرْتُ الرجلَ، أَنظُرُه نَظِرةً. بمعنى: انتظرْتُه ورقَبْتُه. ومنه قولُ الحُطَيئةِ ¬ديوانه ص 283.¥:
وقد نَظَرْتُكُمُ [أعْشاءَ صادِرَةٍ] ¬في الأصل: "إيناء عاشية". والأعشاء، واحدتها عِشْيٌ، والعشى: ما يتعشى به. اللسان (ع ش ى).¥ ... للخِمْسِ ¬الخمس: من أظماء الإبل، وهو أن ترعى ثلاثة أيام وترد اليوم الرابع، أو هو أن ترد الماء يوما فتشربه، ثم ترعى ثلاثة أيام، ثم ترد الماء اليوم الخامس. التاج (خ م س).¥ طالَ بها حَوْزِي ¬الحوز: السوق اللين. وقد حاز الإبل يحوزها ويحيزها وحوَّزها: ساقها سوقًا رويدًا. التاج (ح و ز).¥ وتَنْساسِي ¬التنساس: سرعة الذهاب لورود الماء. التاج (ن س س).¥
ومنه قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} [الحديد: 13]. يَعنى به: انتظِرُونا. [وقد قُرِئ: (أنظِرونا نَقتَبِسْ من نُورِكم) ¬هى قراءة حمزة، وقرأ الباقون بوصل الألف. حجة القراءات ص 699.¥. يعنى به: انْتَظِرونا. وقد قُرِئَ: (أنظِرونا)] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥. وقد قرِئ: (أنظِرْنا) ¬هي قراءة أبيّ والأعمش. البحر المحيط 1/ 339.¥. بقطْعِ الألفِ في الموضِعَيْن جميعًا. فمَن قَرأ ذلك كذلك، أراد: أَخِّرْنا. كما قال جلَّ ثناؤُه {قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [ص: 79]. أي: أخِّرْني. ولا وجهَ لقراءةِ ذلك كذلك في هذا الموضعِ؛ لأن أصحابَ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إنما أُمِروا بالدنوِّ من رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، والاستماعِ منه، وإلطافِ الخطابِ له، وخَفْضِ الجناحِ، لا بالتأخُّرِ عنه، ولا بمسألتِه تأخيرَهم عنه. فالصوابُ -إذ كان ذلك كذلك- من القراءةِ، قراءةُ مَن وصَل الألفَ من قولِه: {انْظُرْنَا} ولم يَقْطَعْها، بمعنى: انتظِرْنا.
وقد قيل: إن معنى: (أَنْظِرْنا) بقطعِ الألفِ بمعنى: أَمْهِلْنا. حُكِي عن بعضِ العربِ سماعًا: أَنْظِرْني أكلِّمْك. وذكَر سامعُ ذلك من بعضِهم أنه استَثْبته في معناه، فأخبرَه أنه أراد: أَمْهِلْني. فإن لم ¬سقط من: م، ت 1.¥ يكُنْ ذلك صحيحًا عنهم، فـ "انظُرْنا" و"أَنظِرْنا"، بقطعِ الألفِ ووصلِها متقاربتا المعنى، غير أن الأمرَ وإن كان كذلك، فإن القراءةَ التي لا ¬سقط من: م.¥ أستجيزُ غيرَها قراءةُ مَن قرَأه: {وَقُولُوا انْظُرْنَا}. بوصلِ الألِفِ، بمعنى: انتظِرْنا. لإجماعِ الحجةِ على تصويبِها، ورفضِهم غيرَها من القراءاتِ [في ذلك] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)}.
يعني جل ثناؤُه بقولِه: {وَاسْمَعُوا}: اسمَعُوا ما يقالُ لكم، ويُتْلَى عليكم من كتابِ ربِّكم، وعُوه وافهمُوه.
كما حدثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: {وَاسْمَعُوا}: اسمَعُوا ما يقالُ لكم ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 104 إلى المصنف.¥.
فمعنى الآيةِ إذن: يأيُّها الذين آمنوا لا تقولوا لنبيِّكم: راعِنا سمعَك وفرِّغْه لنا، نَفْهَمْك وتَفْهَمْ عنا ما نقولُ، ولكن قولوا: انتظِرْنا وتَرَقَّبْنا حتى نَفهمَ عنك ما تُعلِّمُنا وتبينُه لنا. واسمَعوا منه ما يقولُ لكم فعُوه واحفظُوه وافهمُوه. ثم أخبرَهم جل ثناؤُه أن لمن جحَد منهم ومِن غيرِهم آياتِه، وخالفَ أمرَه ونَهْيَه، وكذَّب برسولِه -العذابَ الموجعَ في الآخرةِ، فقال: وللكافرين بي وبرسولي عذابٌ أليمٌ. يعنى بقولِه: "الأليم". الموجِعَ. وقد ذكَرْنا الدلالةَ على ذلك فيما مضَى قبلُ وما فيه مِن الآثارِ ¬ينظر ما تقدم في 1/ 291 - 293.¥.