এই আয়াতের তাফসীর

সূরা ২ : আয়াত ১০৬

সূরা ২ : আয়াত ১০৬

مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ

আমি কোন আয়াত রহিত করলে বা ভুলিয়ে দিলে তা থেকে উত্তম অথবা তারই অনুরূপ কোন আয়াত নিয়ে আসি। তুমি কি জানো না যে, নিশ্চয় আল্লাহ সব কিছুর উপর ক্ষমতাবান!

এই আয়াতে নির্বাচিত ভাষার তাফসীর নেই; উপলব্ধ পাঠ দেখানো হচ্ছে।

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ}.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ}. [ما ننقُلْ مِن حكمِ آيةٍ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ إلى غيرِه، فنغيِّرْه ونبدِّلْه. وذلك أن يحوِّلَ الحلالَ حرامًا، والحرامَ حلالًا، والمباحَ محظورًا، والمحظورَ مباحًا. ولا يكونُ ذلك إلَّا في الأمرِ والنهىِ، والحظرِ والإطلاقِ، والمنعِ والإباحةِ. فأما الأخبارُ فلا يكونُ منها ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فيها".¥ ناسخٌ ولا منسوخٌ.
وأصلُ النسخِ من نَسْخِ أصلِ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ الكتابِ، وهو نقلُه مِن نسخةٍ إلى أُخرَى غيرِها. فكذلك معنى نَسْخِ الحكمِ إلى غيرِه، [إنما هو تحويلُه ونقلُ عبادِه ¬في م: "عبارته". وفي تفسير ابن كثير 1/ 215 عن المصنّف: عبادة إلى غيرها.¥ عنه إلى غيرِه] ¬سقط من: الأصل.¥. فإذ كان ذلك معنى نسخِ الآيةِ، فسواءٌ -إذا نُسِخَ حكمُها فغُيِّر وبُدِّل فرضُها، ونُقِل ¬بعده في م: "فرض".¥ العبادُ عن اللازمِ كان لهم بها-[أُقِرَّ خطُّها] ¬في م: "أوفر حظها".¥ فتُرِك، أو مُحِىَ أثرُها فعُفِّىَ و ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "أو".¥ نُسِي، إذ هي حينئذٍ في كلتى حالتَيْها منسوخةٌ، والحُكْمُ الحادثُ المُبْدَلُ به الحكمُ الأولُ والمنقولُ إليه فرضُ العبادِ هو الناسخُ. يقالُ منه: نسَخ اللهُ حكمَ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ آيةِ كذا وكذا، يَنْسَخُه نَسْخًا، والنُّسخةُ الاسمُ.
وبمثلِ الذي قلنا في ذلك كان الحسنُ البصرىُّ يقولُ ¬بعده في الأصل: "قال".¥.
حَدَّثَنَا سَوّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا خالدٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ أنه قال في قولِه: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا ¬في ت 2، ت 3: "ننساها"، وغير منقوطة في الأصل. وقراءة الحسن: (تَنْسها). ينظر إتحاف فضلاء البشر ص 88، وسيأتي ما في هذه الكلمة من قراءات.¥ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} قال ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "قال".¥: أُقْرِئَ قرآنًا ثم نُسِّيَه، فلم يكنْ شيئًا، ومن القرآنِ ما قد نُسِخ وأنتم تقرءُونه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 105 إلى المصنّف.¥.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {مَا نَنْسَخْ}؛ فقال بعضُهم بما حَدَّثَنِي به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ}: أما نسخُها فقبضُها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 200 (1057) عن أبى زرعة، عن عمرو به.¥.
وقال آخرون بما حَدَّثَنِي به المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ}. ما نُبَدِّل من آيةٍ ¬أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص 5، وابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 201 (1065)، والبيهقيُّ في الأسماء والصفات (486) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 104 إلى ابن المنذر.¥.
وقال آخرون بما حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن ابنِ أبي نجيح، عن أصحابِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ أنهم قالوا: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ}. نُثْبِتْ خَطَّها، ونُبَدِّلْ حُكمَها ¬تفسير مجاهد ص 211، ومن طريقه البَيْهَقِيُّ في الأسماء والصفات (487)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 199 (1055)، والنحاس في ناسخه ص 58 من طريق ابن أبي نجيح به، وليس عند النحاس ذكر أصحاب ابن مسعود، وأخرجه أبو عبيد في ناسخه ص 6، وابن أبي حاتم 1/ 200 (1062) من طريق ابن جريجٍ، عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 105 إلى آدم بن أبي إياس وأبي داود في ناسخه.¥.
وحَدَّثَنِي المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ}. نُثْبِتْ خطَّهَا، ونُبَدِّلْ حكمَها. حدِّثْت به عن أصحابِ ابنِ مسعودٍ، حَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ، قال: حَدَّثَنِي بكرُ بنُ شرودٍ ¬في م، ت 1: "شوذب"، وفي ت 2، ت 3: "شودب".¥، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن أصحابِ ابنِ مسعودٍ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ}: نُثْبِتْ خطَّها.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {أَوْ نُنْسِهَا}.
اختَلف أهلُ القراءةِ في قراءةِ ذلك، فقرَأها قَرَأةُ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: {أَوْ نُنْسِهَا} ¬وهي قراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص 168.¥. ولقراءةِ مَن [قرأهَا كذلك] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "قرأ ذلك".¥ وجهانِ من التأويلِ:
أحدُهما، أن يكونَ تأويلُه: ما نَنْسَخْ يا محمدُ مِن آيةٍ فنُغَيِّرْ حكمَها أو نُنْسِكَها ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "ننسها".¥ - وقد ذُكِر أنَّها في مصحفِ عبدِ اللهِ (ما نُنْسِكَ من آيةٍ أو نَنْسخْها) ¬ينظر المصاحف لابن أبي داود ص 58، والناسخ والمنسوخ لأبي عبيد ص 10.¥ - نجِئْ بمثلِها. فذلك تأويلُ النسيانِ. وبهذا التأويلِ قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حَدَّثَنَا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}: كان ينسَخُ الآيةَ بالآيةِ بعدَها، ويقرأُ نبيُّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الآيةَ أو أكثرَ مِن ذلك ثم يُنَسَّى وتُرْفَعُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 105 إلى المصنّف وعبد بن حميد وأبي داود في ناسخه.¥.
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا}. قال: كان اللهُ تعالى ذِكْرُه يُنْسِى نبيَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ما شاء، ويَنْسَخُ ما شاء ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 55.¥.
حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ، قال: كان عُبيدُ بنُ عُميرٍ يقولُ: {نُنْسِهَا}: نَرْفَعْها مِن عندِكم ¬سيأتي بأتم مما هنا في ص 400.¥.
حَدَّثَنَا سوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ أنه قال في قولِه: {أَوْ نُنْسِهَا ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "ننساها". وينظر ما تقدم في ص 388.¥}. قال: إن نبيَّكم -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أُقْرِئ قرآنًا ثم نُسِّيه.
وكذلك كان سعدُ بنُ أبى وقَّاصٍ [يتأوَّلُ الآيةَ] ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "يتأوله".¥، [إلَّا أنه] ¬سقط من: الأصل.¥ كان يَقْرَؤها: (أو تَنْسَها ¬في ت: "تنساها"، وفي ت 2، ت 3: "ننساها"، وهذه القراءة شاذة. ينظر حجة القراءات ص 110.¥). بمعنى الخطابِ لرسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كأنه عنَى: أو تَنْسَها أنت يا محمدُ.
ذكرُ الأخبارِ [عن ذلك] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "بذلك".¥
حَدَّثَنِي يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا يَعْلَى بنُ عطاءٍ، عن القاسمِ بنِ ربيعةَ، قال: سمِعتُ سعدَ بنَ أبى وقاصٍ يقولُ: (مَا نَنْسَخْ مِن آيةٍ أو تَنْسَها). قال ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥: قلتُ له: فإن سعيدَ بنَ المُسَيِّبِ يقرؤُها: {أَوْ نُنْسِهَا}. قال: فقال سعدٌ: إن القرآنَ لَمْ يَنْزِلْ على المُسَيِّبِ ولا على آلِ المسيَّبِ، قال اللهُ: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} [الأعلى: 6]. {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} ¬أخرجه الحاكم 2/ 521 من طريق يعقوب بن إبراهيم به. وأخرجه أبو عبيد في ناسخه ص 10، وسعيد بن منصور في سننه (208 - تفسير)، وابن أبي داود في المصاحف ص 96، والمزي في تهذيب الكمال 23/ 375 من طربق هشيم به. وصححه الحاكم، والقاسم مجهول. وفي المصادر اختلاف في حكاية قراءة سعد وسعيد فانظره فيها.¥ [الكهف: 24].
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرَنا هُشَيْمٌ، قال: حَدَّثَنَا يَعْلَى بنُ عطاءٍ، قال: حَدَّثَنَا القاسمُ بنُ ربيعةَ بنِ قانفٍ الثَّقَفيُّ، قال: سمِعتُ سعدَ بنَ أبى وقاصٍ يَذْكُرُ نحوَه ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 55.¥.
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ المُثَنَّى، [قال: حَدَّثَنَا ابنُ مهديٍّ، وحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا] ¬سقط من: م.¥ آدمُ العَسْقلانِيُّ، قالا جميعًا: حَدَّثَنَا شعبةُ، عن يَعْلَى بنِ عطاءٍ، قال: سمعتُ القاسمَ بنَ ربيعةَ الثقفيَّ يقولُ: قلتُ لسعدِ بنِ أبي وقاصٍ: إنى سمعتُ ابنَ المُسَيِّبِ يَقْرَأُ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا}. فقال سعدٌ: إن اللهَ لَمْ يُنْزِلِ القرآنَ على المُسَيَّبِ ولا على ابنِه ¬في الأصل: "أبيك".¥، إنما هى: (ما نَنْسَخْ مِن آيةٍ أو تَنْسَها) يا محمدُ. ثم قرَأ: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} ¬أخرجه أبو داود في ناسخه -كما في التحفة 3/ 309 - والنسائي في الكبرى (10996)، وابن أبى داود في المصاحف ص 96، وابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 200 (1059)، والحاكم 2/ 242 من طريق شعبة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 104 إلى ابن المنذر.¥.
حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا}. يقولُ: {نُنْسِهَا}: نَرْفَعْها، وكان اللهُ تعالى ذكرُه أنْزَل أمورًا مِن القرآنِ ثم رفَعها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 201 عقب الأثر (1064) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
والوجهُ الآخَرُ منهما، أن يكونَ بمعنى التركِ، مِن قولِ اللهِ جل ثناؤه: {نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]. يعنى به: ترَكوا اللهَ فترَكهم. فيكونُ تأويلُ الآيةِ حينئذٍ على هذا التأويلِ: ما نَنْسَخْ مِن آيةٍ فنُغَيِّرْ حكمَها، [أو نتْرُكْها ولا نُغيِّرْ حُكمَها] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ ولا ¬سقط من: م.¥ نُبَدِّلْ فرضَها، نأتِ بخيرٍ مِن التي نسَخْناها أو مثلِها.
وعلى هذا التأويلِ تأوَّل ذلك ¬تقدم أول هذا الأثر في ص 389.¥ جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حَدَّثَنِي المُثَنى، قال: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: {أَوْ نُنْسِهَا}. يقولُ: أو نَتْرُكْها لا نُبَدِّلْها ¬¥.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: {أَوْ نُنْسِهَا}: نَتْرُكْها لا نَنْسَخْها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 201 (1066) عن أبي زرعة، عن عمرو بن حماد به.¥.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا}. قال: الناسخُ والمنسوخُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 200 (1061) من طريق هشيم به.¥.
قال: وكان عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ يقولُ في ذلك بما حدَّثني به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {أَوْ نُنْسِهَا}. قال: نَمْحُها.
وقرَأ ذلك آخَرون: (أو نَنْسَأْها) ¬هى قراءة ابن كثير وأبى عمرو. حجة القراءات ص 109.¥. بفتحِ النونِ وهمزةٍ بعدَ السينِ، بمعنى: نُؤَخِّرْها. مِن قولِك: نسَأْتُ هذا الأمرَ أَنْسَؤُه نَسْأً ونَساءً، إذا أخَّرْتَه. وهو مِن قولِهم: بعتُه بنسَاءٍ. يعنى: بتَأخيرٍ. ومِن ذلك قولُ طَرَفَةَ بنِ العَبْدِ ¬ديوانه ص 37.¥:
لَعَمْرُك إنَّ المَوْتَ ما أنسَأَ ¬في الديوان: "أخطأ".¥ الفَتَى ... لَكَالطِّوَلِ ¬الطول: الحبل الطويل جدًّا. اللسان (ط و ل)، والبيت فيه كرواية الديوان.¥ المُرْخَى وثِنْياهُ باليَدِ
يعنى بقولِه: أَنْسَأ. أخَّر.
ومِمَّن قرَأ ذلك كذلك ¬سقط من: م.¥ [جماعةٌ مِن الصحابةِ والتابعين، وقرَأه] ¬سقط من: الأصل. وهي قراءة عمر وابن عباس من الصحابة، وقراءة النخعى وعطاء ومجاهد وعبيد ابن عمير من التابعين. ينظر البحر المحيط 1/ 343.¥ جماعةٌ مِن قرأَةِ المكِّيين ¬في م: "الكوفيين".¥ والبصريين. وتأوَّله كذلك جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ في قولِه: (مَا نَنْسَخْ من آيةٍ أو نَنْسأْها ¬في الأصل، ت 2، والناسخ والمنسوخ: "ننسها"، وفي سنن سعيد: "ننسيها".¥). قال: نُؤَخِّرْها ¬أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص 6 عن هشيم به. وأخرجه أبو عبيد -أيضًا- وسعيد بن منصور في سننه (209 - تفسير) عن مروان بن معاوية عن عبد الملك به.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، قال: سمِعتُ ابنَ أبي نَجيحٍ يقولُ في قولِ اللهِ: (أو نَنْسَأْهَا). قال: نُرْجِئْها ¬أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (487) من طريق ابن أبي نجيح عن أصحاب ابن مسعود. وهو تتمة الأثر المتقدم في ص 390.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ: (أو نَنْسَأْهَا): نُرْجِئْها ونُؤَخِّرْها ¬أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص 6، 7 من طريق جرير بن حازم عن حميد الأعرج عن مجاهد به.¥.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبيرىُّ، قال: ثنا فُضَيلٌ، عن عطيةَ: (أو نَنْسَأْهَا) قال: نُؤَخِّرْها فلا نَنْسَخْها.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبرني عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ، عن عُبيدٍ الأزْدِىِّ، عن عُبَيدِ بنِ عُمَيْرٍ: (أو نَنْسَأْهَا): إرجاؤُها [وتأخِيرُها] ¬في الأصل: "تأخيرها".¥.
هكذا حدَّثنا القاسمُ: عن عبدِ اللهِ بن كثيرٍ، عن عُبيدٍ الأزْدِىِّ، وإنما هو: عن علىٍّ الأزدىِّ.
حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: حدَّثنا حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ كثيرٍ، عن علىٍّ الأزدِىِّ، عن عُبيْدِ بنِ عُمَيْرٍ أنه قَرأها: (أو نَنْسَأْهَا) ¬أخرجه أبو عبيد في ناسخه ص 7.¥.
قال: فتأويلُ مَن قَرأ ذلك كذلك: ما نُبدِّلْ مِن آيةٍ أنزَلناها إليك يا محمدُ، فنبطِلْ حُكْمَها ونُثْبِتْ خَطَّها، أو نُؤخِّرْها فَنُرْجِئْها ونُقِرَّها فلا نُغَيِّرْها ولا نُبطِلْ حُكْمَها، نأتِ بخيرٍ مِنها أو مِثلِها.
وقد قرأَ بعضُهم ذلك: (مَا نَنْسَخْ من آيةٍ أو تُنْسَها ¬رويت هذه القراءة عن سعيد بن المسيب. المحرر الوجيز 1/ 382.¥). وتأويلُ هذه القراءةِ نظيرُ تأويلِ قراءةِ ¬في الأصل: "قوله".¥ مَن قرأَ: {أَوْ نُنْسِهَا}. إلا أن معنى: [{أَوْ نُنْسِهَا}: أو نُنْسِكَها يا محمدُ نحن. مِن: أَنْسَاه اللهُ يُنْسِيه. ومعنَى مَن قرأَ: (أو تُنْسَها)] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥. أو تنْسَها أنتَ يا محمدُ.
وقد قرَأ بعضُهم: (مَا نُنْسِخْ ¬هى قراءة ابن عامر، من السبعة. حجة القراءات ص 109.¥ من آيةٍ). بضَمِّ النونِ وكَسْرِ السِّينِ. بمعنَى: ما نُنْسِخْكَ يا محمدُ نحنُ مِن آيةٍ. مِن: أَنْسَختُكَ فأنا أُنْسِخُك.
قال: وذلك خطأٌ مِن القِراءةِ عندَنا، لخروجِه عما جاءتْ به الحجّةُ مِن القرأَةِ ¬في م: "القراءة".¥
بالنقلِ المستفيضِ. وكذلك قراءةُ مَن قَرَأ: (تَنْسَها) أو (تُنْسَها). لشذوذِها وخروجِها عن القراءةِ التي جاءتْ بها الحجةُ مِن قرأَةِ الأمةِ.
وأولى القراءاتِ في قولِه: {أَوْ نُنْسِهَا}. بالصوابِ، قراءةُ مَن قرأ: {أَوْ نُنْسِهَا}. بمعنى: نَترُكْها؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخبرَ نبيَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه مهما بدَّل حُكمًا أو غيَّرَه، أو لم يبدِّلْه ولم يغيِّرْه، فهو آتِيه بخيرٍ منه أو بمثلِه. فالذي هو أوْلَى بالآيةِ إذ كان ذلك معناها، أن يكونَ إذ قدَّم الخبرَ عما هو صانعٌ ¬في الأصل: "سايع".¥ إذا هو غيَّر وبدّل حكمَ آيةٍ - أن يُعقِّبَ ذلك بالخبَرِ عما هو صانِعٌ إذا هو لم يُبدِّلْ ذلك ولم يُغيِّرْ. والخبرُ الذي يجِبُ أن يكونَ عَقيبَ قولِه: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ}. قولُه: أو نَترُكْ نَسْخَها. إذ كان ذلك المعروفَ الجارِىَ في كلامِ الناسِ، مع أن ذلك إذا قُرِئَ كذلك بالمعنى الذي وَصَفتُ، فهو يَشتَمِلُ على معنَى الإنْساءِ الذي هو بمعنى التَّرْكِ، ومعنى النَّسْءِ ¬في م: "النساء".¥ الذي هو بمعنَى [التَّرْكِ. ومعنى النَّسْءِ الذي هو بمعنَى] ¬سقط من ت م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ التأخيرِ، إذ كان كلُّ متروكٍ فمؤخَّرٌ في ¬في م: "على".¥ حالِ ما هو متروكٌ.
وقد أنكَر قومٌ قراءةَ مَن قرأ: (أوْ تَنْسها). إذا عنَى به النسيانَ. وقالوا: غيرُ جائزٍ أن يكونَ رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَسِى مِن القرآنِ شيئًا مما نُسِخَ ¬في م: "لم ينسخ".¥، إلا أن يكونَ نَسِى منه شيئًا ثم ذكَره. قالوا: وبعدُ، فإنه لو نَسِى منه شيئًا لم يكنِ الذين قَرءُوه وحَفِظوه مِن أصحابِه بجائزٍ على جميعِهم أن يَنْسَوه. قالوا: وفي قولِ اللهِ جلّ ثناؤُه: {وَلَئِنْ شيءنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الإسراء: 86]. ما يُنْبِئُ عن أن اللهَ تعالى ذِكْرُه لم يُنْسِ نبيَّه شيئًا ¬بعده في م: "مما".¥ آتاه مِن العلمِ.
قال أبو جعفرٍ: وهذا قولٌ يَشهَدُ على بُطُولِه وفسادِه الأخبارُ المتظاهِرَةُ عن رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأصحابِه بنحوِ الذي ¬بعده في م: "قلنا".¥ حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: حدثنا أنسُ بنُ مالكٍ: إنَّ أولئكَ السَّبْعِين مِن الأنصارِ الذين قُتِلوا ببئرِ مَعُونةَ ¬بئر معونة: بين أرض بني عامر وحرَّة بني سليم. معجم البلدان 1/ 435.¥ قرَأْنا بهم وفيهم كتابًا: (بَلِّغوا عنَّا قَوْمَنا أنَّا لَقِينا ربَّنا فرَضِىَ عنَّا وأرْضَانا). ثم إن ذلك رُفِعَ ¬أخرجه البخاريّ (4090) من طريق يزيد به بنحوه.¥.
فالذي ذُكِرَ ¬في م: "ذكرنا".¥ عن أبى موسى الأشعَرىِّ أنهم كانوا يَقْرءون ¬في الأصل: "يقولون".¥: (لو أن لابنِ آدمَ واديين مِن مَالٍ لابتغى لهما ثالثًا، ولا يَمْلأُ جوفَ ابنِ آدمَ إلا الترابُ، ويَتوبُ اللهُ على مَن تابَ) ¬أخرجه مسلم (1050) بنحوه. وينظر مسند الطيالسيّ (541).¥. ثم رُفِعَ.
وما أشْبَهَ ذلك مِن الأخبارِ التي يَطُولُ بإحْصائِها الكتابُ.
وغيرُ مستحيلٍ في فِطْرةِ ذي عقلٍ صحيحٍ، ولا بحُجةِ خبرٍ، أن يُنْسِىَ اللهُ نبيَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعضَ ما قد كان أنزَله إليه، فإذا كان ذلك غيرَ مستحيلٍ مِن أحدِ هذين الوجهين، فغيرُ جائزٍ لقائلٍ أن يقولَ: ذلك غيرُ جائزٍ.
وأما قولُه: {وَلَئِنْ شيءنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ}. فإنه جل ثناؤُه لم يُخْبِرْه أنه لا يَذْهَبُ بشيء منه، وإنما أخبرَه أنه لو يشاءُ لذَهَب بجَميعِه، فلم يَذْهَبْ به، والحمدُ للهِ، بل إنما ذَهَب منه ¬سقط من: م.¥ بما ¬في ت 1، ت 2: "ما".¥ لا حاجةَ بهم إليه منه، وذلك أن ما نَسَخ منه فلا حاجةَ بالعبادِ إليه، وقد قال اللهُ تعالى ذِكْرُه: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ} [الأعلى: 6، 7]. فأخبرَ أنه يُنْسِى نبيَّه منه ما شاء. فالذي ذَهَب منه الذي اسْتَثْناه اللهُ.
فأما نحن، فإنما اخْتَرنا ما اخْتَرنا مِن التأويلِ طَلَبَ اتِّساقِ الكلامِ على نظامٍ في المعنى، لا إنكارَ أن يكونَ اللهُ تعالى ذِكرُه قد كان أنسى ¬في م: "آتى".¥ نبيَّه بعضَ ما نَسَخ مِن وحيِه إليه وتنزيلِه.

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا}. فقال بعضُهم بما حدَّثني به المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}. يقولُ: خيرٍ لكم في المنفعةِ وأرفقَ بكم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 201 (1067) من طريق عبد الله بن صالح به. وينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 54، والفتح 8/ 158.¥.
وقال آخرون بما حدَّثني به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}. يقولُ: آيةٍ فيها تَخْفِيفٌ، فيها رُخْصَةٌ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "رحمة".¥، فيها أَمْرٌ، فيها نَهْىٌ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 55.¥.
وقال آخرون: نأتِ بخيرٍ مِن التي نَسَخْناها، أو بخيرٍ مِن التي تَرَكْناها فلم نَنْسَخْها.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا}. يقولُ: نأتِ بخيرٍ مِن التي نَسَخْناها، {أَوْ مِثْلِهَا} أو مثلِ التي تَركْناها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 201 (1069) عن أبي زرعة، عن عمرو بن حماد به.¥.
فالهاءُ والألفُ اللتان في: {مِنْهَا} عائدتان -على هذه المقالةِ- على الآيةِ في قولِه: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ}. والهاءُ والألفُ اللتان في قول: {أَوْ مِثْلِهَا} عائدتان على الهاءِ والألفِ اللتين في قولِه: {أَوْ نُنْسِهَا}.
وقال آخرون بما حدَّثني به المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ، قال: كان عُبيدُ بنُ عُميرٍ يقولُ: {نُنْسِهَا}: نرفعْها مِن عندِكم، فنأْتى ¬في م: "نأت".¥ بمثلِها أو خيرٍ منها ¬تفسير مجاهد ص 210، 211، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 201 (1064)، والبيهقي في الأسماء والصفات (487) عن ابن أبي نجيح عن عبيد بن عمير.¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: حدّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {أَوْ نُنْسِهَا}: نَرْفعْها، نأتِ بخيرٍ منها أو بمثلِها ¬تقدم تخريجه في ص 393.¥.
وحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ شرودٍ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ، عن أصحابِ ابنِ مسعودٍ مثلَه.
والصوابُ مِن القولِ في معنى ذلك عندَنا: ما نُبَدِّلْ مِن حُكْمِ آيةٍ فنُغَيِّرْه، أو نَتْرُكْ تَبْدِيلَه فنُقِرَّه بحالِه، نَأْتِ بخيرٍ ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "منها".¥ لكم مِن حُكْمِ الآيةِ التي نَسَخْنا فغَيَّرنا حُكْمَها، إما في العاجلِ؛ لخِفَّتِه عليكم، مِن أجلِ أنه وَضْعُ فَرْضٍ كان عليكم، فأُسْقط ثِقَلُه عنكم، وذلك كالذي كان على المؤمنين مِن فَرْضِ قيامِ الليلِ، ثم نُسِخ ذلك فوضِع عنهم، فكان ¬بعده في م: "ذلك".¥ خيرًا لهم في عاجلِهم، لسقوطِ عِبْءِ ذلك وثقلِ حِمْلِه عنهم، وإما في الآجلِ؛ لعِظَمِ ثوابِه مِن أجلِ مَشَقَّةِ حملِه، وثِقَلِ عِبْئِهِ على الأبدانِ. كالذي كان عليهم مِن صيامِ أيامٍ مَعْدوداتٍ في السنةِ، فنُسِخَ وفُرِضَ عليهم مكانَه صومُ شهرٍ كاملٍ في كلِّ حَوْلٍ. فكان فَرْضُ صومِ شهرٍ كاملٍ كلَّ سنةٍ أثقلَ على الأبدانِ مِن صيامِ أيامٍ مَعْدوداتٍ، غيرَ أن ذلك وإن كان كذلك، فالثوابُ عليه أجْزَلُ، والأجرُ عليه أكثرُ؛ لفَضْلِ مَشَقَّتِه على مُكَلَّفيه مِن صومِ أيامٍ معدوداتٍ بذلك ¬في م، ت 2: "فذلك".¥، وإن كان على الأبدانِ أشقَّ، فهو خيرٌ مِن الأوَّلِ في الآجلِ؛ لفضلِ ثوابِه وعِظَمِ أجْرِه الذي لَمْ
يكنْ مثلُه لصومِ الأيامِ المعدوداتِ. فذلك معنى قولِه: {نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْهَا}. لأنه إما بخيرٍ منها في العاجلِ لخِفَّتِه على مَن كُلِّفَه، أو في الآجلِ لعِظَمِ ثوابِه وكثرةِ أجرِه. أو يكونُ مِثلَها في المشقَّةِ على البدنِ، واستواءِ الأجرِ والثوابِ عليه، نَظِيرَ نسخِ اللهِ تعالى ذِكْرُه فرضَ الصلاةِ شَطْرَ بيتِ المقدسِ إلى فرضِها شطرَ المسجدِ الحرامِ. فالتوجُّهُ شَطْرَ بيتِ المقدسِ وإن خالَف التوجهَ شطرَ المسجدِ الحرامِ ¬زيادة من: ت 2.¥، فكُلْفةُ مؤنةِ ¬سقط من: م.¥ التوجهِ [شطرَ أيِّهما توجَّه] ¬في الأصل: "فوجه شطرانهما".¥
شطرَه ¬في ت 2: "الشطر"، وفي ت 1، ت 3: "شطره".¥ المُتوجِّهُ ¬سقط من: م.¥ - واحدةٌ؛ لأنَّ الذي على المتوجِّهِ شطرَ البيتِ المقدَّسِ مِن مُؤْنةِ تَوجُّهِه شطرَه، نَظِيرُ الذي على بدنِه ¬في، 2: "يده"، وفي ت 1، ت 3: "يديه".¥ من ¬بعده في ت 1، ت 2، ت 3: "نظير".¥ مؤنةِ توجُّههِ شطرَ الكعبةِ سواءٌ. فذلك هو معنى المِثْلِ الذي قال جل ثناؤُه: {أَوْ مِثلِهَا}.
وإنما عَنَى جل ثناؤُه بقولِه: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا}: ما نَنْسَخْ مِن حكمِ آيةٍ أو نُنْسِه. غيرَ أن المُخَاطبين بالآيةِ لمَّا كان مفهومًا عندَهم معناها، اكتَفى بدَلالةِ ذكرِ الآيةِ مِن ذِكْرِ حُكْمِها. وذلك نظيرُ سائرِ ما ذَكَرنا مِن نظائرِه فيما مَضَى مِن كتابِنا هذا، كقولِه: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ}. بمعنى: حُبَّ العجلِ. ونحوِ ذلك ¬ينظر ما تقدم في ص 265، 266.¥.
فتأويلُ الآيةِ إذن: ما نُغيِّرْ مِن حُكْمِ آيةٍ فنُبَدِّلْه، أو نَتْرُكْه فلا نُبَدِّلْه، نَأْتِ بخيرٍ لكم منه ¬زيادة من: الأصل.¥ -أيها المؤمنون- حُكْمًا منها، أو مِثْلِ حُكْمِها، في الخِفَّةِ والثِّقَلِ، والأجرِ والثوابِ.
فإن قال قائلٌ: فإنا قد عَلِمنا أن العِجْلَ لا يُشْرَبُ ¬بعده في م: "في".¥ القلوبَ، وأنه لا يَلْتَبِسُ على مَن سمِع قولَه: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ}. أن معناه؛ وأُشْرِبوا في قلوبِهم حبَّ العجلِ. فما الذي يَدُلُّ على أنَّ قولَه: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} لذلك نظيرٌ؟
قيل: الذي دلَّ على أن ذلك كذلك قولُه: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}. وغيرُ جائزٍ أن يكونَ مِن القرآنِ شيءٌ خيرًا مِن شيءٍ، لأنَّ جميعَه كلامُ اللهِ، ولا يجوزُ في صفاتِ اللهِ تعالى ذِكرُه أن يقالَ: بعضُها أفضلُ مِن بعضٍ، أو ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "و".¥ بعضُها خيرٌ مِن بعضٍ.

القولُ في تأويلِ قولِه: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106)}.
يعنى جل ثناؤه بقولِه: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}: ألم تَعْلَمْ يا محمدُ أنى قادرٌ على تعويضِك ممَّا نسَختُ مِن أحكامي، وغيَّرْتُه مِن فرائضي التي كنتُ افتَرضْتُها عليك، ما أشاءُ ممَّا هو خيرٌ لك ولعبادي المؤمنين معك، وأنفعُ لك ولهم، إمَّا عاجلًا في الدنْيا، وإمَّا آجِلًا في الآخرةِ، أو بأن أبدِّلَ لكَ ولهم مكانَه مثلَه في النفعِ لهم، عاجلًا في الدنْيا وآجلًا في الآخِرَةِ، وشَبيهَه في الخِفَّةِ عليك وعليهم؟ فإني -فاعلَمْ يا محمدُ- على ذلك وعلى كلِّ شيءٍ قديرٌ.
ومعنى قولِه: {قَدِيرٌ}. في هذا الموضعِ: قَوىٌّ. يقالُ منه: قد قدَرْتُ على كذا وكذا -إذا قوِيتَ عليه- أقدِرُ عليه، وأَقْدُرُ عليه، قُدْرَةً وقِدْرانًا ومَقْدِرَةً. وبنو مُرَّةَ مِن غَطَفَانَ تقولُ خاصةً ¬سقط من: م.¥: قدِرتُ عليه. بكسرِ الدالِ.
فأمَّا مِن التقديرِ مِن قولِ القائلِ: قدَرتُ الشيءَ. فإنه يقالُ منه: قدَرتُه أقْدُرُه قَدْرًا وقدَرًا.

অন্য ভাষার তাফসীর · ৬